الرئيسية » مقالات » الطائفية في دولة العراق: حقيقةٌ أم وَهْم .. هي كلاهما

الطائفية في دولة العراق: حقيقةٌ أم وَهْم .. هي كلاهما

الطائفية المذهبية: موجودة وستظل وإلا لما كنا نتكلم عنها, ينادي بها رجال الدين في الطائفة, أي طائفة, قلة منهم لقناعة فكرية وإلتزام وهولاء لا ضررمنهم ولا ضرار. وكثرٌ يرفعون شعارها تبريرا لوجودهم في الحياة العامة وهولاء يَعلوا زعيقهُم كلما أحسوا أن النسيان سيلفهم وهم يركبون اية موجة فيها إغراء لهم. هولاء طفيلون يُباعوُن ويُشترَون.
اما الطائفية السياسية, فقد كانت وما زالت, أهم مواصفاتِ وركائزَ صفقة قيام دولة العراق. والالتزام بها ظل الى يومنا هذا, أساس بقاء الدولة قائمة, بها إلتزمت كل العهود بتغيراتها القشرية (كما سنرى). وأية محاولة للالتفاف على ركائز تلك الصفقة, يصاحبها, دائما, إهتزاز في كيان الدولة. كانت مواصفات هذه الدولة من متطلباب معاهدة سايكس بيكو وهي, الا يكون هناك اي توجه وحدوي بين البلدان العربية وعندي ان الدول العربية الأخر لها صيغ مقاربة. ولما كان عرب العراق (الشيعة خصوصا) قد أظهروا في ثورة العشرين وفي دعوتهم اميرا عربيا (غيرعراقي) ليتولى امرهم (مؤشرعلى توجه وحدوي) وبسبب من عدائهم للفاتح الجديد, لم يبق للمحتل آنذاك, إلا الالتفات الى الفئات التي كانت موالية للعثمانيين (التي ارادت الحفاظ على امتيازانها) وإلى الاقليات العرقية وبعض عرب الجنسية لتولي الحكم. سُوقَ هذا الى العالم العربي على انه حكم *السنه* ولم يكن من اهل السنة في شيء, بل كان إإتلافا سياسيا أنُيط به الحفاظ ُعلى النهج الطائفي السياسي. ولم يشذ عن هذا اي عهد كما يظهر من استعراص الشخصيات التي توالت على مناصب الدولة. في العهد الملكي كانت حصة العرب ملك عربي وما سواه لسواهم. وكان هذا التوجه الطائفي السياسي اشد وضوحا في القوات المسلحة ومما زاد الطين بللة, أن الرعيل الاول من ضباط الجيش العراقي, كانوا من منابتَ او مشاربَ عثمانية وعلى نهجهم سار من جاء بعدهم, ففي ليلة 13 – 14 تموز 1958, مثلا وكنت عسكريا انذاك, كان قادة التشكيلات العسكرية (دون الانتقاص من كفائتهم أو وطنيتهم) على الشكل التالي, قائد الجيش اللواء رفيق عارف قيماقجي (تركي) وقائد الفرقة الاولى اللواء عمرعلي ( تركي) وقائد الفرقة الثانية اللواء صالح امين زكي (كردي) وقائد الفرقة الثالثة اللواء غازي الداغستاني (شركسي) وقائد قوات الامن الداخلي, (الشرطة), اللواء الركن عباس علي غالب (كردي) وقائد الحرس الملكي العقيد طه بامرني (كردي) وكذا ظل الحال في معظم مفاصل الدولة الاخر. وتصنيف الشعب العراقي الى كردي وسني وشيعي لم يكن بدعة جاء بها غزو التحاف كما سيرى القارىء:
ففي ثورة 14 تموز, على أصالتها, بقي السياق نفسه: تكوَنَ مجلسُ السيادة من رئيس دولة سني وعضو سني كردي وعضو شيعي. وفي التغيير في 2003 حُوفظ على نفس السياق: ُشكلت رآسة الجمهورية من رئيس جمهوريه سني كردي وعضو سني وعضو شيعي. ومع هذا فقد ظهرت هزات هنا وهناك ربما لتغيُرٍ في بعض معالم السلطة مما لم يألفه البعض. اما قومية العضو السني والعضو الشيعي, في التغيير في 1958 وفي 2003 فللنسّابة تحديده. تميز التغيير في عام 2003 بتجسيد الفئات المختلغة التي يتالف منها شعب العراق واستعيص عن الهوية الوطنية الجامعة بتعبير*فيسفساء* العراق (1) علما بان هذا التعبييريرمز الى قشرة من النقوش والتطعيم على الحيطان والسقوف وهي قطعا ليست في صلب الجدران او الكيان. سأذكر, هنا, مُداخلة لي من على محطة ال ب ب س في لندن اثناء ندوة شارك فيها الاخضرالابراهخيمي والدكتور حسين الشهرستاني ومدير الندوة البريطاني, عام 2004. قلت للابراهيمي,(2): قسّمتم شعب العراق لاغراض المحاصصة (تقاسم النفود والثروة) إلى اكراد وتركمان على اسس عنصرية – قومية وعندما وصلتم الى المكون الاخر(العربي), قسمتموه على اساس مذهبي, *سني* و*شيعي*.

وهذا الى ما فيه من إغفال العامل العربي في المعادلة السكانية, فهو يكرس الانقسام الطائفي ويمنح الاكراد والتركمان حقوقا كقوميات وحقوقا باعتبارهم *سنة* إذ هم يشكلون غالبية هذه الفئة ( وهذا ما اكّدته الاصطفافات الطائفية الاخيرة) أجاب الابراهيمي بانه ليس هو الذي جاء بهذا التقسيم وسألني (باستغراب) ما إذا كنت انا عراقيا وشعرت ان احدا لم يطرق على مسامعه مسالة الوجود العربي في العراق. يبدو ان قيادات الكتل الطائفية أرادت بهذا التقسيم, أن يكون لها *عُروشا* تتربع عليها. ثك ظهرت حكاية *العرب السنة* وكأن العرب يُعرّفون بمذاهبهم.
الكثيرون على حق في اعتقادهم ان الطائفية كفكر والتزام يكاد يكون تأ ثيرُها معدوماً في الحياة اليومية وفي العلاقات الشخصية بين الافراد كما نرى في الزيجات وفي المصالح وفي الصداقات الحميمة بين الافراد من فئات مذهبية. وهذا ما نسمعه: * احنا إخوه ماكو فرق بيناتنه, هاي الطائفية جتنه من الخارج* .!!
على أن غياب مَظاهرصراعٍ طائفي عن السطح, قد يكون له سبب اخر. وهو أن الصراع كان قد حُسم بإقصاء الفريق الآخر(الشيعي) أوائل تأسيس الدولة العراقية ولم يَعُد ذو بال او يُؤبهُ به وَقبِلَ الطرفُ المُهمش, ذلك على مَضض وأن ما كان يُشاهد من سلام ووئام هو, كأي سلام بغير عدل, ليس إلا صراع ٌ في الانتظار. وهذا ما نراه اليوم. الطائفية *كانت* سياسة الدولة غير المعلنة تؤثر على المواطن او يشعر هو بها عند تطلعه الى مستوى وظيفي فاعل, تطلعه اليه يعتبر في حكم غيرالمشروع ان لم يكن من الطائفة المهيمنة او في رعايتها. كان هذا على اشده في القوات المسلحة.
ورغم ان الوحدة العربية لم تعد في الحسبان بسبب الخيبات المتكررة فان الالتزام بصيغة الحكم إياها, ظل قائما بشكل عام ولأغراض أخر. واخذ أقصاء الشيعة الاولوية في فكر السلطة. وقد يفسر هذا ما تعرض له الاكراد الفيلية من سبي واضطهاد مع انهم غيرعرب بحجة, انهم جاءوا من ايران في حين لم يُصِبْ هذ التوجه الاكراد السنة الذين نزحوا من ايران الشيعية الى العراق السني عند هيمنة الحكم الصفوي في ايران وبعد ذلك ايضا. وهناك ايرانيون *سنة* لم ينلهم ضرر.
الطائفية لن تزول بإشاحة الوجه عنها, بل بالاعتراف بوجودها وبدورها في اشاعة الفرقة بين ابناء الوطن الواحد ثم تقصي وازالة اسباب قيامها وديمومتها. هذه حقيقة واقعة لا يجدي تجاهلها نفعا والقضاء عليها لا يكون الا باعتماد الهوية الوطنيه اساسا أوحدا لانتسااب المواطن وتغليب الولاء الوطني على الانتماء الفئوي.

د. عبدالحميد العباسي

(1) فسيفساء العراق فتنة أم فتنة. (زينة ام نزاع) القدس العربي ايلول 2005
(2) عبد الحميد العباسي . غيوم البارحة والعد التنازلي في العراق. 2008 مطبعة السياب القاهرة
صفحة: 342