الرئيسية » مقالات » الأمم الأربع والاسلام ؛ [ العرب ، الفرس ، الترك والكورد ] الجزء الأول

الأمم الأربع والاسلام ؛ [ العرب ، الفرس ، الترك والكورد ] الجزء الأول

المقدمة : لقد برهنت التجارب والوقائع التاريخية والاثباتات غير قابلة للطعن ، أو الشك فيها بأنه قبيل إلغاء الحكومة الراشدية ، وذلك بعد إغتيال آخر أئمتها وروادها علي بن أبي طالب – رض – [ 599 – 661 م ]، إنقلبت المفاهيم الدينية والمفاهيم الدينية – السياسية للاسلام رأسا على عقب ، فحُرِّفت تعاليمها وأحكامها وبالذات تلك التي تتعلّق بالفقه السياسي الاسلامي .
لا ريب في أنَّ إلغاء الحكم الراشدي لم يكن مصادفة أو كان عملا عفويا ؛ بل إنه كان نتيجة عملية تخطيط محبوكة الأطر والجوانب بدقة من قبل جماعة كانت تنتهز الفرص الملائمة والظروف السانحة لتنفيذ مخططها الانقلابي اللامشروع ، وهي الجماعة الأموية بفرعيها السفياني والمرواني !
وعندما أفلحت الجماعة [ المتآمرة ] في تمرير إنقلابها ونجاحها في الاطاحة بالحكم الراشدي وإغتياله دينيا ومفاهيميا وسياسيا وجسديا أسرعت الى تنفيذ وتثبيت دعائم وصروح مشروعها ، وبالأحرى فرضه على المجتمع العربي والمجتمعات الأخرى غير العربية أيضا بالعنف والإكراه والقسر .
وإن أبرز ما تصمنه المشروع الانقلابي القهري الأموي في طياته هو ما يلي :
1-/ تنظير الاسلام وتفسيره على أساس العقلية والمصالح القبلية والعائلية والقومية العربية .
2-/ إلغاء الشورى الملزمة وحرية الرأي والتعبير والنقد والاعتراض .
3-/ وضع ونشر كميات هائلة من الأحاديث والأخبار والمرويات المزورة والمكذوبةفي المجتمع .
4-/ تأسيس نظام الملكية الوراثية بالاستناد على خصائص القومية والقبلية والعائلية .
5-/ إنشاء مذاهب دينية – سياسية لمواجهة اسلام الأمة ، بهدف تحريف وتشويه معالمه وتزييف حقائقه كمذهب المرجئة مثلا .
6-/ تصفية الشخصيات الصحابية والتابعية البارزة والمخلصة جسديا عن طريق الاغتيالات ، أو تشويه صورتهم وسمعتهم على الصعيد الديني والسياسي والاجتماعي . وذلك بإتهامهم وإلقاء الشبهات حولهم والافتراء عليهم ، من أجل تطويقهم وشَلِّ نشاطهم لعزلهم عن المجتمع وأحداثه وتطوراته من جميع الجهات .
7-/ إبراز ودعم شخصيات دينية واجتماعية تتسم بصفات غير سوية كالانتهازية والتقلّب والتلوّن والضعف والاضطراب النفسي والجبن وحب المال والجاه والمنصب ، وذلك لمواجهة الشخصيات الحقيقية للأمة ، من أجل الافتاء الديني المزيف في شرعية وشرعنة الانقلاب وقادته .
إستنادا لما ذكر من الأسباب والعوامل الأساسية نلاحظ اليوم تشتت المسلمين وإنحطاطهم وضعفهم وكثرة إختلافاتهم المُمِلّة والمزعجة والمُتخلِّفة ، بل حتى خلافهم في العديد من الأصول والثوابت حيث لا يجوز الخلاف حولها قطعا . وهكذا تفرّقهم الى شيع ومذاهب وأحزاب وطرائق شتى ، كل تزعم أنها على الحق المبين ، وأنها الفرقة الناجية وأن غيرهم ضالّون ، وفي الجحيم هم خالدون .
لهذا ، بالحالة هذه قد يصعب جدا ، بل لا يكون ممكنا ، إن لم نقل من المحال جمع المسلمين وتوحيدهم تحت لواء واحد وأصول عقدية موحدة ، فمثلا كيف يتم توحيد الأصول العقدية والفكرية والمذهبية لأهل السنة والجماعة مع السلفية والشيعة ، أو بالعكس . عليه فإن قراءة واقع المسلمين المزري اليوم قراءة علمية سليمة وشاملة لكل الجوانب الدينية والمذهبية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية .. تتضح بأنه معلول بدرجة قصوى الى الانحراف والانقلاب الديني – السياسي الأموي الذي أشرنا اليه قبل قليل بإيجاز شديد .
ولم تنجح كافة المحاولات الجادة والمخلصة في الماضي ، وحتى يومنا هذا في تقويم الأوضاع وإصلاحها وتصحيح مساراتها وإعادتها الى مكانتها الأولى ، والى حالتها الطبيعية . وذلك بسبب حالات التمذهب والتخلف القبلي والعشائري والانحراف الذي طرأ على المجتمعات ، طبعا مع إستثناءاتنا لبعض الفترات التاريخية ، مثل فترة حكم معاوية بن يزيد بن معاوية وعمر بن عبدالعزيز وغيرهما .
وبعد ذلك يُعَلّل الواقع المشار اليه للأساب الداخلية السلبية جدا كالتخلف والفرقة ، أو التمذهب والتحزب اللاواعيين ، مع عدم إفساح المجال للعقول المجتهدة والمجددة غير المتأثرة بالانقلاب الأموي وتنظيراته الدينية والسياسية ، وأخيرا تعتبر العوامل الخارجية هي عوامل ثانوية بطبيعة الحال وبحسب قواعد علم الاجتماع والسياسة .
ولما وصلت الأوضاع الى هذه الحال وشاهدت الشعوب غير العربية بأن العرب يُنَظِّرون الاسلام ويفسِّرونه ، ثم يُوظِّفونه وفقا لمصالحهم الفكرية والسياسية والاقتصادية والقومية والوطنية ، وإن هدفهم الأول والأخير أصبح الحكم والتَحَكُّم بالشعوب وبلدانهم والاستحواذ على خيراتهم وثرواتهم تحت عنوان : الخلافة العربية الاسلامية . وهكذا محاولاتهم المستمرة في صهر القوميات وتعريبهم ومصادرة حرياتهم وإنكار خصائصهم القومية والوطنية والاجتماعية ، ثم نكران حقهم في إدارة أنفسهم وبلدانهم ، وذلك بذريعة [ الأخوة الدينية ] ، أقدموا بعد رفضهم التفسير العروبي للاسلام على فهم الاسلام وتفسيره وتوظيفه بموجب عقلياتهم ومنافعهم المرتبطة بالدين والقومية والوطنية والثقافة والسياسة والاجتماع والاقتصاد .
ومن جملة الشعوب التي لم تقتنع ، بل رفض مبكرا رفضا قاطعا التنظير العروبي الاسلامي هم : الترك والفرس ، حيث انهم أقدموا على تكوين وتأسيس العديد من الدول والامبراطوريات المستقلة الكبرى لهم على أساس اسلام منظّر ومفسر تركيا وفارسيا ايرانيا كالامبراطوريتين العثمانية والصفوية .
ومما لا غبار عليه أنه منذ الانقلاب الأموي ، والى يومنا هذا فإن العرب والترك والايرانيين وغيرهم من القوميات أيضا ، بإستثناء القومية الكوردية للأسف الشديد ما زالوا يتّبعون نهجهم السابق في تفسير الاسلام بعقلياتهم القومية ، وفي إطار مصالحهم الفكرية والدينية والاجتماعية وغيرها .
إن الهدف الرئيس من كتابة هذه الدراسة هو محاولة جادة لفهم وكشف طريقة تفسير العرب والترك والفرس للاسلام في كافة المراحل التاريخية ، والى العصر الحاضر ، لأنه كما أثبتت التجارب والمعطيات التاريخية للأمم الأربعة المعنية في دراستنا هذه هناك تباين فَجٌّ في تصوراتهم ، وفي إختلاف رؤاهم للدين الاسلامي ؛ في العديد من أصوله وفروعه ، وفي العديد من ثوابته ومتغيراته ، وفي تعاليمه الشرعية والسياسية ، وبالتالي فإنهم يفتقدون تفسيرا واحدا وفهما موحدا عنه ، وبخاصة في مجالات السياسة والحكم وحقوق الانسان وغيرها .
ملحوظة : هذه الدراسة تعود لعام 1998 وما بعده ، وقد أتممت قسما لا بأس بها ، آمل أن أكملها بعد مدة قريبة .

مير عقراوي / كاتب بالشؤون الاسلامية والكوردستانية