الرئيسية » مقالات » تنحوا واجلسوا عنها بعيداً

تنحوا واجلسوا عنها بعيداً

في الوقت الذي ساند فيه جمع من المثقفين والناشطين في ميدان حقوق الإنسان وكذلك المرجعية الشيعية مطالب تظاهرات أهل الغربية، أو السنة، نسمع للأسف صيحات على منصات الخطابة هناك، تريدهم أن يقفوا منها موقفاً مضاداً، الراد الله والما راد. هذا ما شعرت به وأنا أتابع بعضاً من خطب رجال الدين والساسة في الجمعة الأخيرة، الذين بدوا لي وكأنهم يريدون تضييع حقوق المتظاهرين بدوافع طائفية ممزوجة بعدوانية صارخة. وقفنا مع المتظاهرين لأنهم مسهم الظلم والحيف، وفرحنا باعتمادهم الأساليب السلمية والمتحضرة وثباتهم وإصرارهم على نيل حقوقهم، برغم البرد والمطر وغطرسة الحكومة وبلادتها.
لكن، كيف لنا أن نقف معهم ونحن نسمع العلواني يهدد بقادسية ثالثة و”يجعر”: “نقول لإخوتنا في الأهواز إننا قادمون .. وليسمع أحفاد زرادشت، أننا قادمون”. يسميها “الأهواز” وليس “الأحواز”. يستخدم اللفظ الفارسي وليس العربي ويريد أن يزحف لتحريرها! سياسي جاهل يهجم على الفيلسوف زرادشت. لم يبق، حتى تكمل السبحة، غير أن يهدد بالزحف على ألمانيا ليقاتل أحفاد نيتشه الذي يرى زرادشت رسولاً للفضائل الإنسانية.
كيف سنرى ما يحدث في الأنبار ربيعاً، وعلى منصة التظاهرات يرتفع صوت الشيخ عبد المنعم البدراني، القادم من زمن “الملل والنحل”، ليحوّل مطالب المتظاهرين المحلية الى “كونية”. صار يهدد بتأديب من سماهم “الخارجين عن القانون في البحرين” في إشارة منه لطائفة تظاهرت مطالبة بحقوقها، مثلما تفعل طائفته. حقوق أقرتها المنظمة العالمية لحقوق الإنسان من خلال تحريات ميدانية اعترفت بها حكومة البحرين. فما الذي تريده يا شيخ؟ أ تريد القول بأنه يجوز للسني ما لا يجوز لغيره؟ ثم يرمي بهمّ مصر على أكتاف المتظاهرين العراقيين ليتركوا حال سجيناتهم وسجنائهم الأبرياء وينسوا تهميشهم ويزحفوا صوب مصر لتحريرها من الفاطميين! ويطلق العنان لخياله “الكوني” ليجعل المتظاهرين سيوفا بيد شيوخ وملوك دول الخليج العربي لينتقموا بها من شعوبهم!
وفي سامراء يتباكى الشيخ محمد السامرائي على العلم العراقي القديم ويصفه بأنه “نبراس العالم وكان وما زال رمز العراق وهزيمة إيران”! عن أي علم يتحدث هذا الرجل؟ هل شاهدتم ذلك العلم مرفوعاً على بيوت أهل الصين واليابان والهند ومشارف اليونان؟ هل هو جلجامش أو حمورابي أو الجواهري ونحن لا ندري؟ لقد كنت ألمس في الشيخ السامرائي صوتاً معتدلاً، أو هكذا ظننت، لكن المعتدل هو من يضع الإنسان لا الرايات قبل كل اعتبار. متى صار العلم الذي هو مجرد نقش على خرقة أعلى قيمة من إنسان مظلوم يتظاهر أمام المنصة التي أنت واقف عليها يا شيخ؟ وأية هزيمة لإيران هذه التي تتغنى بها؟ أنسيت أننا خسرنا في قادسية صدام غير المقدسة مليوناً على الأقل من خيرة شبابنا وضيعنا فيها أجمل ما بنيناه؟
إنها ليست هزيمة لإيران بل حرب طائشة أشعل نارها صدام بحجة استعادة شط العرب الذي وقّع بيده تنازلاً عنه لشاه إيران وفق معاهدة الجزائر، ثم ما أن تخيل أنه أحتل الكويت، حتى عاد وتنازل لإيران عنه مجدداً وكأن شيئا لم يكن.
أيها المتظاهرون، لم يبق لنا أمل غير أن تُنحّوا أصحاب تلك الأصوات النشاز وتجلسونهم بعيدا عن منصتكم لتثبتوا أنهم لا يمثلونكم. وإلاّ فاسمحوا لنا أن نتنحّى عن تأييدكم. فمن يرى نفسه قادراً على شن حرب لاسترداد حقوق شعوب خارج حدود بلده، ويدعي أنه مظلوم داخلها، من حقنا أن نشك بدعواه.
المدى