الرئيسية » مقالات » همس العراق

همس العراق


















قال لهم السياب وهو يقف على ضفاف شط العرب: إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون أيخون إنسان بلاده ؟؟ قبل بضعة

 

 أيام تلقيت رسالة خاصة من صديقي (عاشق البصرة) تتضمن الإشارة إلى مقطع غنائي لاحتفالات العراقيين اليهود

 

 المبعثرين الآن في المدن الإسرائيلية, تظهر في الفلم فرقة غنائية من كبار السن بالزي البغدادي, وهم يؤدون المقامات

 

والبستات العراقية بحزن عميق, وتعبير صادق, من دون أن يتلكئوا في نطق المفردات البغدادية, وكأنهم غادروا منطقة (قنبر علي) منذ سويعات

 

 


 

يظهر في الفلم الموسيقار العراقي (صالح الكويتي), ومعه الفنانة (نجاة سالم), تبدأ بأغنية (الهجر مو عادة غريبة),

 

و(أدير العين ما عندي حبايب), و(قلبك صخر جلمود), وتنتهي بأغنية (خدري الشاي خدري), بعضها من ألحان الموسيقار نفسه,

 

 وكلمات سيف الدين ولائي, والبعض الآخر من التراث. . عاش اليهود في العراق منذ زمن بعيد, واضطروا لمغادرته

 

مكرهين على اثر الإجراءات التعسفية, التي مارستها ضدهم الحكومات المتعاقبة, فتركوا وراءهم تجارتهم وبيوتهم ومصالحهم,

 

 لكنهم لم ينسلخوا من العراق, ولم يتنكروا لماضيهم, ولم ينسوا تعايشهم السلمي مع المسلمين والمسيحيين والطوائف الأخرى,

 

وكيف كانوا يعيشون تحت سقف واحد بأمن وأمان. . . يذكر صديقي العراقي المغترب انه قبل ثلاث سنوات كان في لندن, وصادف

 

 أن مر بمحل لبيع الأقمشة, يديره رجل عجوز, تكلم معه صاحبي بالانجليزية على الرغم من ملامح العجوز الشرق أوسطية. .

 

 طلب منه تزويده بكتالوجات أقمشة الدشاديش العربية, فاختار منها ثلاث قطع فقط, واستعجلهم بتحضير قائمة الحساب, فسأله العجوز:

 

من أين أنت ؟, قال صديقي: أنا عراقي مغترب في الخليج, فسأله العجوز: من أي الأماكن في العراق ؟, قال صديقي: من البصرة, فسأله العجوز: ما اسم حضرتك ؟,

 

 أجابه صديقي: فلان ابن فلان الفلاني, وهنا سقط القلم من يد العجوز, وصاح بلهجة عراقية فصيحة, معبرا عن دهشته: (أيباه . .

 

 أشكد هاي الدنيا زغيرة), قال بعدها: أنا من بغداد, لكنني اعرف الحاج فلان الفلاني في البصرة, فقال له صديقي: هذا والدي,

 

 وهنا توقف العجوز, وكاد يسقط مغشيا عليه من هول المفاجأة, فنهض من مكانه يتكأ على عصاه, وتوجه إلى صديقي, فأخذه بالأحضان,

 

 يقبله ويضمه على الطريقة العراقية الحميمة, التي حملت دائما طابع الود والوئام والانسجام والتلاحم, كانت الدموع تترقرق في

 

عينيه الذابلتين, ثم أجهش بالبكاء, وقال بصوت عال: (هله بريحة الحبايب, هله بالغالين), ثم امسك بيد صديقي ودعاه إلى تناول

 

 العشاء في بيته, فاعتذر منه صديقي, وقال له: أنه في طريقه إلى المطار للسفر حالا إلى جنيف, فخصم العجوز 30% من قيمة الأقمشة,

 

 وطلب منه معاودة الزيارة كلما مر بلندن. لم يكن هؤلاء من ديننا, ولا من قبيلتنا, ولا من جيلنا, لكننا نرتبط بهم بروابط وطنية نقية وقوية,

 

وتجمعنا بهم وشائج متينة, تلتقي جذورنا معهم بعروق هذه الأرض الطيبة, وتتشابك في أديمها المبارك, كتبنا معهم تاريخنا المشترك,

 

وأسسنا معهم أرقى الحضارات وأقدمها, وكنا معهم نصنع أروع مواقف الولاء والوفاء لبلد الرافدين. . أذكر إني قرأت

 

قبل مدة مقالة رائعة للدكتور الجميل (سيار الجميل), يتحدث فيها عن عراقية الأرمن. قال فيها: ((ارتبط الأرمن بتراب العراق

 

ارتباطا وثيقا, وعشقوا العراق. صحيح إنهم محافظون على لغتهم وعاداتهم وتقاليدهم, وهذا من حقوقهم المشروعة كقومية

 

 لها وجود في هذا العالم, لكنهم لم يكونوا أدوات للآخرين للإضرار بالعراق, وكانت عواطفهم مع العراق لا مع غيره))

 

. . اما القومية الأشورية فتكاد تكون هي القومية, التي رسمت صورة الحضارة الآشورية بين النهرين, وهي التي توفر لها

 

 القدر الأكبر من المشتركات القومية والوطنية لبناء وتأسيس رؤية وطنية متوازنة لثقافة عراقية ترسخ في الأذهان,

 

 بأن العراق وطن الجميع, وان المعيار الوطني الثابت يقاس بمقدار الانتماء والولاء للعراق الكبير

وإذا كان أبناء (تلكيف) أول من وضعوا أقدامهم في مدينة (ديترويت) الأمريكية بحثا عن حياة أفضل, فإن تركيبة الجالية العراقية اليوم,

 

 وحصريا في ولاية (مشيغان), أو مدينة (ديترويت) وضواحيها تؤلف الطيف العراقي كله من دون استثناء, وتتكون من أبناء

 

الطائفة المسيحية (الكلدان والسريان والأشوريين), ومن الطائفة المندائية, ومن المسلمين (السنة والشيعة), والعرب والأكراد والتركمان,

 

 ومجموعة صغيرة من اليهود العراقيين, يشكلون في المنأى عراقا منسجما متجانسا متوادا, لم ينصهروا حتى الآن في المجتمع الأمريكي,

 

 بل حافظوا على تقاليدهم وعاداتهم الأصيلة, وتمسكوا بحبهم للعراق, فنقلوا معهم المعالم البغدادية, ولا تندهشوا إذا علمتم إنهم

 

 نقلوا معهم سمك المسقوف, وتنور الطين إلى ديترويت, سمكة بنكهة ورائحة وطن رحلوا عنه, لكنه لم يرحل منهم, فأصروا على

 

 استحضار قطعة من أنهاره الخالدة, واستحضار دفء شارع أبي نؤاس في صقيع ديترويت لا يختلف

اثنان إن العراقي, سواء كان في العراق, أو خارجه يلتصق التصاقا ثابتا بالعراق, ويحبه أكثر من نفسه, بيد ان العراقيين في المنافي

 

 البعيدة أو في محطات الغربة أكثر شوقا ولهفة من الذين يعيشون الآن في أحضان العراق, فالغربة صعبة, وصدق كريم العراقي عندما قال:

 

 هربت طيوري حين ضاع أمانها فكأنني شجر بلا أوراق

لكنما همس العراق بمسمعي يفنى الأسى وجبين عزك باق

الشمس شمسي والعراق عراقي

ما غيّر الدخلاء من أخلاقي