الرئيسية » دراسات » حقيقة الكورد الأيزدين وما يشاع عنهم ..؟

حقيقة الكورد الأيزدين وما يشاع عنهم ..؟

للدين أهمية قصوى في حياة الشعوب القديمة بل انه من أهم العوامل المؤثرة في سيرة حياتها وأسلوب تطور حضارتها فالمعتقدات والافكار الدينية تحدد الأطار العام لسلوك الانسان في حياته وعاداته وتقاليده وأعرافه وقوانينه ، وتكون الخلفية المؤثرة في حياته الأجتماعية والثقافية والسياسية والفنية ، وقلما نجد أي عمل قام به الأنسان القديم أو أي أثر تركه الا وكان للدين فيه تأثيراً كبير ، لذلك كانت دراسة المعتقدات الدينية القديمة ذات اهمية كبيرة في فهم حياة الشعوب القديمة
وكانت معبودات القديمة هي :
( الشمس – القمر – النجوم – السماء – الأرض – الجنس – الحيوان – الطوطمية – الأنتقال الى مرحلة الألهه البشرية – عبادة الأشباح – عبادة الأسلاف) ، ولما كان لكل شيء روح ، أو اله خفي ، أذن فالمعبودات الدينية لاتقع تحت الحصر ، وهي تقع في ستة أقسام : ( ماهو سماوي – أرضي – جنسي – حيواني – بشري – الهي) ، ولانعرف أي الأشياء في هذا العالم الفسيح كان أول معبود للأنسان ربما كان القمر من بين المعبودات الأولى ، أو الشمس أو النجوم أو السماء ، والسماء كانت الهاً عظيماً تقام لها العبادات في تبتل لأنها هي التي تنزل الغيث أو تحبسه ، وكثير من القبائل البدائية تستعمل كلمة ( الله ) لتعني السماء ، كذلك كانت السماء عند المغول هي الأله الأعظم ، وكذلك الحال في الصين ، وفي الهند الفيدية معنى كلمة الله هو السماء الوالدة ، والله عند اليونان هو زيوس أو السماء وهو أهوارا عند الفرس أي السماء الزرقاء ، ومعظم الأساطير الأولى تدور حول محور واحد ، هو الخصب الذي نتج عن تزاوج الأرض والسماء . أقدم عقيدة دينية في آسيا ، مما تستطيع أن تتعقبه الى أصوله التأريخية ، هي تقديس الأشجار وينابيع الماء والأنهار والجبال وهكذا بقية المعبودات الدينية تعاقبت بالتدريج .
الديانة الأيزدية تعد من اقدم الديانات الكوردية ويتواجد الأيزديون في وادي لالش بشيخان وجبل سنجار بالقرب من الموصل ، حيث تنتصب أماكنهم المقدسة ، تعلوها قبب بيضاء مخروطية الشكل ومشوقة تدل على خصوصية دينية مختلفة ، ولا يوجد لديهم تأريخ مكتوب ، لذا أعتمدوا في تسجيل حوادثهم وعقائدهم على ما يعرف عندهم بـ ( علم الصدر ) أي الرواية الشفاهية اي الحفظ دون الكتابة ، ربما التقشف في أمور الدنيا والتوق الى عالم الأرواح وكره الملاعنة جذب أليهم عدداً من المتصوفة ليجدوا في مجتمعهم المنشود في هذا الوادي المقدس لديهم .
يعتقد الايزيديون كغيرهم من أهل الأديان الأخرى أنهم شعب الله المختار أو الأمة المصفاة ، ولكن بطريقة أخرى ومختلفة وفريدة من نوعها ، وذلك بأعتقادهم أنهم من ولدوا من آدم فقط دون حواء ، فبعد الجدل بين الزوجين بأيهما يلتحق النسل ، قررا الأستمناء في جرتين منفردتين ، وبعد تسعة أشهر تمخضت جرة آدم عن ( شيت وهورية ) ومنهما تناسلت الأمة الايزيدية ، اما جرة حواء فتمخضت عن ديدان فقط وهذا خلاف ما أعتقده الصابئة في تقديم المرأة على الرجل ، فطهارتها من طهارة النورالذي منه خلقت .
جاء في الأسطورة عن أحد شيوخهم ما معناه ( أن أصل الايزدية قديم شريف يتصل بأوائل خلق الانسان ، وذلك ان الله سبحانه تعالى بعد ان خلق آدم وحواء وقع بينهما الخصام في شأن ذريتهما ، فأل بهما النزاع الى ان أفترقا في مكان معلوم ، يبعد الواحد عن عن الأخر مسافة أربعين يوماً فرزق آدم ولداً جميلاً ، فأستاءت لذلك حواء وأنفردت بخلوة وطلبت من الله ألا تكون ذليلة في عيني زوجها فولدت طفلة غادة أخذ حسنها في قلب ابن آدم فزوجا الشاب بالشابة فجاء نسل الايزيدية ) .
أختلطت طقوس الايزيديين بطقوس الاديان الاخرى وقد يصعب تعقب هذا التأثير لمعرفة أيهما المؤثر وأيهما المتأثر وتناقضت الآراء حول تأريخهم وطقوسهم وفيما يخص تسميتهم
، يصر بعض الباحثين والدوائر الرسمية على تسميتهم باليزيديين على الرغم من تأكيدهم عدم الصلة بينهم وبين أي يزيد يذكر مثل : يزيد بن معاوية أو يزيد بن أنيسة أو يزيد بن عنيزة (قيل ان شيخ عدي كان يمثله ) .
في مصادر الملل والنحل الاسلامية تظهر فرقة الايزيدية وهم اتباع يزيد بن أنيسة الخارجي احدى الفرق المنشقة عن الاباضية ، ويتوهم عبد القادر البغدادي ( 429 هـ ) وبعده محمد عبد الكريم الشهرستاني ( 548 هـ ) عن غير قصد مع بعض المهتمين هذا الشأن على أعتبار يزيدية الخوارج هي الديانة المقصودة ، وذلك عند الحديث عن رئيس هذه الفرقة ( وزعم ان الله تعالى سيبعث رسولاً من العجم وينزل عليه كتاباً من السماء ويكون على ملة الصابئة المذكورة في القران ، وليست الصابئة الموجودة في حران وواسط ) .
أما نسبهم الى يزيد بن معاوية فلا تخلو من تأثير قومي مذهبي سعى اليه باحثون على حساب البحث العلمي او عن جهل بتاريخ هذه الديانة القديمة وهؤلاء يعززون رأيهم بما ذكره السمعاني ( جماعة لقيتهم بالعراق يأكلون الحلال ما قيل عنهم في التبرك بتربة الشيخ عدي ) وقل ما يخالطون الناس ويعتقدون بامامة يزيد بن معاوية ، ولعل السمعاني اخذ الاسم وبنى عليه قصته متجاوزين تسميات تاريخية مهمة في حياة الايزيديين التي تظهر علاقتها واضحة كدين او مكان ومنها كلمة ( يزدان او ايزد ) ، والتي تعني في الزرادشتية الاله المقدس (والفعل يزد معناه يعبد ويضحي ) الخليق بالعبادة وهي تطلق على الملائكة التي تتوسط بين الله والبشر وفي اعتقاد الايزيديين انهم من اتباع تلك الملائكة ، ففي صلاة الفجر يقولون ( باسم الله يزدان المقدس الرحيم الجميل الهي لعظمتك ولمقامك ولملوكيتك يارب انت الكريم الاله ملك ملك الدنيا حملة الارض والسماء ملك العرش العظيم ).
اما صلة نسبتهم بالمكان فيذكر عن مؤرخ يوناني في القرن السابع الميلادي ومر بمدينة الموصل وزار مدينة تدعى ( يزدم ) تقع على مقربة من اربيل ، فيكون اسم الايزيدية نسبة الى ذلك المكان ، وقال اخرون نسبة الى منطقة يزد الفارسية والمقبول ان المنطقة عرفت باسمهم مثلما يقال ديار ربيعة وغيرها ، وهناك من اعتقد بالصلة بين اسم الايزدية وبين الكلمة السومرية ( a – zi – da )المكتوبة بالخط المسماري كشف عنها احد خبراء الاثار واللغات القديمة الباحث الكوردي ( لافار نابود ) وتعني الروح الخيرة والغير ملوثين ويمشون على الطريق الصحيح ، فهذه الكلمة في القاموس السومري ( جامعة بنسلفانيا الولايات المتحدة الامريكية ) بمعان عديدة تقارب ما هية الايزيدية منها الطريق الحق والذراع الايمن وغيرها وبمقارنة بما يقوله الايزيديون الحاليون نحن على دين الحق والطريق الصحيح.. بيضاء ملابسنا ، الجنة مكاننا تكون الصلة واضحة ولم لا فالمنطقة لم تكن بعيدة عن مسرح الحضارة السومرية والجدير بالذكر ان تسمية اهل الحق موجودة كذلك في كوردستان وتشير الى مذهب ( الكاكائية ) تتشابهة معتقدراتهم بعض الشيء مع معتقدات الايزيدية وفيها الكثير من الموروثات الكوردستانية القديمة .
يبدو ان تسميتهم باليزيدين وورود اسم مروان في نسب الشيخ عدي بن مسافر جعلت الاخرين يعتقدون بامامتهم ليزيد بن معاوية وبنسبهم الاموي وكانهم جميعا من احفاد الشيخ عدي وكان الشيخ عدي وكما تذكر بعض المصادر هو مؤلف كتب الايزيدية بعد ايمانه بعقيدتهم القديمة في الخلق والتكوين كقول مصحف رش ( الكتاب الاسود ) في البداية خلق الله درة بيضاء من سرة العزيز وخلق طير اسمه ( أنغر ) وجعل الدرة فوق ظهره وسكن عليها أربعين الف سنة كتاب رش .
الشيخ ( آدي ) والذي اعتبره البعض بعدي بن مسافر الاموي هو رمز اله ( المطر والخير والبركة ) منذ القدم وقبل مجيء الدين الاسلامي الحنيف ، الاشوريين كانت لهم محبة خاصة للشيخ ( آدي) فانهم لم يصوره في نقوشهم وحسب بل ورد عنه الكثير في كتاباتهم ولهذا تواجد معبده في قلب آشور في معبد ( لالش ) وتوجد فيها رسومات ونقوشات ترمز الى شعائر الاديان السومرية والبابلية .
أعتبر الباحث الايزيدي خليل جندي اكتشاف صلة قومه بالحضارة السومرية ( مفتاحاً هاماً لفك خبايا الديانة الايزيدية والتقرب من معرفة اصولها التاريخية والاجتماعية وبالتالي وضع حدًا لمغالطات العديد من الكتاب والمؤرخين الذين حاولوا ويحاولون عن عمد تشويه حقيقة هذه الديانة سواء لمصلحة انظمتهم الشوفينية او لاغراض دينية وقومية منها نسب الايزيدين الى الامويين ، فاذا كان نسبهم الى بعض الامويين الفارين من العباسيين الى الجبال فاين ذهب اسلام هؤلاء الامويين واين ذهبت لغتهم العربية والغريب في الأمر سعي الحكومة العراقية الى تسمية الايزيديين بالامويين ، ففي نهاية الستينيات أعلن أحد أمراء الأيزيدين المدعو ( ببايزيد الأموي ) وبدعم من الحكومة الصدامية الشوفينية ، بأنه عربي أموي الأصل لهذا سعت الحكومة العراقية الى تسمية الايزيديين بالامويين جاء ذلك في بيان عما يسمى بـ ( مكتب ادارة شؤون الامويين في العراق ببغداد سنة 1969 الذي نشرته جريدة الثورة العراقية بعددها 166 جاء فيه ( ان المكتب يعمل لادارة الدعوة العربية واظهار عروبة الامويين في شتى المجالات الرسمية والشعبية ) وشدد البيان الآنف الذكر على نسب الأيزيدين لقريش عبر صلتهم بيزيد بن معاوية ، كما جاء في تقرير مديرية الامن العامة على ضوء احصاء عام 1977 ان غالبيتهم من العرب غير ان هذا الأمر لم يكن بمعزل عن التوجهات السياسية الخلاف مع القيادات الكوردية ومحاولة تعريبهم .
لانريد الولوغ بالتأريخ ولكن لغرض وضع حداً لمغالطات العديد من الكتاب والمؤرخين الذين حاولوا ويحاولون عن عمد تشويه حقيقة قومية وديانة هذه الشريحة الكوردية الأصيلة سواء لمصلحة انظمتهم الشوفينية او لاغراض دينية وقومية منها نسب الايزيدين الى الامويين . أن الأيزيدية قوم لايضاهيهم قوم هود وصالح بالقدم انهم قوم سيدنا ( ابراهيم الخليل ) هذا ما يقوله الشيخ ( خلف علو ) في مركز لالش الثقافي بدهوك كما يقول ( ان كتابنا مصحف رش نزل على سيدنا ابراهيم الخليل ) . ولابراهيم الخليل ضريح لايبعد عن مقامات الايزيدية كثيرا والجبل الذي يحيط بمعبدهم لالش يسمى جبل عرفات والماء الذي ينبع من كهفهم يسمى ماء زمزم فكيف تم ربط نسبهم الى يزيد بن معاوية . فاذا كان نسبهم الى بعض الامويين الفارين من العباسيين الى الجبال كما يشاع فاين ذهب أسلام هؤلاء الامويين واين لغتهم العربية ..؟ لا نعرف كيف تم ربط هذه الديانة القديمة جداً والتي تمتد جذورها الى السومريين والبابليين الى شيخ وفد الى ديارهم وسكن منطقتهم لأسباب غير معروفة وكان جميعهم من احفاد هذا الشيخ . كتب سليمان صائغ الموصلي تاريخ الموصل أن ( آدي أو عدي بن مسافر ) كما يسمى الأن كوردي النحلة تيرهي المذهب ( زرادشتي ) ويبدو من مضاربهم ان لاصلة للايزيديين بيزيد بن معاوية ولابما صدر عن مركز الامويين ببغداد او اي يزيد اخر والاصح ان ينسب تعليل تسميتهم بذلك الى ( اله ) كانوا يعبدونه اسمه ( يزد او يزدان) بمعنى ( الاله المقدس ) في الزرادشتية ( والفعل يزد معناه يعبد ويضحي ) كما يقول ممو فرحان مجلة الثقافة العراقية الجديدة العدد 243 والأيزيديين ولا يقرون بيزيد بن معاوية . ويعتزون بلغتهم الكوردية القديمة ويعتبرونها لغة اهل الجنة .كما جاء في تقرير عصبة الأمم المتحدة عام 1925 . كما يقول الباحث الفرنسي ( نو) الذي جعل الشيخ عدي كوردياً زرادشتياً وهوغير عدي العربي القادم من الشام ( بعلبك ) الى الجبال الهكارية بل هو آدي الجعفي من كوردستان أيران كتاب (الأيزيدية بقايا دين قديم ص302 ) .كما يقول علي الشرقي ( ان جنسيتهم كوردية قديمة وعاداتهم وتقاليدهم عين العادات والتقاليد الكوردية وان الخريطة التي اصدرتها جمعية الجغرافية الملكية البريطانية سنة 1910 تشير اليهم والى الكورد بلون وجنس واحد ، علي الشرقي في كتابه الأيزيدية .أخيرا قال الشيخ ( علو خلف ) نحن كورد ولكن فرض علينا لبس العقال والكوفية الحمراء العربية وحتى لانبدو غرباء في الجزيرة وسنجار ، مثلما فرض علينا يزيد بن معاوية والشيطان ، نحن لانكره الحسين بن علي ولم نشارك في ضرب ضريحه كما شاع علينا ولن نفرح في ذكرى عاشوراء قط . أماالعشائر التي تعتنق مذهب الايزيدية هي : الطاسنية والخالدية والبيسيانية وبعض البختية والمحمودية والدنبلية وغيرها ، مثلما فرض علينا يزيد بن معاوية والشيطان ، نحن لانكره الحسين ولم نشارك في ضرب ضريحه كما شاع علينا ولن نفرح في ذكرى مذبحة عاشوراء قط . اما تسميتهم بعبدة الشيطان فاساسها ان الايزيديين يرفضون الجمع بين حرفي الشين والطاء ويحرمون البصاق على الارض علنا ولعدم التمييز بين ما تعنيه التسميتين كما هي واضحة عند الايزيدية حكم عليهم واتهموا بعبدة الشيطان ، والحقيقة انهم يتشاءمون من اي لعن ، ولدى الايزيدية فلسفة خاصة مفادها ان الملك المعني برفض السجود لآدم هو احد الملائكة السبعة لديهم وهو ( عزرائيل ) ومعروف بطاووس ملك ، وتقديرا لهذا الرفض انعم الله عليه بمنصب رئيس الملائكة ولهذا الاعتقاد علاقة مباشرة وغير مباشرة بمثيولوجيا الاخرة قال الأب انستاس الكرملي مستبعداً عنهم عبادة أبليس ( ان الايزيدية يعتقدون باله واحد ضابط الكل بيده كل ما في السماء وكل ما في الارض ويسمونه بالكوردي ( خدا ) اي الله . وربما تعود تسميتهم بعبدة الشيطان الى سنة 1791م يوم غزاهم وزير العراق العثماني فاطلق عليهم هذا الاسم ، ويعتبر عيد راس السنة الايزيدي الموافق نيسان من كل عام عيدا لملك طاووس الذي يفسره الاخرون انه بمثابة ابليس وهو اهم عيد من اعيادهم الموزعة على فصول السنة ، فاعياد الربيع هي : عيد ( سه ر سال ) عيد راس السنة ويعرف بعيد طاووس ملك وعيد ملك زين والاربعاء الاحمر ويحتفل به في اول اربعاء من شهر نيسان واعياد الصيف عيد ( اربعانية الصيف) بعد الصيام يبدا من 25 حزيران وحتى الثالث من اغسطس وبعده ياتي العيد لثلاثة ايام في وادي لالش ، وأعياد الخريف : عيد الجماعة او العيد الكبير من 6- 14 تشرين الاول ، واعياد فصل الشتاء هو عيد اربعانية الشتاء ( 26 كانون الاول – 4 شباط ) وعيد صوم ايزيد بعد صيام ثلاثة ايام ولابد ان يصادف يوم جمعة وعيد خاص بسلالة البير وهي طبقة من المجتمع الايزيدي منهم دراويش المعبد وخدمته . كما يتضح من أدعية وشعائر الايزيدية الاخرى انهم موحدون يؤمنون باله واحد كما سبقت الاشارة فمن دعاء لهم في صلاة الفجر (يارب انت الكريم الرحيم الاله ملك ملك الدنيا مملكة الارض والسماء ملك العرش العظيم ) وفي دعاء اخر ( يارب انك انت الموجود وانا المعدوم ، انت غافر للذنوب ، انت الاله الحق مالك الكم والكيف لاقامة لك لكنك رفيع ، لاصوت لك ، لكن صوتك معروف ) أما تقديسهم واجلالهم للشمس فينبع من اهمية هذا الكوكب وعلاقته المباشرة بالحياة والضياء ، لهذا يكرهون الالوان الغامقة بشكل عام ، ويميلون الى اللون الابيض لون النور ، اضافة الى انهم يعتبرون الشمس نورا لطاووس ملك وهذا التقديس له علاقة بعقائد قديمة منها الزرادشتية والشمسية وربما اقدم من ذلك فالزرادشتيون كانوا يسجدون عند شروق الشمس وزوالها وغروبها ، وهذه الصلوات الثلاثة موجودة في الديانة الايزيدية ، وقد لايعني ذلك السجود للشمس بقدر ما استخدم حركتها للتوقيت مثلما يفعل المسلمون ، مع كون الشمس هائل التاثير في العبادات كافة
قال ( أوجين بوره ) احد الاجانب الذين زاروا المنطقة قديماً في الصلة بين الايزدية والزرادشتية ( لعمر الحق ان كل شيء فيهم يشم منها رائحة ديانة زرادشت التي ادخل فيها ماني صاحب الثنوية المانوية بعض التغييرات ) .
دفعت الكراهية التي غالبا ما توجهها الدولة باحثين عراقيين واجانب منذ عشرينيات هذا القرن الى التقصي عن حقيقة ما يثار حول اهل هذا الدين ، واسفرت جهودهم عن كشف معلومات تنفي ما قيل عنهم خطاً أهم ما فيها : انهم لايعبدون بشراً ولا ابليس بل يعبدون الله الواحد الاحد ولكن بطريقة مختلفة وخاصة بهم ولايودون التخلي عن عقائدهم ويحبون الاخرين ويكرمون الضيف ويهتمون بالنظافة ويعشقون بيئتهم الى حد يظن به الاخرون انهم يعبدونها ، يحاكي الايزيديون بصلادتهم صلادة صخور واديهم المقدس ، رغم عشرات فتاوي القتل ضدهم والتي اسفرت عن هجمات شرسة لم تسلم منها عظام شيخهم الجليل التي احرقت اكثر من مرة .
في وادي الايزدية المقدس لالش معبدهم الرئيس وزين باب معبدهم تمثال أفعى سوداء يعتقدون ببركتها وأسدان يحملان شمعدان وطير طاووس وعبارة تقول بسم الله الرحمن الرحيم خالق السماوات والارض هذا المنزل محل الشيخ عادي الموقر 569 هـ ، داخل المعبد جرار مصفوفة من الزيت عمرها الف سنة تنبعث منها رائحة الازل ، داخل المعبد اضرحة عدد من شيوخهم وفي عمق المعبد ضريح الشيخ ( آدي ) وسجادته التي يعتقد فيها الشفاء لكل مريض يجلس عليها . ومثل رهبان وراهبات الأديرة المسيحية وسدنة في خدمة المزارات الاسلامية ومتصوفة يلوذون في زوايا المساجد ، ينقطع الجواويش والدايات الى العبادة في معبد لالش فلا زواج ولا متعة دنيوية ، غير سد الرمق والعبادة والتمثل باخلاق شيخهم العازب الطاهر .
يوجد داخل المعبد عين ماء يسيل يسمونه ماء زمزم ومعنى كلمة زمزم حسب مصادرهم تعني ( الصلاة بصوت منخفض بالقلب ) وزمزم دعاء يردده الزرادشتيون قبل الطعام ، وهي بمثابة دعاء السفر عند الايزديين ويقولون لم يكن هناك ماء فضرب الشيخ ( آدي ) باطن الارض بعكازه فانفجر هذا الماء .
الروايات كثيرة عن الأيزديين ومتناقضة فمن الغريب حقا ان يقدس الايزديون وهم أهل دين قديم جداً شيخاً عريباً متصوفاً وان تنسب اليه كتبهم المقدسة ( كتاب الجلوة ) و ( مصحف رش ) وان يعد ضريحه بمثابة الكعبة عند المسلمين .
يذكر الباحث الفرنسي المسيو ( نو ) ان الشيخ عدي كوردياً زرادشتياً مع عدم أنكاره عدي العربي المسلم القادم من الشام الى الموصل . يقول الموصلي ان الاول غير الثاني وان عدي الاموي توفى سنة 1160 او 1161 م وعدي الكوردي قتله المغول سنة 1223 م ، وكتاب الايزدية المقدس ( مصحف رش ) لا تنسجم مع ماهية الديانة الأيزيدية ، ولا بد ان تعرضت الى تبديل وتغيير وتحريف ، ويرى القس سليمان الموصلي من مضاربهم ان لاصلة للايزيديين بيزيد بن معاوية او اي يزيد اخر غيره والاصح ان ينسب تعليل تسميتهم بذلك الى اله كانوا يعبدونه اسمه ( يزد او يزدان ) ولا يقرون اليوم بيزيد بن معاوية ولا بما صدر عن مركز الامويين ببغداد التي يعود الكرملي ليجعلهم متشابكي الاصول فمن جهة تغلب عليهم التقاطيع (الهندو – اوربية ) ممتزجة عربية كوردية غير انهم يعتزون بلغتهم الكوردية القديمة إذ يعتبرونها لغة اهل الجنة ، وما جاء في تقرير عصبة الامم المتحدة سنة 1925 بانهم يجلون هذه اللغة الى حد التقديس يؤكد بعدهم عن الاصل العربي والآشوري .
يقول علي الشرقي ( يظهر ان جنسيتهم كوردية ويمكن القول انهم قوم من الكورد وباق على اصله وعراقته وعاداتهم وتقاليدهم عين العادات والتقاليد الكوردية والخريطة التي اصدرتها جمعية الجغرافية الملكية سنة 1910 تشير اليهم والى الكورد بلون واحد وجنس واحد ، ويرى يعقوب سركيس انهم كانو على الديانة المانوية ، فاسلموا زمن عدي بن مسافر وفيهم التراهية ، وكانوا مسلمين زمن القاضي والمؤرخ الاردبيلي ابن خلكان 681 هـ ، لكنهم ارتدوا الى دينهم القديم وظلوا على تعظيم عدي بن مسافر تعظيما لايليق بمخلوق ، اضافة الى ما انتجته مخيلتهم الشعبية حوله .
يذكر جورج حبيب ادلة تؤكد قدم هذه الديانة وصلتها بالمثرائية ومن هذه الادلة ان طراز بناء المعبد الذي يضم رفات الشيخ عدي يحوي محاريب سبعة ويقع في كهف ذي ينبوع مائي ومعنى هذا انه معبد مثرائي فالمحاريب تشير الى الدرجات المثرائية السبعة وان المثرائية الاولى كانت كهوفا تقع على ينابيع مائية أيزيدية ، ولم يكن في يوما من الايام ديراً مسيحياً ، كما يدعون بأنه كان ديراً وسيطر عليه الشيخ آدي . بدليل ان كلمة باعذرى التي يقع فيها المعبد هي كلمة آرامية مختصرة من بيت عذري اي دار الاعوان ( الآلهة الاعوان ) فهي اذن دار الايزيدية . ولعل الاسم يشمل المنطقة المحيطة بالقرية فاختص بالقرية وحدها ، واننا نجد نفس التعبير اليوم بلغة عربية كوردية تشمل المنطقة هي كلمة شيخان فكلمة شيخ عربية ولكنها جمعت بالصيغة الكوردية باضافة الف نون حيث اصبحت شيخان فهي منطقة الشيوخ اي الاعوان وهي الان موطن دار الامارة الايزيدية .
كذلك يجد حبيب في تاريخ الامارة الايزيدية دليلاً على اصالة الدين الايزيدي فيجيب على سؤال : لمن كانت الزعامة قبل ان ياتي الشيخ عدي الى لالش بقوله ( ليس من شك ان اسم الشمسانية يشير بوضوح الى الشمس ايزيد ، الذي ينتسب اليه الايزيدية ) ومن هنا يتضح ان الزعامة قبل مجيء الشيخ عدي كانت دائما تتمثل بالزعيم الديني الذي يمثل الاله الشمس والتي لم تكن وراثية في النطام المثرائي ولعلها اصبحت وراثية بعد امتزاجها بالديانات البابلية في عهد متاخر نسبياً ، او وقت ما أزيحت الزعامة من العائلة الشمسانية .
في بحث للايزيدي ( حسو امريكو ) نجد الاصول المانوية والزرادشتية ( التراهية او المثرائية) على علاقة بدين رئيس الملائكة ، وورد في البحث المذكور ، وفقا للايزيدية فان الملاك ( سن) او الشيخ سن هو المسؤول عن العلم والقلم والمعرفة وهو ( نورائيل ) وهو ناقل الوحي الى كل الانبياء ، ومن اثار الداسنية نسبة الى الملاك سن ان اسم زعيم الايزيدية العام 1516 م حسين بك الداسني .
طاووس ملك الذي يرفع الايزيديون تمثاله في طقوسهم كان معروفا في الاديان العراقية القديمة فالطيور المقدسة ( من خصائص ديانة البابليين ) وقد تكون من خصائص ديانة الاشوريين وكانت عندهم بمثابة ارواح ذات سلطة على أعمال الناس .. وكان في قصر ملك بابل صور للطيور من الذهب وعلى ما قاله العلامة والباحث ( فيلوسترانس ) وصلت عبادة الطيور من آشور الى الاسرائيليين فقد جاء في سفر تثنية الاشتراع ( 4,7 ) لئلا تفسدوا لانفسكم تمثالا منحوتا شبه طير ما ذي جناح مما يطير في السماء .
اذا فات الاسلاف الدفاع عن دينهم بالخطاب والجدل واكتفوا بالتحصن بالجبال والواديان والانغلاق على النفس , فان الجبل الحاضر يكتب ويجادل ويرد الحجة بالحجة وقد تولت مجلتا لالش الصادرة بدهوك عن مركز لالش الثقافي الاجتماعي و( روش ) التي يصدرها بالمانيا شباب ايزيديون متنورون في هذه المهام ، واذا كان طاووس ملك مقدساً لدى الايزديين فاي ديانة خلت من تقديس او احترام حيوان ما فالخنزير المحرم لحمه عند المصريين القدماء واليهود والصابئة والمسلمين كان مقدساً في فترة ما وعلة تحريمه الاولى لأنه كان طوطماً ، ثم تحول تعليل هذا التحريم الى اسباب مثيولوجية ، كعدم اجتراره مثل المواشي ، كما فسر ذلك اليهود او لانه بالاصل انسان مسخ الى خنزير كما هو الحال عند المسلمين ولينظر الى الهدهد كيف جعل منه النبي سليمان رسولاً وحرم أكل لحمه في الشريعة اليهودية . فكيف بالطاووس الذي يضرب المثل في جماله وكبريائه ، والامام علي عليه السلام يصف الطيور : ( من اعجبها الطاووس الذي اقامه في أحكم تعديل ونضد الوانه في أحسن تنضيد بجناح أشرج قصبه وذنب أطال مسحبه ، اذا درج الى الانثى نشره من طيه وسما به مطلاً على رأسه ، كانه قلع دارى عنجة نوتيه يختال الوانه ويميس بزيفانه ، فان شبهته بما أنبتت الأرض قلت جني من زهرة كل ربيع وان ضاهيته بالملابس هو كموشي الحلل ، او كمونق عصب اليمن وان شاكلته بالحلي فهو كفصوص ذات الوان قد نطقت باللجين المكلل ، يمشي مشي المرح المختال ويتصفح ذنبه وجناحيه فيقهقه ضاحكاً لجمال سرباله وأصابيغ وشاحه ، فاذا رمى ببصره الى قوائمه زاقاً معولاً بصوت يكاد يبين عن استغناثته فكيف تصل الى صفة عمائق الفطن او تبلغه قرائح العقول او تستنظم وصفه أقوال الواصفين ، وأقل أجزائه قد أعجز الأهوام ان تدركه والالسنة ان تصفه فما الغريب اذاً في ان يكون الطاووس مثال عند الايزيدية كرمز للعبادة قال احد الايزيدية ( الطاووس عندنا هو الراية السماوية ، رمز الاله ناشر السماوات السبعة والمسيطر على الارض التي يحكمها بالعدل والموفقية ابو هوري الايزيدية قدست الشمس والتقديس غير العبادة .
الأيزيديون قوم لايضاهيهم قوم هود وصالح بالقدم ، انهم قوم ابراهيم الخليل هذا ما يقوله الشيخ ( علو خلف علو ) في مركز لالش الثقافي في دهوك ( ان كتابنا مصحف رش ) نزل على سيدنا ابراهيم . ولكن يا شيخ … كيف عرف ابراهيم بمحمد عليه الصلاة والسلام ومعاوية واسماعيل كيف عرف بهم قبل ان يخلقوا ..؟ قال ( هذا ليس كتابنا هذا مزور علينا ان كتابنا محفوظ في الصدور ، وان اليهود احرقوه لاننا جماعة نبوخذ نصر العظيم الذي رحلهم الى بابل
عبارة الشيخ علو الاخيرة لها اكثر من دلالة ، اولا انهم من ديانة قديمة تتصل اصولها بتاريخ بلاد الرافدين القديم وثانيا وهو الاهم انهم من بابل واشور .
في كتاب الايزيدية في بلاد ما بين النهرين لاشور نصيبينويو : ان ملكهم كان اسمه يزيد الجعفي بين حدود ايران والعراق وان اغلب الكورد من نسله والباقي من الاشوريين ، كان لنا ملك في بابل اسمه بختنصر ( نبو خذ نصر ) ويقول في مكان اخر ( ان الله تكلم بلسان كوردي مع آدم ومع طاووس ملك ) ولهذا كتاب مصحف رش الذي هو عائد الى الملك ( شمس الدين ) هو بالكوردي ، فلابراهيم الخليل ضريح لايبعد عن مقامات الايزيدية كثيراً ، كما يقول الشيخ علو لانؤمن بوجود الشيطان ولانعرف للشر الها ولا للظلام الها انه يزدان اله واحد احد ، وان عدم اعترافنا بالشيطان دفع الفضوليين من الجيران بالاشارة الينا بلفظ الشيطان ، وتكرار ذلك خلق صدامات شديدة ولدت عند الايزيديين كراهية سماع هذا اللفظ حتى حتمت العادة ان نظهر بمظهر المقدسين لهذا الكائن الخرافي ، وبهذا تفترق الايزيدية عن الزرادشتية التي يعتقد انها ملة من مللها ، انها ليست ثنوية وربما هذا اختلافهما ايضا مع الاديان المجاورة الاخرى ، ومع الديانات السماوية الثلاث .
يتوزع الايزيدية على مناطق عديدة من كوردستان مثل سنجار وشيخان وبعشيقة ودهوك وتلعفر وزاخو وتلكيف وغيرها ولهم تواجد في كوردستان سوريا وتركيا وعلى الحدود الروسية القفقاسية والديانة الايزيدية غير تبشيرية اي لا تتجاوز على اديان الاخرين ومحافظة على الكيان ، بأن لايتزوج الايزيدي بغير الايزيدية وليس من حق الاخرين ان يصبحوا ايزيديين ان عدي بن مسافر ليس عادينا الذي صنعه الله من نوره .

المصادر
——————————
(1) الايزدية ، مجلة المشرق ، العدد ، 1899 ، ص33 .
(2) الشهرستاني ، الملل والنحل ، ج1 ، ص136 .
(3) السمعاني ، الانساب ، مادة اليزيدي في الانساب عن الايزيدية .
(4) ممو فرحان مجلة الثقافة الجديدة العراقية ، العدد 243 ، 2006.
(5) خدر سلمان ، مجلة التراث الشعبي العدد ،5 ، 1973 .
(6) عبد الرزاق الحسني ، الايزيديون في حاضرهم وماضيهم ، ص 152.
(7) محمد امين زكي ، خلاصة تاريخ الكورد وكوردستان ، ج1، ص294 .
(8) خليل جندي ، نحو معرفة حقيقة الديانة الايزيدية ، ص20 .
(9) محمد مكري ، ولادة الكون عند الاكراد ، مجلة اصوات ، العدد13 ، 2003.
(10)عباس العزاوي ، العراق بين احتلالين ، ج1، ص111 ، حوادث سنة 1791م .
(11) الاب الكرملي ، اليزيدية ، مجلة المشرق ، العدد1899 ، ص35 .
(12) علي الشرقي ، الايزيدية ، ص 389 ، مجلة العرفان العدد 11 ، 1926.
(13) اليزيدية ، مجلة لغة العرب 1929 .
(14) أحمد تيمور , اليزيدية أو عبدة ابليس , مجلة المقتطف , اكتوبر 1916, عن السرهنري ليرد .
(15) الامام علي عليه السلام ، نهج البلاغة ، الخطبة ، رقم 163 .
(16) جريدة الاتحاد ، الأيزيدية ، العدد 375 ، 2005.
(17) اسماعيل بك جوفل ، اليزيدية ، قديماً وحديثاً ، ص77 .