الرئيسية » دراسات » العـامــل الخـارجـي ودوره فـي اخـمــاد الانتـفاضــات الـكــورديـــة -1-

العـامــل الخـارجـي ودوره فـي اخـمــاد الانتـفاضــات الـكــورديـــة -1-

المقدمة

تعد الفترة التاريخية خلال الحربين العالميتين (1914ـ1945)، فترة مهمة في تاريخ الشعب الكوردي الحديث وقضيته المركزية فقد شهدت تلك الحقبة تطورات مهمة في حياة الشعب الكوردي، لاسيما تقسيم وطنه كوردستان بموجب بنود معاهدة لوزان في تموز 1923، بين ايران والعراق وتركيا وسوريا والاتحاد السوفيتي. وبالمقابل قام الشعب الكوردي بسلسلة من الانتفاضات والثورات المسلحة في جميع اجزاء كوردستان خلال تلك الفترة، ورداً على تراجع دول الحلفاء عن التزاماتها تجاه الشعب الكوردي الذي تمثل بمعاهدة سيفر في اب 1920 بضرورة تشكيل دولة كوردية مستقلة، فقد اخذ نضاله يأخذ شكل حركات وطنية تحررية ترمي الى التحرر الكامل من السيطرة التركية والعربية والفارسية. الا ان تلك الانتفاضات والثورات لم يكتب لها النجاح في النهاية بالرغم من احرازها الانتصارات في المراحل الاولية والحاق المزيد من الهزائم بالمغتصبين، خاصة ومنها قمعت بدعم واسناد مباشر من قبل الدول الكبرى، ولم تكتف هذه الدول الكبرى بالتدخل العسكري المباشر لصالح هذه الدول فقط، بل اخذت على عاتقها مهمة حماية هذه الحدود المصطنعة لايران وتركيا والعراق وسوريا. وفي السياق ذاته، ادت انتفاضات بارزان بين (1931ـ1945) وتأثيراتها وتداعياتها الى ايجاد نوع من التعاون الاقليمي والدولي وبالاخص التعاون العراقي البريطاني التركي لاخماد انتفاضات بارزان، علماً بان الحكومة العراقية قد استفادت من الموقف الدولي والاقليمي الى حد كبير في السيطرة على مطالب الكورد. ومن المعلوم ان انتفاضات بارزان التي قامت في كوردستان الجنوبية وبلغت ذروتها بين (1943ـ1945)، ولم تتمكن الحكومة العراقية بوحدها قمع تلك الانتفاضات، الا بعد التدخل البريطاني لصالحها، ومنذ ذلك الوقت نشأت المسألة الكوردية كعامل من العوامل الهامة في العلاقات الدولية في العراق والشرق الاوسط على حد سواء، واصبح اهتمام الدول الكبرى بمصالحها السياسية والاقتصادية وعلاقاتها مع العراق وايران وتركيا وسوريا هو اكثر بكثير من الاهتمام بالكورد وقضيته العادلة. لقد كتب الكثير من البحوث والدراسات والمقالات عن الانتفاضات والثورات الكوردية خلال فترة ما بين الحربين العالميتين من قبل المؤرخين والمؤلفين والباحثين، لكنهم لم يشيروا بمزيد من التفصيل الى الموقف الدولي (السياسي والعسكري) من تلك الانتفاضات والثورات وفي حالات كهذه تختفي بعض الحقائق التاريخية العلمية، لانها دراسات احادية الجانب، غالباً ما عبرت عن وجهة نظر حكومية ضعيفة. وهذا السبب في الواقع دفعني الى اختيار موضوع (العامل الخارجي ودوره في اخماد الانتفاضات الكوردية ودور بريطانيا في اخماد انتفاضتي بارزان الاولى والثانية 1931ـ1945 نموذجاً)، موضوعاً لرسالتي، لانه كتب القليل عن هذا الموضوع، لذا حان الوقت لدراسة هذا الموضوع دراسة منظمة وشاملة في جميع النواحي وبالاخص الموقف السياسي والعسكري لبريطانيا. تتألف الرسالة من مقدمة واربعة فصول وملحق وخلاصة، تناول الفصل الاول، وهو فصل تمهيدي موضوع العامل الدولي (الخارجي) ودوره في اخماد الانتفاضات الكوردية منذ عام 1919ـ حتى عام1945، وان هذا الفصل يلقي ضوءاً على الموقف الدولي والاقلميمي من الانتفاضات والثورات الكوردية في جميع اجزاء كوردستان. اما الفصل الثاني فقد كرس لدراسة بارزان والحركة القومية الكوردية 1908ـ1931، وان هذا الفصل يلقي الضوء على جغرافية بارزان واهم العشائر واسرة شيوخ بارزان ودورهم في تكوين المشيخة وعلاقة الاسرة بالحركة القومية الكوردية في العهد العثماني حتى سنة 1918 وفي ظل الاحتلال البريطاني. وتطرق الفصل الثالث الى انتفاضة بارزان الاولى 1931 ـ 1932 ومبررات اندلاع الانتفاضة واتساع رقعتها، ثم الموقف البريطاني والموقف التركي منها، الى جانب القاء الضوء على انتفاضة خليل خوشوي وتوضيح الموقف البريطاني والتركي منها، مع القاء الضوء على الاهداف القومية لتلك الانتفاضة. اما الفصل الرابع فقد خصص لدراسة انتفاضة بارزان 1943 ـ 1945 وما رافقها من احداث وتطورات على الحركة القومية الكوردية خلال الحرب العالمية الثانية، وتم فيه الاشارة الى عودة البارزاني الى بارزان والبدء بانتفاضة جديدة، والتي شاركت فيها قطاعات واسعة من الشعب الكوردي واحزابه منها (حزب هيوا وشورش ورز كاري)، الى جانب توضيح الموقف البريطاني والاقليمي منها، ثم التطرق الى مفاوضات شباط عام 1944، والى استئناف الانتفاضة من جديد في آب 1945 مع التطرق الى دور البريطانيين في دعم الحكومة العراقية مادياً ومعنوياً من اجل القضاء على تلك الانتفاضة.

الفصل الاول

العامل الدولي ودوره في اخماد الانتفاضات الكوردية

مبررات الانتفاضات الكوردية

اصبحت كوردستان خلال الحرب العالمية الاولى 1914ـ1918 محل اطماع الدول الكبرى (بريطانيا ـ فرنسا ـ روسيا ـ المانيا) بسبب موقعها الستراتيجي التي تحتله، ثم وفرة خيراتها والنفط الغزير (1)، كانت الدول الاستعمارية تبذل مساعيها وجهودها لجر الكورد واستثمار الحركة التحررية الكوردية الى جانبها، وقد قطعت كل واحدة منها على نفسها وعوداً ووضعت خططاً محددة واعطت مواثيق لحل المشكلة الكوردية بامل تحقيق مصالحها على حساب الشعب الكوردي (2). وعندما تنبأت دول الحلفاء بهزيمة المانيا في الحرب العالمية الاولى، عقدت معاهدة سرية في 16 ايار 1916 في القاهرة حول الترتيبات المقبلة في منطقة الشرق الاوسط وقد سميت هذه المعاهدة بـ (معاهدة سايكس بيكو) نسبة الى مارك سايكس البريطاني (3) وجورج بيكو (4) الفرنسي الى جانب مشاركة روسيا بشخص وزير خارجيتها (سازانوف) (5) وقسمت الدولة العثمانية بموجبها الى مناطق نفوذ لكل من بريطانيا وفرنسا وروسيا (6). لقد جرى تقسيم كوردستان بموجب تلك المعاهدة الى قطاعات ثلاثة، وخصوصاً ماتضمنته حصة روسيا الامبراطورية ارجاء واسعة من كوردستان الشمالية والوسطى وكذلك ماتضمنته حصة فرنسا من كوردستان وبالاخص غربي كوردستان وارجاء واسعة من ولاية الموصل التي كانت البلاد الكوردية تشكل اكثريتها الساحقة، اما القطاع الاخر من البلاد الكوردية (كوردستان) جنوب كركوك والى شمال بعقوبة وحتى خانقين ومدن اخرى فكان من حصة بريطانيا (7)، وهنا يتبين بجلاء ان تلك المعاهدة السرية كرست لتقسيم كوردستان (العثمانية) بين الاطراف الموقعة عيلها (8). وعلى اثر اندحار الدولة العثمانية واستسلامها دون قيد او شرط طبقاً لبنود هدنة مودروس في 30 تشرين الاول 1918، (9) فقد قلصت بنود الهدنة، مساحة الدولة العثمانية جغرافياً من (613,500) ميل مربع الى (175,000) ميل، وانخفض عدد سكانها من (20) مليون نسمة الى (8) ملايين نسمة، كما ان المجموع الكلي للجيش العثماني اصبح لايتجاوز (50000) جندي فقط،(10) وقد اشاع الحلفاء في ذلك الوقت بانهم جاءوا ليحرروا القوميات من الدولة العثمانية وانهم سيطبقون مبدأ حق تقرير المصير للمظلومين من الكورد والعرب والاشوريين (11) وكثر الكلام اثناء الحرب وبعده عن تحرير الكورد من خلال اقامة دولة كوردية مستقلة وقد اكد ذلك الكلام تصريح بريطاني في 18 تشرين الاول 1918 عندما اعلن لويد جورج (12) في مجلس العموم البريطاني بأن : ((الكورد الذين عانوا من النير التركي لهم حقوق في حدود قومية ـ كما اعطيت لهم ضمانات امام نفس المجلس بانهم لن يرغموا على الخضوع لاية حكومة عربية)) (13)، وقد فهم الكورد من الحلفاء وبواسطة ممثليهم في استنبول بانهم سيقررون نمط حكومتهم المقبلة كما انهم سيحصلون على استقلالهم ايضاً، وهكذا تهيأت بعد تفكك الدولة العثمانية امام الكورد فرصة تاريخية سانحة لتحقيق طموحهم في كيان سياسي مستقل (14). لقد برز نشاط الكورد السياسي في ظل وعود الحلفاء عن طريق تشكيل جمعيات سياسية جديدة وفتح فروع لها في مختلف المناطق الكوردية ومطالبتها علانية باستقلال كوردستان ومن هذه الجمعيات جمعية تعالي كوردستان (15) وجمعية استقلال الكورد التي تمكنت من ايصال صوت الشعب الكوردي الى المحافل الدولية خاصة الى مؤتمر السلام (16) في باريس سنة 1919. الذي عقد من اجل احلال السلام وتقرير مصير ممتلكات الدولة العثمانية وبما ان اكثر المناطق الكوردية كانت خاضعة لتلك الدولة، فقد حظيت القضية الكوردية باهتمامات المؤتمرين (17) جنباً الى جنب مع مسائل الشعوب والبلدان الاخرى (18).

المصادر

(1)مثنى امين قادر، قضايا القوميات واثرها على العلاقات الدولية، القضية الكوردية نموذجاً،ط1، منشورات مركز كوردستان للدراسات الاستراتيجية (السليمانية، 2003) ص91.

(2)اتحاد طلبة كوردستان، لمحات من تاريخ الحزب الديمقراطي الكوردستاني، دار التآخي (بغداد، 1973)، ص8.

(3)مارك سايكس (1879ـ1919) سياسي وضابط بريطاني تولى مناصب عديدة من بينها ملحق فخري في السفارة البريطانية في استنبول (1905ـ1906) وضابط في هيئة الاركان العامة (1915ـ1916) كما حضر مؤتمر الصلح في باريس سنة 1919، وقام بأكثر من رحلة الى المناطق الكوردية للمزيد من التفاصيل ينظر : محمد داخل كريم السعدي، المصالح الاجنبية في الموصل (1834ـ1914)، رسالة ماجستير كلية الاداب، جامعة الموصل، 1999، هامش، ص31.

(4)فرانسوا جورج بيكو : ذلك الدبلوماسي الحاذق في اتفاقية سايكس بيكو عام 1916، وله خبرة طويلة في شؤون المستعمرات، للمزيد من التفاصيل : ينظر : جرجيس فتح الله يقظة الكورد تاريخ سياسي 1900ـ1925،ط1 (دار ئاراس للطباعة والنشر)، اربيل، 2002. ص104.

(5)س. د. سازانوف، وزير خارجية روسيا القيصرية (1911ـ1916)، شارك في اتفاقية سايكس بيكو، وكان من دعاة استمالة الكورد الى جانب روسيا وفي 27 تشرين الثاني عام 1912 توجه سازانوف بخطاب دوري الى السفير الروسي في استنبول والى نواب القناصل في وان واورمية وبايزيد ومهاباد وكتب يقول : ((ان من المرغوب فيه اللحظة الحاضرة لتوطيد نفوذنا بين الكورد ودعا الى العلاقة الوثيقة بين المسألتين الكوردية والارمنية، بعد ثورة اكتوبر 1917 غادر روسيا الى المهجر)) للتفاصيل ينظر : م. س. لازاريف، المسألة الكوردية (1891 ـ 1917) ترجمة : اكبر احمد مركز كوردستان للدراسات الاستراتيجية، ط1، (السليمانية، 2001)، ص 321، 181.

(6)عبدالرحمن قاسملو، كوردستان والكورد، دراسة سياسية واقتصادية، الطبعة الاولى (بيروت، 1970)، ص 53.

(7)للمزيد من التفاصيل ينظر : احمد عثمان ابو بكر، سايكس بيكو سازانوف وسيفر وعلاقتهما بالقضية الكوردية، كولان العربي، مجلة، اربيل العدد 36، ايار 1999، ص53، 54.

(8)فؤاد حمه خورشيد، القضية الكوردية في المؤتمرات الدولية، الطبعة الاولى، (اربيل، 2001)، ص 16.

(9)عبدالفتاح علي يحيى البوتاني، وثائق عن الحركة القومية الكوردية التحررية، ملاحظات تاريخية ودراسات اولية، الطبعة الاولى (اربيل، 2001)، ص13. (10)قاسم خلف عاصي الجميلي، تطورات واتجاهات السياسة الداخلية التركية 1923ـ1928، رسالة ماجستير، كلية الاداب، جامعة بغداد، 1985، ص 17.

(11)مثنى امين قادر، المصدر السابق، ص 92.

(12)لويد جورج (1864ـ1945)، سياسي بريطاني اشتهر بالبلاغة الخطابية والجاذبية الشخصية ظل نائباً في مجلس العموم البريطاني لمدة (54) سنة متواصلة اصبح وزيراً للتجارة عام 1916، ورئيساً للوزراء في العام نفسه وحتى تحقيق جميع اطماع بريطانيا في مؤتمر فرساي وغيرها من المؤتمرات التي كانت لبريطانيا الصوت الاعظم فيها. للمزيد ينظر : صبحي ناظم توفيق، المعاهدة البريطانية ـ الفرنسية ـ التركية ـ الحلف البلقاني في وثائق الممثليات الدبلوماسية العراقية المعتمدة لدى تركيا (1936ـ1957) ط1، (بغداد، 2002). ص29.

(13)بيار مصطفى سيف الدين، السياسة البريطانية تجاه تركيا واثرها في كوردستان (1923ـ1926)،ط1 (اربيل، 2004) ص60.

(14)المصدر نفسه، ص61.

(15)تأسست جمعية تعالي كوردستان في استنبول عام 1908 على يد مجموعة من الكورد منهم امين عالي بدرخان والجنرال شريف باشا وعبدالقادر النهري الذي اعدمه الكماليون في ديار بكر والداماد ذو الكفل باشا وغيرهم، كان هدف الجمعية هو تحرير كوردستان من الاحتلال العثماني وتشكيل دولة كوردية مستقلة. للمزيد ينظر : عبدالستار طاهر شريف، الجمعيات والمنظمات والاحزاب الكوردية في نصف القرن (1908 ـ 1958) ط1، (بغداد، 1989)، ص19، 20.

(16)دامت اجتماعات مؤتمر السلام نحو ستة اشهر، وتكونت من اجله خمسون لجنة لمناقشة المسائل الاولية المطروحة، واجتمعت هذه اللجان (1600) اجتماع، وحضر تلك الاجتماعات ممثلو كل الدول المدعوة، الا ان اتخاذ القرارات فيه كانت محصورة في الخمسة الكبار (بريطانيا ـ فرنسا ـ امريكا ـ ايطاليا ـ يابان). للمزيد ينظر : فؤاد حمه خورشيد، المصدر السابق، ص55.

(17)عبدالفتاح علي يحيى البوتاني، وثائق عن الحركة القومية التحررية الكوردية، ملاحظات…، ص13، 14.

(18)احمد عثمان ابو بكر، كوردستان في عهد السلام بعد الحرب العالمية الاولى، ط1 (اربيل، 2002)، ص12.

الأربعاء 30-01-2013

AL TAAKHI