الرئيسية » شؤون كوردستانية » أفخاخ النوايا و منابع سياسة الإبادة الجماعية ضد الشعب الكوردستاني

أفخاخ النوايا و منابع سياسة الإبادة الجماعية ضد الشعب الكوردستاني

التاريخ بجدليته العلمية أثبت بأن مآل كل حدّ أقصی هو إنتاج الضد وإن الأنظمة التي كانت ترعب شعوبها أصبحت هي الخائفة و المرعوبة من التظاهرات السلمية علی ممارساتها من الإستئثار و الإحتكار للسلطة و الثروة أو المصادرة و الإهانة للحرية، بعد أن إنتقلت تلك التظاهرات أو الإحتجاجات في أكثر من مكان من مجرد حشود بشرية الی ثورات تهدد أنظمة الحكم و تؤول الی سقوطهم.
في عصر تشابك المصائر و المصالح لا يمکن ترجمة السياسة، التي تسمح لحكومة ما عملية إبادة جماعية ضد شعب آمن، بفن الممكنات و لا يمكن التحدث عن الإنسان و إنسانیته، ذلك الكائن الذي يبقی أسير أفخاخ النوايا ليفاجئه بربريته و يبعده عن التطابق مع ذاته، لينتج إنتهاك ما يدعو اليه.
ما الفائدة إذن من تقدمه في مجالات أشواطاً، لكي يتراجع في مجالات أخری عصوراً الی الوراء؟
نظام صدام حسين، الذي حرق البلاد و العباد تحت شعار “أنا أو لا أحد” و مارس العنف المنظّم و سفك الدماء كأي نموذج ديكتاتوري آخر، بدأ بالحروب ثم بعمليات الإبادة الجماعية ضد شعب كوردستان و قام بتدمير البنية الإقتصادية و النسق الإيكولوجي في کوردستان، ليجبرنا أن نعيش اليوم ذكری مرور ربع قرن علی فاجعة مدينة حلبجة الكوردستانية و مذابح الأنفال و التجارب اللاإنسانية، التي كانت مدعومة من قبل الكثير من رؤوساء العرب و خصوصاً الأمين العام للجامعة العربية و بعض الدول الأخری، التي ساهمت في الدعم اللوجستي و كذلك من قبل أحزاب و منظمات و حركات أصولية و ظلامية، التي أيدت و شجعت بعمائها الفكري النظام المقبور في تنفيد تلك الأعمال الوحشية و الجرائم الشنيعة و غضت الطرف عن كل تلك الجرائم الوحشية، التي إرتكبها أجهزة صدام خلال تسلطه لأكثر من ثلاثة عقود.
حكومة بغداد، بهشاشتها الفكرية و الحمل المفهومي الخادع تدّعي الشراكة الوطنية مع إقليم كوردستان و تطلب دعمه لتستمر في سياساتها الخاطئة، لم ولن تكن مستعدة و لو بشكل نظري أن تولي الإهتمام بضاحايا الأنفال و حلبجة و لم و لا تنوي أن تنطق بكلمة الإعتذار عن ما تعرضوا له من المآسي.
هل يعقل أن نستغفل بعد كل هذه التجارب المريرة مع الحكومة “الفدرالية” مرة أخری بالشعارات والوعود الكاذبة و نتخلی عن إرادتنا الحرة وحقنا في الإستقلال الكامل أو علی الأقل في الإستقلال الإقتصادي في هذه المرحلة لتنمية و تطوير إقليمنا؟
وما تمرير الموازنة الإتحادية من قبل مجلس النواب دون موافقة كتلة التحالف الكوردستاني إلا دليل آخر علی إمرار نهج التسلط وتكريس سياسة الانفراد والاقصاء و النوايا الخفية لحكومة بغداد للعودة الی أيام الحكم الشمولي.
والذي يزيد الأزمة السياسية الحالية أكثر تعقيداً هو الدور الكبير للماكنة الإعلامية لرئيس الوزراء بممارسة تزييف وعي الإنسان العراقي والعربي وتحريف الحقائق والعمل علی تشويه وجه السياسة المعتدلة في الإقليم و التقليل من أهمية الإنفتاح الكوردستاني علی التجارب الدولية الناجحة في الحكم الرشيد و الإقتصاد الحر و أهمية تحفيز الاعتماد على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لتحقيق إقتصاد مزدهر، وغرس روح المبادرة والمنافسة وتشجيع وجذب الاستثمارات من خلال هذا المجال الهام.
فما نلمسه من الحكومة الحالية في بغداد هو التعامل مع الإقليم و قضایاه بعقل إستعلائي، تارة بإسم العروبة و أخری بإسم الإسلام، بعد رفضها دعم و تطبيق الحقوق‌ الدستورية. لقد آن للإقليم كسر هذه الدائرة الخانقة، التي يحبسنا فيها دعاة الشمولية وأصحاب إمبريالية المبدأ الواحد و فاشية العقيدة المغلقة و كهنة الرجوع الی ثقافة الجمود، التي لا تريد أن نتمكن من تفكيك الحاضر أو أن نتحرر من المسبقات و إستباق المجهولات.
من يفكر علی هذا النحو لا يغير واقعاً و لا يصنع وحدة بين المكونات المختلفة في العراق، بل ترتطم أفكاره المثالية و نظراته التبسيطية علی أرض الواقع العنيد، لكي ترتد علیه، كما ترتد الكرة عندما تصطدم بأرض صلبة ملساء. والمآل هو إنتاج واقع أسوأ و أكثر كارثة مما أنتجه نظام البعث و علّامة التفرّد و الدكتاتورية، صدام حسين.
من هنا لا تجدي معالجة الأزمات بما هو مسبق أو محقق أو سائد من الصيغ والقواعد والأنظمة والنماذج و لا حلول بإستكمال ما لم يستكمل بعد. الأجدی هو عدم نفي الواقع بإسم ماض مزعوم أو مستقبل موهوم و التمرس بسياسة فكرية جديدة تتعامل مع المعالجات والحلول بصفتها تخييلات خلاقة و تراكيب جديدة، لكن أين رئيس الحكومة في بغداد من كل هذا وهو الذي يٶمن الی اليوم بالمسبقات المعيقة و الدغمائیات الخانقة و التقديس والتسبيح للذوات والأشخاص والشعارات الخاوية، التي كانت منبع من منابع سياسة الإبادة الجماعية ضد الشعب الكوردستاني.
و ختاماً: “من لا يعمل علی تفكيك الممتنعات من الداخل، يدعم أفراد أو جماعات من الناس يدّعون بأنهم يجسدون قيمة القيم، لإنتاج آليات المصادرة و منطق السيطرة علی النفوس و الوصاية علی العقول”.