الرئيسية » شؤون كوردستانية » أنصاريات .. قواعد ومفارز وإعادة بناء تنظيمات الده شت – الحلقة الرابعة

أنصاريات .. قواعد ومفارز وإعادة بناء تنظيمات الده شت – الحلقة الرابعة

رغم المعنويات العالية لدى كافة الأنصار فإنهم كانوا يشعرون بحاجة متزايدة إلى الكثير من الماء والطعام لاسترجاع ما فقدوه من حيوية ونشاط وحركة لكي يكونوا قادرين على تحمل قسوة العمل الأنصاري ضمن هذه المنطقة الجرداء التي تختلف عن الجبل كليا ، فهناك في الجبل أينما تذهب تجد بسهولة مصادر الماء وحتى الطعام ، وإمكانية الدخول إلى قراه أقل خطورة من مناطق الده شت التي تقل فيها شروط المعارك البارتيزانية بسبب طبيعتها الجغرافية وإمكانية وصول قوات النظام إليها بسهولة .

هناك بالقرب من قرية “شيخ خدرى” وعند ارض منبسطة توقفت المفرزة و جلس الأنصار بصمت مطبق في مجاميع متقاربة ينتظرون وصول الماء والطعام ، والجدير ذكره إن انتظارهم لم يستغرق كثيرا حتى جاء شاب معه دابة تحمل برميلن من الماء وكمية كبيرة من خبز التنور المعروف في المناطق الأيزيدية ، الماء كان كافيا لأن يغسل الجميع وجوههم به ولكنه كان دافئا غير قادر على كسر عطش الأنصار ورغم ذلك فرط الجميع بشربه حتى لم يعد بالإمكان تناول الخبز الذي جلبه ذلك الشاب ، لم نشعر عند ذلك الوقت بأية خطورة ، وكان هم الجميع أن يعود النشاط إلى اجسامهم بعد عدة أيام قاسية ، وقد كان الجميع منشغلا وإذا بأبا ماجد يصل إلى مكان تجمع المفرزة مع والدته (1) “داي به هار” التي جاءت معه للتمويه لأن السيارة تمر عبر طرق يمكن وضع نقاط التفتيش فيها .

نحن مجموعة التنظيم لم نأبه كثيرا بأمر الخبز ولم نتناول منه إلا القليل ، لأن الأمر كان يتطلب أن نتحرك بسرعة وإننا لابد ان نكون ضيوف سفرة غنية من الطعام في دوغاتا ، وكان على المفرزة أن تعود إلى المناطق الجبلية الأكثر أمنا والأفضل للحركة ، لم يبق لدينا غير قطعة سلاح واحدة ” كلاشينكوف” وعدد من مخازن العتاد وما تبقى كانت منشورات حزبية وجرائد طريق الشعب وغير ذلك وكان في جيب كل واحد منا مبلغا قدره 10 دنانير عراقية للتصرف بها عند الانتقال من مكان إلى آخر ولتوفير احتياجاتنا الأخرى ، بدأنا نتوادع مع رفاقنا الأنصار، وإذا بأبا ماجد يشير إلينا بأن ( 2 ) “عيدو مراد – مختار” سيرافقنا إلى القرية وهناك سيتحرر ويذهب إلى سبيله ، فرغم إن الأمر كان فيه ما يكفي من الخطورة ولكن الوقت لم يكن يتسع لرفضه أو حتى مناقشته هذا من جانب ومن الجانب الآخر كان كل واحد منا يثق بمختار ثقة تامة رغم قراره بتسليم نفسه إلى السلطات بعد وصوله إلى هناك أي دوغاتا وحتارة .

قبل أن تتحرك المفرزة ، تحركنا نحن ، وكانت داي به هار تتقدمنا نحو مكان تواجد السيارة التي تنتظرنا لإيصالنا إلى القرية والعائدة (3)” للشهيد عيدو عبدي – أبو حلمي ” وصلنا إلى الطريق الترابي ولكننا لم نجد السيارة ارتبكنا وارتبكت داي به هار ولكنها قالت لابد أن تكون السيارة قريبة من هذا المكان … تحركنا على الطريق الترابي لمسافة محددة ولم نجدها … علقنا إشارة ضوئية خافتة تؤكد وجودنا ، لم يرد علينا أحد… بحثنا عن السيارة دون جدوى…إذن نحن في مأزق ، المفرزة تحركت بعد حركتنا بدقائق قليلة ولا يمكن لنا أن نلحق بها في كل الأحوال وفي نفس الوقت لم نسطع الوصول إلى السيارة وعرفنا إننا لم نجدها بعد مرور وقت غير قصير … أدركنا إننا نخسر المزيد من الوقت وكان لابد لنا أن نقرر … فاقترحت أن نواصل مشوارنا إلى دوغاتا سيرا على الأقدام … ولكن الرفاق استفسروا عن إمكانية ذلك … قلت لهم أعرف الاتجاه ولكنني أجهل الطريق وكرر مختار نفس ما قلته … لم يكن أمامنا حيلة أخرى غير أن نتخذ من الاتجاه طريقنا إلى حتارة ومنها إلى دوغاتا .

عشرات المنخفضات وداي به هارى تخوضها معنا بحذاء رديء ، وكان الأمر يسير ببطء شديد ولكننا استطعنا الوصول إلى الجبل رغم المعاناة ، توقعنا أن نتسلقه بسهولة ولكن توقعاتنا اصطدمت بعشرات الارتفاعات والمنخفضات الجبلية بين قرية (4 ) “خه رشه نيا Kharshanya “غربا و (5) “كه لى بانده وايى Bandawae” شرقا … عشرات المرات صرنا نحمل داي به هارى على أكتافنا المرهقة والتي انهارت تعبا وجوعا … وفي كل مرة ينفجر فينا السؤال عن سبب ما حدث وعدم الوصول إلى السيارة … اصوات الغضب كانت جاهزة أن تصرخ ولكن المخاطر المحيطة كانت تخنقها… في وسط عذاب حقيقي من فقدان القدرة على السير ومن معادوة العطش وحدة الجوع وحمل داي به هار على الأكتاف وصعود صخرة تلو صخرة وكبوة وراء كبوة وصلنا إلى قمة الجبل المشرف على بانده وايى بعد ساعات طويلة من جحيم تلك الليلة .

عند قمة الجبل بان الده شت بأكمله … وبانت قراه بين خفوت وتوهج مصابيح شوارعها وأزقتها .. كنت قادرا من هناك تعريف رفاقي بها قرية بقرية … كنت اقول لهم إنها القرية الفلانية وتليها القرية الفلانية إلى أن انتهت جميع القرى الحاضرة امام ناظرنا ، من هناك اتفقنا على المنافذ التي توصلنا إلى حتارة … كنا لما نزل عازمين على مواصلة المشوار إليها أو الاختباء بين هضابها … وكانت داي به هار تكفكف والدمع في عينيها وتلوم نفسها وتعذبها وتؤنبها وتقول أنا سبب عذابكم وما سيحل بكم من اقدار … تبكي بألم وحرقة … قلنا لابد أن نسرع بالنزول من الجبل لكي نجتاز بانده وايى ونصل إلى “كه ند “هضبة حتارة “… أسرعنا النزول ولكننا اخفقنا في الوصول في وقت مبكر يساعدنا على مواصلة المشوار إلى كه ند حتارة .

في صبيحة الرابع عشر من تموز وعند انبعاث اول خيوط ضياء النهار قبل شروق الشمس كنا بين الأحراش الكثيفة ونبات القصب على جانبي نهر با نده وايى إلى الجنوب من القرية ، عرفنا من هناك إن امكانية الوصول إلى الشارع وعبوره أصبح متعذرا على المجموعة بكاملها … ولذلك قررنا على الفور بإيعاز أمر إلى المختار وداي به هار لمواصلة المشوار، وتركنا لكي نتدبر امورنا نحن وفق معرفتنا …حرصنا على تلقينهما خطة الوصول إلى حتارة والتصدي لكل الاحتمالات التي يمكن ان يتعرضا لها في الطريق ولم ننسى أن يذكروا على ألأقل عائلتي بأنني مع رفاقي بخير وربما أصل إليهم في أية ساعة وعليهم أخذ ذلك في الحسبان … وهذا كان سبيلنا الأوحد لتجنب المخاطر التي تنتظرنا في النهار القادم.

بعد مغادرة داي به هار و المختار حرصنا على أخفاء البندقية الوحيدة معنا علاوة على المنشورات وجرائد طريق الشعب بين الأدغال الكثيفة على جانبي النهر ، وتدبرت الأمر لوحدي ولكني أخبرت نبيلا بالمكان ، ابتعدنا قليلا من هذا المكان وحشرنا أنفسنا في بقعة كثيفة بالقصب والأحراش الأخرى ، وغطنا في نوم عميق استمر إلى الساعة العاشرة صباحا ، بعدها استيقظنا وبحثنا عن سبيل لقضاء باقي الوقت من نهار طويل ، وجدنا بركة مياه اصطناعية لجأ إليها شباب القرية وآخرون قادمون من قرى أخرى للسباحة فيها لقضاء نهارهم الذي احتد فيه الحر في ذلك النهار وفي منتصف تموز ، وللتمويه كنا قد أخفينا ملابسنا الخاكية وبقينا أما بسروايل وقمصان أو بناطيل وقمصان ولكننا كنا غير واثقين من الأمر ، تجمعنا حول البركة وقررنا النزول إلى الماء لكي يساعد على اخفاء ملابسنا المربكة … فإذا كانت الملابس فاضحة لأمرنا ، فإن السراويل القصيرة ستخفي ذلك … حرصنا لعدة ساعات أن نكون في الماء مع هؤلاء الشباب ، باعتبارنا سواح قاصدين مصيف بانده وايى من مدينة الموصل ، ولكن الساعات الطويلة والجوع أجبرتنا على الخروج من الماء … سئلنا بعض الشباب إن كان هناك مطعما فأكدوا وجوده ، أرسلنا نبيل وعبد معروف لشراء كمية من اللحم المشوي ” التكة ” فجاءا بها سريعا … جلسنا تحت ظلال شجرة ضخمة لتناول غداءنا الذي لم نذق مثله منذ فترة غير قصيرة ، فإذا برجل يعتمر العقال والغطرة العربية ويلبس السروال الكردي يقف فوق رؤوسنا … قائلا السلام عليكم … ارتكبنا من أول تجربة عملية .. فبعضنا رد التحية باللغة العربية والبعض الآخر باللغة الكوردية… وواصلنا الخطأ عندما قال له بعضنا تفضل وقال الآخرون “كه ره مكه” … لم يتردد الرجل فجلس بيننا لتناول الغداء معنا … ومثلما أخطأنا في دعوته لمشاركتنا ، كررنا الخطأ في الحديث معه باللغتين العربية والكوردية … تناول معنا لقمة أو لقمتين ثم نهض وقال سأعود إليكم …أثناء وجوده لم يتكلم كثيرا … ولكننا عرفنا بأن اسمه (6) “جانكير” Gangir ” كان من الطبيعيي أن تراودنا الكثير من الشكوك حوله ، ولكن مما يؤسف له لم يكن أمامنا أي سبيل لتجنب أي خطر يبدر منه ويستهدفنا والأمر الوحيد الذي تعاملنا وفقه هو التظاهر بأننا فعلا ناس مدنيين وكان علينا أن نقدم المزيد من الأدلة بأننا قادمون من المدينة لقضاء وقتنا هنا في مثل هذا اليوم في حال حدث أي طاريء … بعد ذهابه وتناولنا الغداء حرصنا أن نبقى بسراويلنا القصيرة لكي تبقى بقية ملابسنا التي يشوبها الكثير من الريبة بعيدة عن أنظار المتواجدين هناك والذين جاءوا لغرض السياحة والسباحة في برك بانده وايى .

اخترنا ظلال نفس الشجرة الكبيرة وحاولنا النوم تحتها ولكن بحراسة أي أن يبقى أحدنا مستيقظا لمراقبة ما حولنا ولكن جانكير لم يترك لنا المزيد من الوقت للنوم ، فعاد ومعه رجل بملابس عربية قدم نفسه إلينا تحت اسم محمد علي مختار قرية بانده وايى ، ولما جلس بادر فورا بالقول تفضلوا لنذهب إلى القرية فأنتم ضيوفنا…قدمنا له شكرنا وقلنا له لم يبقى لدينا من الوقت إلا القليل وسيصل زميلنا من الموصل ومعه سيارتنا التي تعطلت صباح هذه اليوم عند مجيئنا إلى هنا وذهب لإصلاحها والعودة إلينا ، كان صباح أكثرنا تأهيلا للحديث معه كونه كان يجيد لهجة العشائر العربية التي تعيش في قرى وقصبات محافظة نينوى .

ولكن محمدا لم يقتنع بما قاله صباح فكرر دعوته لتناول طعام الغداء في داره في القرية ، أشار إليه صباح بأننا تناولنا الغداء وكان جانكير شاهدا على ذلك … ولكن مختار القرية أصر على أن نذهب معه إلى القرية ، وفقد صبره أما اصرارنا وعدم الذهاب معه إلى القرية ، فقال أنا ابن الثورة ، ينبغي علي أن اعرف من انتم … إذن بدأت مرحلة الخطر والقصد من مجيئه إلينا … رد عليه صباح قائلا نحن أيضا أبناء الثورة وليس ضروريا لمن يزور القرية بهدف السياحة أن يأتي إليك … ولكن محمد علي أصر على تصعيد لهجته … حينها قال له صباح أتريد أن تعرفنا … قال طبعا أريد أن اعرف من انتم ولماذا أنتم هنا … قال صباح نحن من آل الجبور ولذلك أدعوك الكف عن تهديداتك … عندها لاحظنا إن محمد علي شعر بالإحراج ، ولكنه قال سأذهب وأعود ثانية وسنرى هل سترافقونني إلى القرية أم لا ..؟!

نهض بغضب نافضا دشداشته متجها نحو القرية دون أن يلتفت إلى ما حدث بعد خطوات من ابتعاده عنا … عرفنا إن الوضع تأزم كثيرا ، وصرنا في وضع لا يحسد عليه فعندها نهضنا بسرعة لاتخاذ قرار سريع … وجدنا جانكير بالقرب من مكان تواجدنا وعندما رأى بأننا سنترك المنطقة ، نادانا بعدم جدوى ذلك ومسك يد نبيل بقوة … فقلت مناديا نبيل أفلت وتعال لنذهب وقال بقية رفاقي أشياء كهذه له ولكن نبيلا لم يفعل شيئا لكي يفلت واكتفى بالقول اذهبوا أنتم ولا تفكروا بأمري كثيرا .

أشرت إلى رفاقى بضرورة أن يتبعوني ، ففعلوا … توجهت جنوبا وصلنا إلى المكان الذي أخفينا فيه بندقيتنا وبقية أشياؤنا فوجدت إن صباحا يبحث عن شيء هناك …

ناديته ماذا تريد أن تفعل .. !

قال أين السلاح ..؟

قلت وماذا تفعل به.. ؟

قال سنقاتل ..!

قلت لا جدوى من المقاومة بسلاح وحيد .. فقد كانت القرية مسلحة بالكامل وكانت هناك ربايا للجيش العراقي تسيطر على القرية وكان بإمكان قوات إضافية الوصول إلى المكان في أسرع وقت ، وهذا يعني إن القتال بسلاح وحيد وحتى بسلاح كثير في مثل هذا الوضع هو الانتحار بعينه.

فقال وما العمل ..؟

قلت أتركوا أمر السلاح واتبعوني ، فحصل هذا ، توجهنا إلى وسط الأدغال والأحراش وأسرعنا جنوبا باتجاه (7) قرية “قه سرونى Qasruni ” .. البرك العميقة في وسط النهر كانت تعيقنا ، والأحراش الكثيفة في العديد من الأماكن كانت تتصدى لنا ، ولكن رغم كل ذلك واصلنا السير حتى صرنا بعد شق الأنفس وجها لوجه أمام بيوت قرية قه سرونى الواقعة على تل وحيد فيها وكان هناك عدد من الأشخاص يستظلون بجدران أحد المنازل مما اضطررنا لتغير المسار يسارا نحو ذلك السهل المنبسط متخذين من الاخاديد التي تتخلل الأراضي الزراعية طريقا للوصول إلى كه ند حتارة ، الحر كان شديدا ، عاد فصل آخر من فصول العطش ثانية جراء العدو المتواصل ..الأشواك الكثيرة على طريقنا العشوائي والتي غُرزت في كل مكان من أطرافنا أصبحت تؤلمنا كثيرا ، وأحذيتنا أصبحت تعيقنا وتحد من سرعة حركتنا بسبب البلل وتشربها لكثير من الماء حتى اصبحت لا تطيع اقدامنا ، رغم كل شيء قطعنا مسافة طويلة وابتعدنا كثيرا عن قرية بانده وايى ولم يعد بمقدور المختار وجانكير أن يتلقفا بسهولة اثرا لنا ولكن كان لما يزل هناك من المخاطر على الطريق ، وكان من شأن الوصول إلى كه ند حتارة الشعور بالاطمئنان ، إذن كان علينا أن نستعجل أكثر ، فأسرعنا بين الوديان والأخاديد ، و رغم حراجة وضعنا والموقف الصعب والذي يشوبه خطر حقيقي فقد كان الضحك ممكننا ، وهذا ما حصل عندما وجدنا قطيع غنم أمامنا الأمر الذي أشعرنا بالقلق خشية أن يقوم الراعي بأخبار جماعة محمد علي عن وجهتنا ولذلك سرنا بحذر شديد ولكننا وجدنا أمامنا وعلى بعد عدة امتار راعيا شابا ممددا على ظهر حمار، فقلنا سنطلب منه ماءا ولكننا تفاجأنا به حيث كان يغط في نوم عميق بل اكثر من هذا فقد كان صوت الشخير الصادر منه عاليا ، وجدنا حاوية ماء معلقة في مكان ما من السرج فأخذناها ولم يشعر الراعي بالأمر قط ، ونحن بدورنا واصلنا السير وسريعا اختفينا بين المنخفضات الواقعة على الطريق ، وعندما وصلنا إلى الشارع القادم من مفرق قرية “بدرية Badriya ” عرقلتنا سيارة قلاب لدقائق سريعة لأحد المعارف وهو السيد “جاسم جكانيJagani ” الذي كان يعمل في هذه القرى وينقل لهم حجر البناء من المناطق الجبلية فكان يعرفني معرفة تامة وهذا ما خشيت منه ، ولكن السيارة مرت سريعا دون أن يلاحظنا سائقها أو ينتبه إلى وجودنا على نقطة قريبة من حافة الشارع .

تقدمت السيارة إلى الأمام نحو مفرق ألقوش ونحن قفزنا في منخفض يقع إلى الجهة الثانية من الشارع وكان لابد لنا أن نسرع الخطى للابتعاد عنه وخلال وقت قصير عرفنا إننا صرنا في مأمن ، فقد تشعبت الأخاديد والتعرجات والتموجات الأرضية ، فكلما كنا نتقدم كانت طبيعة المنطقة تزداد وعورة وهذا كان مبعث ارتياحنا لأننا تأكدنا إنه من الصعوبة بمكان أن تنجح قوات النظام بتعقبنا أوالنيل منا .

إذن نحن ضمن حدود قريتي حتارة الكبيرة فأعرفها شبرا فشبرا قضيت فيها سنين طفولتي وسط أفراد عائلتي التي كانت تمارس حياتها البسيطة ككل عوائل القرية مشتغلة بالزراعة والرعي وتوفير مستلزمات الحياة اليومية التي كانت تتميز بالبساطة مثل جلب الماء من الآبار التي تبعد عن القرية عدة كيلومترات على ظهور الحمير وبواسطة حاويات مصنوعة خصيصا لهذا الغرض أو جمع بقايا سيقان السنابل أي الحصيدي بعد حصاد الحقل وكان يجري الاستفادة (منه ـ ها) إلى جانب ” السركين Sergin ” أي مخلفات البقر التي كنا نجمعها بعدما نذهب صباحا لمرافقة قطيعها إلى مسافة بعيدة من القرية أو استقباله في المساء عند نقطة معينة خارجها ،لأغراض عدة وعلى سبيل المثال كوقود لاستخدامها في التنانير من أجل صناعة الخبز أو كعلف يقدم إلى المواشي والحيوانات الأخرى في فصل الشتاء وإلى جانب هذا كانت عائلتي تحتفظ بعدد من رؤوس الأغنام وتقوم برعايتها بين قطيع القرية وكنت أذهب إلى الده شت حيث مراعي القرية برفقة اخواتي لحلبها وثم رعاية صغارها فقد كنت أشارك في كل صغيرة وكبيرة من هذه الأعمال اليومية في فصلي الربيع والصيف وعندما يحين موعد الدراسة كنت ألتزم مقعدي الدراسي في مدرسة قريتنا الابتدائية رغم أنني لم أكن من الطلبة المجتهدين إلا انني واصلت دراستي إلى أن التحقت بصفوف الأنصار في 1978 ، هذا النمط من الحياة الذي كنا نعيشه نحن أبناء الريف جعلنا أن نكون على الدوام بحاجة إلى الطبيعة البرية رغم قسوتها في مناطقنا بحكم الجفاف الذي كان يصيبها بين كل عدة سنوات علاوة على مجمل الصعوبات الأخرى التي كانت تعاني منها مثل كل الريف العراقي فقد كانت تفصلنا سنوات طويلة عن بعض جوانب الحضارة التي تعيشها قرى مناطقنا في الوقت الحالي ، وهذه المشاركة في الحياة اليومية جعلتني أن اتعرف على كل الزوايا والاتجاهات المحيطة بقريتنا وأفادتني كثيرا في هذا اليوم وفي بقية أيام نضالنا اللاحق ضمن صفوف البيشمه ركه .

في مكان ما من المنطقة القريبة إلى (8)”نه والا بيرا Nawala Bira ” اتخذنا موقعا احتمينا فيه من المارة الذين كانوا يتواجدون هنا وهناك بسبب الرعي او صيد الطيور وما إلى ذلك .. بدأت الشمس تتوجه سريعا نحو الغروب وتقترب من سماء أعالي قرية بدرية الواقعة على تل عالي حيث ستغيب من وراءه في هذا اليوم ، وعندها لن يكون هناك من يتخلف ويصر على البقاء في وادي الآبار ، فالكل سيتوجه إلى القرية ماعدا أناس مثلنا وهم قليلون جدا شاءت ظروفهم أن يتخلفوا في مثل هذا المكان عن طريق الصدفة أو وفقا لتخطيط مسبق ، بين فرحتنا في الخلاص من فخ جانكير ومحمد علي وانتظار الهدوء التام في وادي الآبار فكرنا كثيرا بمصير نبيل وعبد معروف وكان قلقنا متزايدا من أجلهم ، وعند وقت محدد قررنا مغادرة المكان الذي كنا نحتمي فيه والتوجه نحو الآبار ،لكي نشرب ونغسل ونزيل عنا التعب وننزع قدر المستطاع الأشواك المغروسة في كل مكان من أجسامنا .

وللحدث بقية

هوامـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــِش

– (1) “داي به هار” وهي والدة الشهداء علي خليل “ابو ماجد ” وجلال خليل “جمال ” وكانت تبلغ من العمر أكثر من سبعين سنة عندما غيبتها عمليات الأنفال مع أكثر من 35 شخصا من عائلتها في عام 1988 ، والجدير قوله رافقت داي به هار رحلة ولدها علي خليل النضالية منذ بداية الستينيات من القرن الماضي وأصبحت عضوا في الحزب في وقت مبكر ، عملت ضمن الخلايا النسائية التي تعددت في قرية دوغاتا ، وقبل التحاقها الإجباري مع بقية أفراد عائلتها بمقرات الأنصار كانت تقدم لهم وللحزب ما بوسعها ، من اخفاء وتزويدهم بالطعام والماء وأيصال مناشير الحزب إلى المقطوعين لإعادة صلتهم بالحزب وجمع التبرعات وغير ذلك.

– ( 2 ) “عيدو مراد – مختار” وهو من قرية ختارة الكبيرة ، ارتبط بالحزب منذ نعومة أظفاره مع آخرين من افراد عائلته وكان من الملتحقين الأوائل ، ولكنه لم يتحمل ظروف البيشمه ركايه تى الصعبة فقرر التخلي عن السلاح وتسليمه نفسه للسلطة ، ولكنه للأسف الشديد قتل أثر حادث اجتماعي فيما بعد، ومن الجدير قوله لقب بالمختار لأنه كان الأكثر تدبيرا لشؤون أصدقاءه في القرية .

– (3)” الشهيد عيدو عبدي – أبو حلمي ” وهو من أقرباء المرحوم أبو ماجد وكان كبقية أفراد هذه العائلة مرتبطا بالحزب منذ سنوات طويلة ، وأثناء التحاقنا بصفوف أنصار الحزب قدم المزيد من الخدمات سواءا للعوائل أو للتنظيم أو للأنصار ، وفي 1986 التحق مع عائلته بمقراتنا واصبح نصيرا يؤدي خدماته في مقر مه رانى ، وأنفل مع عائلته ضمن عمليات أنفال به هدينان 1988 .

– (4 ) “خه رشه نيا ،Kharshanya “. وهي من القرى الأيزيدية ، جرى تدميرها في1987 ضمن حملة واسعة للسلطات هدمت فيها العديد من القرى بهدف تحجيم نشاط البيشمه ركه وقطع صلتهم بجماهير القرى ، حيث جرى ترحيل أهلها إلى مجمع أقيم خصيصا لمجموعة من قرى تلك المنطقة تحت اسم تجمع شاريا ، ومن أبرز شخصيات هذه القرية سليمان خه رشه نى حيث كان مختارا للقرية ومغنيا تراثيا بارعا و بيشمه ركه (ا) قديما في صفوف حدك وشخصية معروفة على مستوى المنطقة .

– (5) “كه لى بانده وايى Bandawae” كه لي يعني وادي.وبانده وايى قرية مسيحية تقع في أسفل الوادي ويجري إلى جانبها نهر يتشكل من روافد المياه القادمة من العديد من ينابيع القرى الجبلية ، وجرى تهجير سكانها المسيحيين في فترة الستينيات من القرن الماضي وٍأسكنت السلطات عوائل عربية فيها حيث غادرتها بعد سقوط نظام صدام حسين ، والآن جرى فيها بناء مرافق سياحية متواضعة يقضي فيها الناس أيامهم في الربيع والصيف وإداريا فهي تابعة إلى ناحية ألقوش .

-(6) “جانكير” Gangir ” كوري من عشائر الكوجر الساكنة في قضاء شيخان وبسبب خلافات عشائرية هاجر قبل هذا الوقت إلى قرية بانده وايى ولا أعرف أين حل به الدهر بعد السقوط ، ربما أصبح مسؤولا في كوردستان .

– (7) قرية “قه سرونى Qasruni ” تقع قه سرونى إلى الجنوب من بانده وايى وكان سكانها في قديم الزمان من الأيزيدينن ، ولكن سكنتها في وقت ما عوائل من الكوجر وإنها متروكة الآن .

-(8)”نه والا بيرا Nawala Bira ” أي وادي الأبار ، الذي كان يعد المصدر الرئيس لمياه الشرب والغسيل لأهالي قرية حتارة إلى فترة نهاية التسعينيات من القرن الماضي عندما كانت القرية تعاني كثيرا من شحة الماء ، وتتواجد في الوادي العديد من الأبار حفرتها عوائل القرية لحسابها ، ولذلك كنت تجد الوادي مزدحما على طول النهار بأهالي القرية لنقل الماء أو سقي قطعان الأغنام والأبقار وكان يتحول في الكثير من الأحيان إلى ملتقى لأفراح الشباب والشابات عند الحلب أو غيرها من المناسبات ، خصوصا في أيام الربيع الجميلة .