الرئيسية » مقالات » الإرهاب وثقافة أمن المعلومات في العراق

الإرهاب وثقافة أمن المعلومات في العراق

درجت العادة عند الحديث عن الإرهاب إقتصار الصورة في أذهان الآخرين على أولئك الذين يحصدون أرواح الأبرياء بالأحزمة الناسفة والسيارات المفخخة دون الإلتفات الى أن ذلك هو المنتج النهائي لصناعة الإرهاب المرتبطة بالرغبة السلفية العميقة وإرادة البعث الصدامية الرامية لإسقاط النظام الديمقراطي في العراق والعودة بعجلة الزمن الى الوراء. ولاشك أن لهذه الصناعة شروط وظروف خاصة يتطلب توفرها لإستمرار عملية إنتاج العنف والإرهاب.. ومنها إمكانية الوصول الى المعلومات المطلوبة إضافة الى وجود وسائل إعلام تقوم بتهيئة الأرضية والبيئة المناسبة لإحتضان العنف.

مما ينبغي أن تكون عليه وسائل الإجهزة الأمنية والإستخبارية هو حالة من التفوق والسرعة في إغلاق الثغرات وتحصين المعلومات المهمة لقطع الطرق على المجاميع الإرهابية، خاصة وأن الجيل الثالث من القاعدة الموجود في العراق اليوم والمتحالف مع البعث الصدامي قد إستطاع تطوير أساليب الخداع والإختراق والتنفيذ بشكل يصعب السيطرة عليه عند التعامل معه بالطرق الكلاسيكية الموروثة والخطط الأمنية المكررة. وأن العراق اليوم يفتقر الى ستراتيجية وطنية للحد من تفشي المعلومات وسن قوانين تحد من إساءة إستخدام المعلومات الوطنية، خاصة وأن القوانين الحالية في هذا المجال مترهلة الى الدرجة التي تسمح لمكتب النائب البرلماني أو أي مسؤول في الدولة بمفاتحة أي جهة رسمية للحصول على المعلومة التي يريدها، دون وجود (جهة أمنية مركزية) وسيطة تشرف على غربلة المعلومات وحجب المتعلق منها بالأمن الوطني ومراقبة عملية إنتهاك وإساءة استخدام المعلومات وتسرب الوثائق الذي يجري اليوم على قدم وساق. بل وتساهم هذه (الجهة المركزية) في إشاعة ثقافة أمن المعلومات بين المسؤولين أنفسهم، خاصة وأن معظم المسؤولين في العراق اليوم لايتمتعون بأدنى مستوى من هذه الثقافة الأمنية، إن لم يكن البعض منهم قاصداُ مع سبق الإصرار والترصد لتسريب تلك المعلومات لأطراف محلية ودولية أو لوسائل الإعلام .. ومن جملة ما نستشهد به قول رئيس الوزراء يوم أمس ” ان هناك مسؤولين يرفعون توصيات ٍ ويُرسلون كتبا إلى الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة والدول العربية لحثها على عدم توقيع اتفاقيات تعاون مع العراق” رغم أنهم جالسون على كراسي المسؤولية يدعون فيها تمثيل الشعب العراقي والدفاع عن مصالحه الحيوية. ولا ريب أن المسؤول الذي يدعو للطائفية ويرسل التوصيات للدول والمنظمات الأجنية لن يتردد في تسريب ماتحتاج له المجاميع الإرهابية من معلومات تخص حركة المسؤولين وأنشطة الأجهزة الأمنية.

تؤدي وللأسف بعض وسائل الإعلام العراقية أدوارا من خلال إستدراج بعض النواب العراقيين والمسؤولين من ذوي الثقافة الأمنية المحدودة أو المتعاطفين أصلا مع النهج الطائفي وإشاعة العنف، أو إستضافتهم للبوح بمعلومات وتسريب وثائق تخص أمن الدولة العراقية و تخصيص برامج أشبه بساحات القضاء تطلق منها الأحكام جزافا على أداء الحكومة العراقية، والتركيز أيضا على تناول الجوانب السلبية وإهمال المنجز المتحقق.. وكما هو معلوم لذوي الإختصاص بأن الخطوة الأولى والمهمة في محاربة الإرهاب هو بلورة رأي شعبي مضاد لمحاصرة الإرهاب ألا أن ماتقوم به هذه الفضائيات هو العكس تماما، حيث نرى الإصرار الكبير لتجييش الشارع العراقي ضد الحكومة العراقية وطرح المواضيع المسيئة لمجمل العملية السياسية دون الإلتفات لحساسية المرحلة وبشكل يؤدي الى توسيع الفجوة بين المواطن العراقي والنظام السياسي بشكل عام.

في الحقيقة يمكن القول بأن هناك تهديدا خطيرا يواجه المعلومات والوثائق ذات العلاقة المباشرة بالأمن الوطني العراقي، ومن جانب آخر التصريحات الطائفية التي يطلقها البعض عبر وسائل الإعلام وهي الأخرى تشكل تهديدا أخطر تسهم بعض الفضائيات المحسوبة على العراق بالترويج لكلا التهديدين.. ولايمكن التصديق بأن ذلك محاولة منهم لتقويم الأداء الحكومي كما يدّعون، بل وكما هو واضح دعما غير مباشر للإرهاب يتطلّب تفعيل القوانين التي تحد من ذلك وسن قوانين جديدة تهدف لمساءلة أي فعل أو قول يستهدف تقويض أركان النظام السياسي في العراق الجديــد.