الرئيسية » مقالات » عمائم ملونة..افق كالح

عمائم ملونة..افق كالح

متأخر جدا, واقرب الى احاديث فض المجالس منه الى الموقف الواضح والمبدئي –والصادق-كان الانتقاد الخجول الذي استل استلالا من مدير ديوان الوقف السني في محافظة الانبار، لـ”بعض “الخطب المتشنجة التي تدفع باتجاه العنف والإرهاب”, ولم تكن الحكومة العراقية اكثر اقناعا بتهديدها بالتصدي”بحزم” لرجال دين وشيوخ عشائر قالت إنهم يطلقون تحريضًا طائفيًا وتهديدات ضد جهات محلية وإقليمية وينصبون أنفسهم بديلاً عن الدولة والحكومة.

فخطاب الشيخ عبد المنعم البدراني ودعوات السيد البطاط ليست انعطافة في مسار الاحداث بقدر كونها تفصيلا مكبرا للصورة الاكبر التي استمرأت انتاج الخراب المحض للوطن وابنائه في امنهم وحياتهم اليومية ومصالحهم وأرزاقهم، والتي لم تكن الا نتيجة للايلاج الممنهج للعامل الطائفي في كل مفاصل الحياة وتجاهل تغوله على جميع مفردات حياتنا حد مخادعنا وقهوة صباحاتنا الغائمة.

سنوات والجميع ينظر بنصف عين الى حملات التحريض والتجييش التي تنبت لنا الزعماء والدعاة والاوصياء وولاة الامر في شوارعنا كالفطر السام ,واطنان من التجاهل-الاقرب الى التواطؤ-مع الاستعراضات والعسكرة المفخخة للخطاب الطائفي الذي اوسعنا تمزيقا وتشطيرا وامعن في افشاء التنفير والتطير بين فئات المجتمع الذي ادماها طول التمسك بالايام والتاريخ الطويل..سنوات ونحن نجلس القرفصاء مهطعين امام خطاب التجييش الممنهج الذي عطل حراك الدولة، واعاق مسيرة الاعمار ,والمصالحة , والبدء-حتى البدء- في تحسس الطريق الى مثابة النفق,والذي كان يدار ويشحذ ويغض النظر عنه من قبل نفس الاطراف التي تستنكره الآن وتحذر منه ومن النتائج والمآلات التي يمكن أن تسفر عنه.

وهذا التجييش –المسكوت عنه-هو من جعل احد الشيوخ يدير حربا ضروسا من منبره من كويتا الى لبنان وجعل الآخر يفتح اسوار الوطن لكل من يتفق مع رؤاه وإسقاطاته التاريخية التي ليست بالضرورة على وفاق أو اتساق مع اللحظة الراهنة ولا السيرورة الطبيعية للاشياء.

ليس دليل عافية, ولا حياة ان تحتكر احلامنا ومصائرنا بيد الخطاب المتأسلم المأزوم, ولا ان نكون اسرى اكثر التأويلات عتقا,ورغبات والوان العمائم التي تحن لرتبها المجردة وسوط الجلاد, وليس قدر لنا كل هذا الاستعصاء والايصاد لكل المنافذ القادرة على احتواء الأزمات,ولا ذلك الاسراف في ادارة التقاطعات الناشئة من خلال الذخيرة الكلامية المسترجعة والمستهدفة ادامة الاحتراب بين اطياف الشعب, وتغليب المغانم على المصالح والأثرة عن طريق اختلاق حروب ومواجهات للظفر بتلك المغانم.والاهم,,لسنا بحاجة لمن يلقننا الدعاء ولا من يستبدل امننا ومقدراتنا بوعد الآخرة..

ان البيانات والتصريحات التي تستنكر المساس بالوحدة الوطنية والامن الوطني والتي تدعو الى التهدئة والتعقل وعدم الانجرار الى التصعيد،مرحب بها, ولكنها لا تعد وصفة صالحة في مثل هذه الظروف, فهي –كما في كل بلاد الخلق-تحتاج الى الطرف الجامع الذي يتحصل على امكانية التدخل لفض الاشتباك ومنع تفاقمه, وهنا هو النظام والدولة والقانون والدستور,وهذا بالضبط ما داسته ولاكته وغيبته نفس الاطراف والمرجعيات التي تتقاذف المسؤولية عن المأزق المهين الذي وضع فيه الشعب المكلوم..

لن نبالغ اذا جادلنا بان مثل هذه الخطابات لن تكون الا لوثة عابرة,وقد لا تقوى الا على استدرار الانقباض والضيق وبيانات الاستنكار المعتادة, وما زال الرهان على طبيعة العراقيين ووعيهم وايمانهم باهمية الحفاظ على وحدة الارض والمصير, ولكنها تنبىء بما هو أسوأ إذا لم تعالج بالتي هي أحسن وأقوم واكثر حفظا لامن العراقيين وسلمهم, ولنا تجارب مرّة مع مثل هذه الممارسات، وندرك تماما حقيقة مثل هذه الخطابات وإلى ما يمكن أن تؤدي إليه..

يبقى الرهان على الشعب, وعلى العقلاء والاصلاء في قطع الطريق امام هذه الدعوات ,وقد تكون هناك فسحة ما زالت متاحة لتصحيح بعض الامور قبل استفحالها..وما زال الامل كبيرا في صبر العراقيين وجلدهم, ولكن ما لا يمكن توقعه, هو المدى الذي يستطيع الشعب ان يتحمل كل هذه الاعباء, وكل هذا القرف اليومي المعاش.