الرئيسية » دراسات » العـامــل الخـارجـي ودوره فـي اخـمــاد الانتـفاضــات الـكــورديـــة -3-

العـامــل الخـارجـي ودوره فـي اخـمــاد الانتـفاضــات الـكــورديـــة -3-

الموقف الدولي من الانتفاضات الكوردية

إن هذه التغيرات التي طرأت على المنطقة (اي منطقة الشرق الاوسط) في اعقاب الحرب العالمية الاولى، بما فيها تغيرات الحدود عقدت اوضاع وظروف الكورد اكثر فأكثر من سابقاتها، فقد كانوا قبل الحرب تحت نفوذ الدولتين الكبيرتين العثمانية والقاجارية (ايران) الا انهم في اعقاب الحرب وما بعده وقعت بلادهم تحت نفوذ خمس دول هي تركيا، ايران، العراق، سوريا، الاتحاد السوفيتي(44) وبذلك تم اقتسام ودمج كل قسم جغرافياً بدولة من دول الجوار الجغرافي، وقد فرز الوضع الجديد سياسة جديدة تجاه الكورد وهي سياسة التعاون الاقليمي والاستراتيجي (المدعوم دولياً) بين الدول التي تقاسمت اراضي كوردستان وشعبها بهدف منع اية محاولة لأعادة احياء فكرة قيام كوردستان مستقلة(45).

ومن الجدير بالذكر ان جميع حركات وانتفاضات الكورد السلمية والمسلحة من اجل استحصال حقوقهم المغتصبة، كانت توصف من قبل الدول التي تتقاسم ارضهم، بأنها تحريض وتدبير من قوى اجنبية، علماً ان العامل الخارجي او الدولي او تلك القوى كانت العامل الفصل في قمع تلك الانتفاضات والمسؤولة عن حرمان الشعب الكوردي من حق تقرير مصيره(46)، فمن المعروف تأريخياً ان الدول الكبرى، لاسيما بريطانيا، قد تخلت نهائياً عن فكرة تاسيس كيان قومي كوردي، فضلاً عن اهمالها متابعة تطبيق قرارات معاهدة لوزان، والانكى من هذا وذاك، انها اخذت تتعاون تعاوناً وثيقاً مع تركياوالعراق وايران في قمع اية حركة قومية كوردية تحررية، وقد أتت هذه السياسة اكلها، وظهر ذلك جلياً خلال المدة 1919-1945، تحت ذريعة ان الانتفاضات والثورات الكوردية سوف تخل باستقرار المنطقة وتعرض المصالح الدولية في منطقة الشرق الاوسط للخطر الى جانب تهديد الامن والسلم الدوليين(47).

ويشخص السياسي المعروف عزيز شريف (1909-1990) في معرض حديثه عن القضية الكوردية في العراق، بدقة تلك السياسات الاستعمارية الملتوية ازاء حقوق الكورد القومية قائلاً: (… أن ترابط اجزاء المسألة الكوردية يبدو في التدابير السياسية والبوليسية العسكرية المنسقة التي تقوم بها قوات الحكومات السائدة في العراق وايران وتركيا ومن فوقها ومن ورائها الاستعمار البريطاني- الامريكي لقمع اية انتفاضة كوردية تقع في اي من الدول الثلاثة واحدث مثال لهذه التدابير المنسقة هو التعاون العسكري بينها لسحق الحركة البارزانية عام 1945).(48)

لقد بات واضحاً، بعد تسويات الحرب العالمية الاولى، ان العامل الدولي او الخارجي والذي تمثل بدعم بريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفيتي للدول التي تقاسمت كوردستان كان له اثر كبير في اجهاض وقمع جميع الانتفاضات والحركات القومية الكوردية التحررية وللتدليل على ذلك سوف نستعرض بأختصار موقف تلك الدول من القضية الكوردية في عموم كوردستان، ودورها في الوقوف امام تحقيق تطلعات الكورد القومية.

موقف الاتحاد السوفيتي (السابق)

اتسم الموقف الروسي حتى بعد قيام ثورة اكتوبر 1917 بالسلبية ازاء الحقوق القومية للشعب الكوردي، فالدولة الجديدة وبحكم مبادئها، اقدمت على الغاء جميع المعاهدات والاتفاقيات السرية والعلنية التي كان قد عقدها النظام السابق مع حلفائه في الحرب، كما تنازل النظام الجديد عن الامتيازات التي كانت مقررة لها هو السيطرة على المضايق واستنبول ومناطق واسعة في كوردستان الشمالية.(49)

كان السوفيت حينذاك يعتقدون بأن الحركة الكمالية حركة تحررية تقدمية انطوت على شحنة كبيرة في عدائها للاستعمار والتقاليد الاقطاعية التركية القديمة.(50) وبحكم مبادئه ايضاً، اخذ النظام الجديد يدعم مصطفى كمال (أتاتورك فيما بعد) وتمرده على السلطان العثماني والحلفاء الذين كانوا يحتلون اجزاء مهمة من الاراضي التركية(51)، وتمثل ذلك بالمذكرة التي أرسلوها الى أتاتورك في 2 حزيران 1919 والتي جاء فيها: (ان الحكومة السوفيتية تؤيد بحرارة كفاح تركيا من اجل الاستقلال والسيادة وتكون حكومتنا ممتنة من ايجاد عرى الصداقة معكم).(52)

وفي اعقاب المذكرة التي ارسلها النظام الجديد في روسيا، تقرب أتاتورك من روسيا السوفيتية ووقع معها على اتفاقية (مجابهة القوى الامبريالية في صيف 1919 في مؤتمر الشعوب الشرقية في مدينة باكو، ترأسه وزير الخارجية السوفيتي زينونيف) وبدوره صرح لينين في ايلول 1919 ان القسطنطينية سوف تبقى بأيادي المسلمين.(53)

ودشن ذلك الموقف، بداية مرحلة جديدة شهدت تطوراً مطرداً للعلاقات بين أتاتورك والاتحاد السوفيتي،(54) حيث تم التوقيع على اتفاقيتين اخرتين جسدتا الاتفاقية بالتفصيل: الاولى وقعت في استنبول في 29 تشرين الثاني 1919 والثانية وقعت في ارضروم في 15 نيسان 1920.(55)

ونتيجة لتطور العلاقات، وقعت معاهدة الصداقة والتعاون بين الجانبين في موسكو في 16 اذار 1921، (56) واهم ما جاء في بنود المعاهدة:

أولاً: اعتراف السوفيت باستقلال تركيا في نطاق ميثاقها القومي.

ثانياً: تعهد الطرفين بعدم الاعتراف بأية شروط اجبارية مناقضة لاهدافهما ومواثيقهما تملى على أحدهما من قبل دولة اخرى(57).

ثالثاً: رسم الحدود النهائية بين البلدية وضمنت لتركيا الاراضي التي كان يطالب بها الارمن بما فيها قارص واردهان، فيما بقيت باطوم للسوفيت وتخلت تركيا عن المطالبة بها(58).

رابعاً: وضعت اساساً جديداً في العلاقات السوفيتية-التركية على المستويين السياسي والاقتصادي(59).

وهكذا يتضح بأن مضامين هذه الاتفاقية والمعاهدات هيأت ظروفاً اكثر مواتية امام الحركة الكمالية على مسرح الاحداث، كما انها شكلت الاسس التي ساعدت الحكومة الكمالية على انجاز(60) معاهدة قارص بتأريخ 13 تشرين الاول 1921 بين تركيا والجمهوريات السوفيتية(61) في ما وراء القفقاس وأدت معاهدة قارص الى استقرار الموقف بصورة نهائية على الحدود التركية-القفقاسية وبالمناسبة انها عرقلت بصورة كبيرة امكانية حبك الدسائس الامبريالية في المنطقة الكوردية والارمنية(62).

ومن جهة اخرى، وطبقاً لبنود معاهدة 13 تشرين الاول 1921، اطلق أتاتورك الحرية السياسية للحزب الشيوعي التركي(63)، بغية السيطرة على الفعاليات الشيوعية في تركيا وأرضاء للاتحاد السوفيتي، لذا امر اتاتورك وبصورة سرية بتأسيس الحزب الشيوعي التركي من قبل بعض اصدقائه المقربين(64).

ومما لا شك فيه ان (مصطفى كمال) اراد من تطوير وتوسيع علاقاته مع الاتحاد السوفيتي تحقيق ما يأتي :

اولاً: فك العزلة السياسية التي تحيط به من كل جانب، والتخلص من الحصار المفروض على تركيا من اتجاهاتها الاربعة.

ثانياً: السعي للحصول على مساعدات عسكرية من (سلاح وعتاد).

ثالثاً: الافادة من دولة عظمى ممثلة في حكومة موسكو بعد ان اعلنت نفسها دولة محايدة، تنحو الى مقارعة الاستعمار والاحتلال.

رابعاً: تأمين حدود بلاده الشمالية- الشرقية المتاخمة للاتحاد السوفيتي، واحداث علاقات حسنة معه وتأييده في احكام سيطرته على ارمينيا وجورجيا.

خامساً: استغلال التناحر الملحوظ بين الزعامة السوفيتية الجديدة ودول التحالف الغربي.(65)

سادساً: طلب المساعدات المادية(66) والمعنوية من السوفيت واعتبر أتاتورك هذه المساعدات مسألة ضرورية.

أما الاتحاد السوفيتي فانه بدوره اراد من تطوير وتوسيع علاقاته مع تركيا الكمالية وتزويدها بالمساعدات العسكرية والمادية، تحقيق ما يأتي:

اولاً: التقرب من الحركة الكمالية، لمد نفوذه نحو الجنوب لكسر عزلته وتحقيق مبادئه في محاربة الاستعمار.

ثانياً: تأمين بعض حدود السوفيت الجنوبية من جهة الاناضول.

ثالثاً: كسب صديق للدولة السوفيتية الجديدة.(67)

المهم في الامر كان الشعب الكوردي هو الخاسر الوحيد من التطورات التي حصلت في روسيا القيصرية سنة 1917، وما اعقبها من الوقائع فقد تنازل السوفيت عن حصتهم من اتفاقية سايكس بيكو، فكانت تشمل جزءاً كبيراً من كوردستان، ولم تكن الحركة القومية الكوردية التحررية حينذاك تؤهلها لا تنظيمياً ولا عسكرياً للسيطرة على ذلك الجزء الذي لم يعد من حصة احد، من جهة اخرى . أعادت فرنسا وايطاليا النظر كلياً في موقفيهما من معاهدة سيفر، وتمثل ذلك برفضها التصديق عليها كما اضطرت بريطانيا الى اتباع سياسة اللين تجاه تركيا،(68) وقررت الدول المذكورة في 2 كانون الثاني 1921 عقد مؤتمر خاص في لندن لاعادة النظر في بنود معاهدة سيفر المتعلقة بالكورد، وقد استوجب على دول الحلفاء الاعتراف بانه ليس بمقدورها ضمان حق تقرير مصير الكورد، لذا راحوا يبحثون عن مصالحهم الاقتصادية والسياسية في المنطقة، حيث أعلنوا: (انهم على استعداد فيما يخص كوردستان ليتدارسوا تعديل معاهدة في ضوء فهم مطابق لحقائق الوضع الراهن).(69)

وفي الوقت نفسه احتج الاتحاد السوفيتي على معاهدة سيفر(70)، فقد تضمنت المعاهدة التركية-السوفيتية في 16 اذار 1921(71) نصوصاً واضحة رافضة لمعاهدة سيفر، واشارة الى عدم الزام الحكومة السوفيتية بأية معاهدة سلام، او تسوية دولية تتعلق بتركيا لا تعترف بالحدود التي أقرها الميثاق الوطني،(72) او تفرض على تركيا بالقوة، وهذا يعني عدم اعتراف السوفيت وفي ذلك الوقت المبكر من ظهورهم وخلافاً للمبادئ التي كانوا يروجون لها، تعهدوا لأتاتورك بعدم تقديم اية مساعدات لأية حركة قومية كوردية من شأنها ان تعرض امن تركيا للخطر.(73)

مما سبق يتضح، بأن الدعم السوفيتي للدولة التركية الحديثة والصراع المحتدم حول المصالح بين دول الحلفاء أدت بالنتيجة الى ظهور دولة تركية حديثة وقوية على انقاض الدولة العثمانية المتخلفة التي هزمت في الحرب واستسلمت في سيفر، بينما رفضت الدولة الجديدة المعاهدة برمتها، ونتيجة لتلك المستجدات رضخت دول الحلفاء للمطالب التركية فدخلوا معها في مفاوضات على اسس جديدة وابدوا استعدادهم لتجاهل معاهدة سيفر واستبدالها بمعاهدة جديدة قائمة على التنكر الكامل لحقوق الكورد والارمن وعدم ذكرهما.(74)

الهوامش

44-الكورد في دائرة المعارف الاسلامية، ترجمة: حميد ريبوار (اربيل،1999)، ص42، 44

45-نقلاً عن بيار مصطفى سيف الدين، المصدر السابق، ص157.

46-مجيد جعفر، كوردستان تركيا دراسة اقتصادية اجتماعية سياسية في تحت التخلف الاستعماري، (بيروت،بلا)، ص284.

47-المصدر نفسه، ص290.

48-ينظر كتابه، المصدر السابق، ص29.

49-ابراهيم خليل واخرون، تركيا المعاصرة (الموصل،1988)،ص23

50-م.س لازاريف، المسألة الكوردية 1917-1923، ترجمة د. عبدي حاجي، ط1، بيروت 1991، ص42.

51-للتفاصيل ينظر: عبد الستار طاهر شريف، المصدر السابق،ص61.

52-احمد نوري النعيمي، تركيا وحلف الشمال الاطلسي، (عمان،1981) ص318.

53-وليد حمدي، المصدر السابق،ص26.

54-بيار مصطفى سيف الدين، المصدر السابق، ص34.

55-وليد حمدي، المصدر السابق، ص26.

56-مقتبس عن: محمد نور الدين (الكمالية والنزعة الكوردية في تركيا،شؤون الاوسط، مجلة، العدد (87) ايلول 1999،ص18.

57-محمد عزة دروزة، تركيا الحديثة، (بيروت 1946)، ص48.

58-محمد نور الدين، المصدر السابق، ص19.

59-ابراهيم خليل واخرون، المصدر السابق، ص34.

60-بيار مصطفى سيف الدين، المصدر السابق هامش، ص34.

61-منها: (جمهورية أرمينيا، وجورجيا، واذربيجان).(الباحث).

62-م. س لازاريف، المسألة الكوردية 1917-1923…،ص78.

63-اول حزب شيوعي تركي قد ظهر ولاول مرة في مدينة باكو بأذربيجان في 10 ايلول 1920. للمزيد ينظر: احمد نوري النعيمي، تركيا وحلف الشمال الاطلسي…، ص319.

64- للتفاصيل ينظر: احمد نوري النعيمي، ظاهرة التعدد الحزبي في تركيا 1945-1980، (بغداد،1989)، ص235.

65-صبحي ناظم توفيق، تركيا والتحالفات السياسية ميثاق سعد آباد..،ص29، 30.

66-وقد زودت الحكومة السوفيتية الحركة الكمالية باسلحة وذخائر الى جانب سبائك الذهب لاستخدامها ضد الغزاة اليونايين، ولكن هذه المساعدة كانت مفيدة لدرجة مساوية لمعالجة امر القوميين الكورد وخدمة في ضمان موقع الكماليين في جميع ارجاء تركيا، لذا فقد كانت فعالة في خلق الظروف التي ارغمت على اعادة التفاوض حول معاهدة سيفر والغاء المادة الخاصة بالاستقلال الكوردي التي كانت متضمنة في الاتفاقية الاصلية. للمزيد من التفاصيل ينظر: ويلسون ناثانيل هاول، الكورد والاتحاد السوفيتي، ترجمة ضياء الدين المرعب، مراجعة د. فؤاد حمه خورشيد، فائزة رشيد جمعة، بغداد، 2006، ص285. 67-صبحي ناظم توفيق، تركيا والتحالفات السياسية ميثاق سعد آباد، ص94، 95.

68-بيار مصطفى سيف الدين، المصدر السابق، ص42.

69-كمال مظهر، المصدر السابق، كوردستان في سنوات الحرب العالمية الاولى..، ص351.

70-للمزيد حول الاعتراضات السوفيتية على معاهدة سيفر يظهر نص المذكرة السوفيتية الموجهة الى مؤتمر لوزان في 30 كانون الاول 1922، ينظر: ويلسون ناثانيل هاول، المصدر السابق، ص298، 299

71-ان المعاهدة التركية السوفيتية في اذار 1921 قامت الحدود للسياسة السوفيتية الرسمية تجاه الكورد لمعظم فترة ما بين الحربين العالميتين للتفاصيل ينظر، ويلسون ناثانيل هاول، المصدر نفسه، ص 287، 288

72-انبثاق الميثاق الوطني التركي عن مقررات مؤتمر الاناضول في مدينة آرضروم لعام 1919 وافق مجلس النواب على الميثاق الوطني في كانون الثاني 1920، وجاء في احدى موادها (اعتبار كل الاراضي التي يتواجد فيها كورد الدولة العثمانية اراضي تركيا يجب تحريرها للتفاصيل ينظر: فاضل حسين، محاضرات عن مؤتمر لوزان وآثاره في البلاد العربية ط2 (بغداد،1967)، ص12، محمد نور الدين، المصدر السابق، ص18.

73- فؤاد حمه خورشيد، المصدر السابق، ص74، 75

74-شورش حسن عمر، المصدر السابق، ص 40، 41

الأربعاء 13-02-2013

AL TAAKHI