الرئيسية » الآداب » فلترقد روحك بسلام أيها الشاعر الإنسان!

فلترقد روحك بسلام أيها الشاعر الإنسان!


تحتفل الأوساط الثقافية الفلسطينية والعربية بذكرى ميلاد الشاعر محمود درويش، وهو الشاعر الذي ظل “على قلق” يتنقل من أرض إلى أخرى دون أن يبلغ قرية البروة في فلسطين المحتلة التي ولد فيها.


 


ولد الشاعر محمود درويش في قرية البروة في فلسطين المحتلة عام 1941 في الثالث عشر من آذار، وعندما حدثت النكبة الفلسطينية عام 1948 كان الطفل درويش قد تجاوز السابعة بقليل، مما جعله يختزن بذاكرة الطفولة التي ظلت حية مآسي لا عد لها ولا حصر، من مرارة التشرد والخوف والضياع، وفقدان الأمان في بيته وقريته، وقد تحدث درويش كثيرا عن ذلك في أشعاره ورسائله وسردياته المختلفة.


لعلّ ما مر به الشاعر درويش من تجارب مؤلمة جعلته إنسانا مرهفا وحساسا، ولعلها هذبت حسه ومشاعره، لتكون أجمل وأصفى وأكثر إنسانية، فعلى الرغم مما عانى هذا الشاعر وفي فترة لها تأثيرها على الإنسان، لكنه لم يكن يحمل حقدا على أحد، حتى على الآخر الإسرائيلي أو اليهودي، بل حاوره إنسانيا، وكان صوت العقل والمنطق هو الذي يحكم ذلك الحوار، لأن الشاعر على يقين بأن صوته هو الأقوى وحجته هي الأنصع، فإن لم يقتنع بها ذلك الآخر، لا يعني بأنه ضعيف، وبالتالي فقد أقام على تلك العلاقة برهانا من الحجة القاطعة، ولكن من كان محتلا، ويسرق قوت الشعوب ويصادر آمالها، لن يفهم صوتا وفكرا وشعرا كصوت درويش وفكره، ولذلك لم يلتقيا على طول تلك العلاقة الملتبسة بين الضحية القوية فكرا وحجة الضعيفة سلاحا، وبين المحتل الضعيف حجة وإنسانية ولكنه مدجج بسلاح لا يرحم. 


ولم يكن درويش إنسانيا في علاقته مع الآخر الإسرائيلي وحسب، بل إن درويشا لم يكن ليدخل مع معارضيه ومناكفيه في معارك أدبية، وكان يصمت ويشيح ببصره عن كل منتقد، مانحا هؤلاء القوم حق الاختلاف والاعتراض، ولم يكن معنيا بإثارة أحقاد جانبية، لأنه كان يدرك ما معنى الشاعر وما هي وظيفته وما هو مشروعه الثقافي الإنساني العام.


وأخيرا لقد كان درويش في نزعته الشعرية إنسانا يشعر بآلام الآخرين ويتعاطف مع مآسيهم، وقد وثق كل ذلك شعرا، ودواوينه شواهد حق وصدق لما كان عليه هذا الشاعر في شعره، وأقف هنا عند قصيدة لدرويش أراها قد جمعت المأساة الفلسطينية فردية وجماعية إلى جانب أنها جعلت الحالة إنسانية بامتياز، وأقصد بذلك قصيدة درويش “فكر بغيرك“، وهي إحدى قصائد ديوان “كزهر اللوز أو أبعد” الصادر عن دار الشروق/ رام الله، 2005.


جاءت القصيدة ضمن مجموعة القصائد الأولى في الديوان المعنونة بـ “أنت”، والقصيدة ليست من القصائد الطويلة، بل إنها لم تتجاوز السبعة أبيات، بناها الشاعر بناءا واحدا رتيبا، بحيث بدأ كل بيت بالضمير أنت المسبوق بالواو، على ما يحمل هذا الضمير المنفصل من قوة وتنبيه للمتلقي، وعلى ما تحيل هذه الواو من محذوف يستحضره القارئ ضمن الحالات التي تحدث عنها الشاعر في القصيدة.


لم يحدد درويش مخاطبا معينا في القصيدة، بل جاء الضمير “أنت” ضميرا عاما شاملا لكل مخاطب، فلسطينيا وغير فلسطيني، إنه الإنسان في كل زمان وفي كل مكان، ذلك الإنسان الذي يغرق في متعه وملذاته وفرديته وينسى الآخرين، فبماذا يفكر درويش؟ وبماذا يطالب المخاطب أن يفكر؟


ها أنت الآن على مائدة فطورك، تعد وجبة الصباح، لعلك تنظر إليها وقد غصت بما لذ وطاب، فهل ستلتهم هذا الفطور وحدك؟ قف لحظة وفكر بغيرك “لا تنس قوت الحمامْ”، يا له من تعبير! “قوت الحمام”، ببساطته وقلته وتواضعه، فهو لا يكلف كثيرا.


يبقى درويش في دائرة اليومي، ويدعونا لأن نفكر بمن لا يجدون الماء و”يرضعون الغمامْ” ونحن نسدد فواتير المياه، ويجب علينا أن لا ننسى “شعب الخيامْ” ونحن نؤوب إلى بيوتنا، أو حين نضع أجسامنا في الفراش ونحلم بالأحلام السعيدة ونجمع الكواكب، “فثمة من لم يجد حيزا للمنامْ”.


ولا تمر الحرب حرب الأقوياء دون أن يذكر درويش بأن الحرب ليست هدفا في حد ذاتها، فليس بطلا من يشعل حربا ويدمر بلدا كاملا، إنما البطولة أن تكون إنسانيا وأنت تخوض هذه الحرب، وتفكر بأن هناك أناسا “يطلبون السلامْ”، عندها تدرك معنى وجودك الإنساني أيها الأنت!!


وتخطو القصيدة خطوة أخرى في رسم معالم إنسانية الإنسان، ويلتفت درويش إلى حق الآخرين في الكلام والاختلاف، فإن كنت كاتبا وتمارس لعبة الكتابة الصاخبة المزركشة أو المتحررة بالاستعارات، تأكد أن هناك آخرين قد حرموا حق الكلام، فالدكتاتوريات الطاغية على اختلاف أنواعها تمنع الكثيرين وتغتال قلوبهم وعقولهم وألسنتهم، فلا تكن أنت منهم، عليك أيها البليغ المحصن باستعاراتك أن تستمع للآخرين فهم بشر ولهم حق التعبير والكلام، وإن لم يستطيعوا هم أن يكتبوا، فلا تتجاوز عنهم مهملا لهم، فلتكتب عنهم ولا تظلَّ هائما في استعاراتك ناسيا همّ غيرك، عليك أن تكون إنسانيا بكتاباتك، وتذكر مهمتك:


 وأنت تحرّر نفسك بالاستعارات، فكر بغيرك       


                          ]من فــقدوا حقــهم في الكــلامْ[


ويختم درويش قصيدته مذكرا هذا المخاطب أن يفكر بنفسه وهو يفكر بالآخرين البعيدين، ولكن يريد له أن لا يفكر بأنانية وفردية “فكر بنفسك، قل: ليتني شمعة في الظلامْ“، إن هذه هي مهمتك أيها الإنسان أن تكون شمعة في هذا الظلام، لتكون نفسك وغيرك، فلا معنى لوجودك إن كنت وحيدا، فلتتكامل مع غيرك ولتكن لهم، ليكونوا لك.


هذا هو الشاعر عندما تكون حياته مجبولة بعرق الآخرين، وإحساسه نابع ومتناغم من إحساس الجماهير، هذا الشاعر الذي كان جماهيريا في ديوانه الأول، وصار إنسانيا في كل شعره بعد ذلك، فلترقد روحك بسلام أيها الشاعر الإنسان، فما زلت بيننا فلم يبعدك الموت عنا إلا بقدر ما تغيب شمس نهار، لتعود تشرق من جديد!! 



———————-

فراس حج محمد/ فلسطين نابلس