الرئيسية » مقالات » لا أنسانا الله شهداء حديثة !

لا أنسانا الله شهداء حديثة !

لا أريد أن أنكأ جرح مضى على حدوثه عام كامل ، وكأني بذلك أحاول أن أنهش بجراحات أهلنا من ذوي الشهداء الذين صعقت كواتم الإرهاب رؤوسهم في تلك الليلة الحزينة من كتاب ألف ليلة وليلة من الحزن والخوف .. كانت الرصاصات الكاتمة تطلق على رؤسهم تحت النداء “الله أكبر” ويكرر عليهم إطلاق الرصاص الكاتم ليضمن إكتمال الجريمة بلا رحمة ولا شفقة ، لم أكن قد شاهدت ما يعرضه اليو تيوب لتلك العملية القذرة ولكني صعقت بهذا العمل الإجرامي ، فأولئك الشباب كانوا يحمون مدينة حديثة الصغيرة من كل شيء ، من السراق ومن العصابات السطو المسلحة وهم لا عمل لهم إلا هذا ، الحراسة ، أي أنهم لم يكونوا يوماً في إحتكاك مع الإرهابيين كتحقيق أو قضاء ، مجرد حرس في نقطة حراسة ، إلا إن الأقدار شاءت أن يتحول مصدر رزقهم وعوائلهم هذا الى المكان الذي تَصعّد منه أرواحهم الى بارئها .
إن “عملية حديثة” علينا قراءتها بشكل واضح ودقيق ، على الرغم من الفترة الطويلة التي مرت عليها ، لكونها تمت بحرفية وتخطيط متقنين أثبتا وجود خلل كبير في التواصل بين قطاعات العمليات المختلفة لقواتنا المسلحة ، وعلينا أن نساهم فكرياً في قراءة تلك العمليات وأن نصنع عملياتنا الإرهابية الإفتراضية بأنفسنا لتحفيز خاصية التوقع لدى العناصر الأمنية في مواقعنا الأمنية بمختلف رتبها ومناصبها لكوننا بالتوقع السليم ووضع خطط الطواريء الإستباقية نكون قد قطعنا شوطاً كبيراً في الدفاع أنفسنا ، فما جرى هناك حري به أن يصنف ضمن أكبر العمليات الإرهابية إثارة ورعب ، السبب أن ما حدث في تلك الليلة لم يكن متوقعاً وهذا هو ديدن المجاميع الإرهابية في أن تختطف الفرصة التي نغفل فيها وتستغل الثغرات التي تتركها أخطائنا المهنية الكبيرة التي نقع فيها لتنسل منها صانعة منها مجدها ومسلسلات رعبها ، ماجرى هو بحق إحتلال كامل لمدينة ، صحيح أنه كان لفترة سويعات إلا أنها كانت كافية لإنزال علم العراق عن مدينة عراقية ، وتلك مصيبة كبيرة في الحسابات العسكرية واللوجستية ، لقد أصبحت المدينة أسيرة بكل ما تملكه من مقومات مادية تحت أمرة تنظيم إرهابي وتحريرها لن يكون سهلاً وبدون تضحية لو تمادى المجرمون بجرمهم ليمتد الى مرحلة الرهائن من الأبرياء والسيطرة على كل ما تمتلكه المدينة من أموال ومقدرات يتم إستخدامها لاحقاً في تمويل عمليات أكبر .
أين الخطأ ؟ وماذا عملنا على طريق تجاوزه ؟ وماهي توقعاتنا في المستقبل القريب ؟ كلها أمور متروك تقديرها الى الجهات المسؤولة وهي قادرة ، بإذن الله ، على تعقب إشارات الخلل في البنية الأمنية .
لقد أصبح ما حدث في تلك المدينة إشارة على قوة وقسوة المواجهة مع الإرهاب في وطننا وعلى الجميع أن يدرك تلك القسوة ويفسرها وفقاً للمصالح العليا للوطن ، ولكننا في خضم التنازلات التي تقدم للمتظاهرين الإعزاء في الأنبار اليوم ، نتساءل هل شاهد متظاهروا الأنبار هذه المقاطع ؟ وهل هناك منهم من يقدر حجم المنازلة مع الإرهاب ؟ أي هل من تقدير لشراسة العدو الذي تواجهه القوات الأمنية العراقية ؟ والذي يعتبر في العرف الأمني من أخطر المواجهات وأكثرها عنفاً في العالم ؟ ألا تحتم مشاهد عملية حديثة على متابعها أن يتوقع أن هناك قسوة وعنف من قبل القوات الأمنية في المواجهات التي يتوقع فيها ظهور ملحوظ لحركات إرهابية محددة قد تعطي إشارات عن تهديد محتمل يجب مواجهته أو السعي لعدم تطوره ؟ أو من تلك التهديدات التي لا تنفع معها “القوة الناعمة” أو أي وسيلة أخرى .
فعلام نقحم أنفسنا ، أو نكون سبباً ، في إذكاء جذوة العنف التي من المتوقع أن تحصل في مظاهراتنا بعدما أظهرت الكثير من الفضائيات صعود ملثموا القاعدة والمطلوبون قضائياً الى منصاتها ولماذا نحاول أن نشعل فتيل الألم في نفوس أهل الشهداء ممن سقطوا ويسقطوا يومياً في شوارع مدننا فنحن بتلك التصرفات التي لا تنم إلا عن قصور في تقدير شدة المواجهات التي نرى منها أن الحرب الطائفية قد بانت للعيان بعد التصريحات التي أطلقت عن تأسيس “جيش العز والكرامة ” لحماية المعتصمين وابناء المحافظة والذي أعلن عنه المتحدث باسم المعتصمين في الانبار الشيخ سعيد اللافي في كلمة له امام المعتصمين يوم السبت ، وجيش المختار وغيرها من عشرات التنظيمات المسلحة الإرهابية التي تناوبت على قتل أبناء شعبنا بكل طوائفه ، كذلك فإن التصريحات الأخيرة التي أطلقها إمام وخطيب جمعة الصدر، الجمعة، لمتظاهري الانبار بـ”إنزال علم تنظيم القاعدة والكف عن الشعارات الطائفية” ، واكد أن التيار الصدري سيكون له كلام آخر معهم في حال عدم الاستجابة لهذا الامر .
كثيرة هي التصريحات التي تطلق هنا وهناك وهي ليست سوى البداية التي لايحبذها عامة أبناء الشعب العراقي المغلوب على أمره ، نقول أنها بداية النهاية لوطن يحاول بشق الأنفس أن كون له ولشعبه مكانة جديدة في ظل أمن محدود.
نحن بحاجة اليوم الى وقفة من برلمان المتظاهرين .. وعلى يقين تام بأن فيهم من الحليم والرشيد ممن لم تتلوث ايديهم وعقولهم بفتنة الطائفية وما يكفي لضمان حرية التعبير الصحيحة ، عليكم بهم فهم من يحقق لكم مطالبكم وألتفوا حولهم ولا تدعوا مجهولاً يقف بوجه تطلعاتكم وتطلعاتنا لغد أحسن .. فنحن لا يمكن أن نظل نغلق الأبواب أمام طموحات العراق كله ونضع مطالبنا كعقدة في منشار تطوره .. عليكم أولاً ان تقدروا حجم المآسي التي خلفها ويخلفها الإرهاب في العراق وقياس مدى التوتر الذي يعتري القوات الأمنية من تلك التهديدات المستمرة , وان تستذكروا ، على أقل تقدير ، الشهداء الذي سقطوا في حديثة فقد كانوا من خيرة الرجال لحماية خيرة المدن .. حينما غسلت دماءهم ارضها الطاهرة .. لا أنسانا الله شهداء حديثة .. وحفظ الله العراق وأهله .

زاهر الزبيدي