الرئيسية » مقالات » ألشّهيد ألصّدر؛ فقيه ألفقهاء و فيلسوف ألفلاسفة – ألحلقة ألعاشرة

ألشّهيد ألصّدر؛ فقيه ألفقهاء و فيلسوف ألفلاسفة – ألحلقة ألعاشرة

ألفقيه ألفيلسوف و آلثّقل ألأكبر(ألقرآن):

لم يَكُنْ تعامل ألأمام ألفيلسوف ألفقيه محمد باقر ألصّدر مع آلقرآن كتعاملِ ألفقهاء ألآخرين, فَمِنَ ألمعلوم أنّ مراجع ألدِّين كانوا يتعاملون جزئياً مع آلقرآن لأستنباط بعض ألأحكام ألشّرعيّة ألعباديّة ألشّخصيّة؛ بينما كتاب الله هو آلثقل ألأكبر و حبل الله ألممدود من آلسّماء إلى آلأرض و يضمُّ جميع ألأنظمة ألسّياسيّة و آلتّربويّة و ألأجتماعيّة و آلنّفسيّة و آلعلميّة و آلتأريخيّة و آلّتي تضمن في حال تطبيقها سعادة ألبّشرية جميعاً!

و مع هذا فأنّ افضل فقهاؤنا لم يُدْركوا من آلقرآن سوى ظواهر آيات ألأحكام ألـ (500) لعدم معرفتهم – أيّ ألفقهاء ألتّقليديون – بفلسفة ألأحكام ألفقهيّة ألمستنبطة من تلك الآيات و أسرارها و هي ألأهمّ(1) و لو أدرك بعضهم ذلك فأنّها في نهاية ألمطاف لا تتعدى ألأحكام ألشّخصية كما أشرنا, أمّا ما عدا ذلك من آلآيات ألعظيمة ألتي ترتبط بصميم ألحياة و آلكون فتكاد لا تعني شيئاً للفقهاء ألتّقليديين و كأنها لا ترتبط بآلأسلام و بآلغيب!

و آلحال أنّ كتاب الله تعالى كلّه هُدىً للمتقين(2) و تتضمّن آياتهُ مجتمعةً أسّ ألأساسات ألأسلاميّة و آلثّقل ألأكبر بجانب ألسُّنة ألنبوية – ألعلويّة ألتي تعدُّ بمجملها ألثّقل ألأصغر(3).

و لعدم إلمام أكثر ألفقهاء ألتّقليديون بحقيقة ألقرآن و أسراره(4)؛ نراهم عجزوا عن فهم ألأحداث و آلوقائع و هضمها و بآلتّالي ألتّأثير فيها إسلاميّاً كـ(حوادث واقعة) بإتجاه تحكيم شرع الله في آلأرض بحسب وصية ألأمام ألثّاني عشر عليه آلسّلام.

لكن آلأمام ألشّهيد(قدس) و قبله ألأمام ألخميني(قدس) و طلابهم و معهم جميع مفكريّ ألعالم ألشّرفاء .. قد أدركوا أهميّة ذلك آلكتاب ألعظيم و أبعادهُ ألحياتيّة و آلكونية بكونهِ ألثّقل ألأكبر في آلرّسالة ألأسلاميّة, فآلشّيعة –علماء ألشّيعة بآلخصوص – كان يُفترض بهم أن يكونوا قدوة آلمسلمين و مناراً لهم بسبب قربهم من بيت ألوحي و أسرار ألرّسالة عن طريق أهل ألبيت(ع) ألذين جَعَلَهُمُ الله معياراً للأستقامة و آلفلاح في آلدّارين؛ لكنّنا رأينا تشرذماً واضحاً في مسيرتهم .. إلّا أنّهم في كلّ ألأحوال لم تكن سيرتهم أسوء من سيرة و تشرذم بقية ألمذاهب ألأسلاميّة ألتي إنحرفت إلى حدٍّ بعيد .. لأفتقارهم إلى حبل ألولاية ألّتي تربطهم بآلسّماء بشكلٍ حيويّ كما هو آلحال مع آلشّيعة عن طريق وليّ ألفقيه ألذي ينوب عن ألأئمة ألأثني عشر(ع)(5).

لقد رأيْنا عبر آلقرون ألماضية تمسّك ألشّيعة ألظّاهريّ بآلثّقل ألأصغر أكثر من آلثّقل ألأكبر حتّى درجة ألغلوّ للأسف ألشّديد ممّا أضاعَ عليهم فرصة ألتعرف على حقيقة ألأسلام و مبادئه آلسّماوية ألسّمحاء(6).

يُضاف لما أسلفنا أنّ تعاملهم مع آلقرآن كان تجزيئياً و لم يكنْ موضوعيّاً شاملاً و على أساس ألتّوحيد ألحقيقي و آلولاية ألحقيقيّة, ممّا أفقدهم حسن آلفهم و آلوعي و آلأرتباط بولاية الله تعالى و بآلتالي ألتأثير إيجابيّاً على آلمجتمع ألذي لعبتْ به ألأجواء ألضّالة و آلأحزاب ألوضعيّة كيفما تشاء لتجرفه صوب المآرب و آلغايات و بآلتالي ألمآسي ألّتي مهّد لها آلأستكبار ألعالمي طبقاً لأرادة ألمنظمة ألأقتصاديّة ألعالميّة.

هذا .. بلْ أنّ آلحوزة ألعلميّة ألتقليديّة و على مدى آلقرون ألماضية كانتْ تَعتَبر ألّذي يُفسّرِ ألقرآن – بغضّ ألنّظر فيما لو كان تجزيئيّاً أو موضوعيّاً – هو بمثابة ألخاسر ألّذي نسى أو أهمل نصيبهُ من ملذّات آلدّنيا, و كما تجلّى ذلك في موقف ألسّيد ألخوئي رحمه الله من آلسّيد محمد حُسين ألطّباطبائي صاحب تفسير ألميزان ألمشهور للأسف ألشّديد(7).

فآلحكم ألقرآنيّ في نظر ألأمام ألصّدر(قدس) لا بُدّ و أن يرتبط بعلّة غائيّة,و هذا هو محور فلسفتهِ (قدس) في آلتّعامل مع آلأحكام ألأسلاميّة ألمستنبطة من آلقرآن و آلسّنة بإعتبارهما ألثقل ألأكبر و ألأصغر كميزان متعادل لمعرفة ألحقّ و آلباطل,تلك آلفلسفة ألّتي فتحتْ أمامه آفاقاً جديدة في آلفكر فجعلهُ إستثنائياً من بين جميع فلاسفة و فقهاء ألعصر, خصوصاً و أنّه طبّق ذلك عملياً عبر تعاملهِ على آلمستوى ألشّخصي و عبر آلمستوى الأجتماعيّ و آلسّياسيّ و آلأقتصاديّ و آلعلميّ ألذي إعتمده في نهجه ألفكريّ – آلثّوريّ ألجّديد؛ أيّ كان نموذجاً في آلسّيرة و آلمسيرة!

من آلدّروس ألمُهمة ألأخرى ألّتي توصّل إليها ألشّهيد ألفيلسوف؛ هو دور حركة ألأنسان في آلتّأريخ حيث يقول:

[ألمحتوى ألدّاخلي للأنسان هو آلأساس لحركة ألتّغيير] و هي نفس مقولة ألفلاسفة ألسّابقين, إلّا أنّه أشار و حدّد آلدّاخل ألأنسانيّ بـ (ألنفس) إعتماداً على آلآيات ألقرآنيّة و آلأحاديث ألشّريفة بهذا آلصّدد(8).

خلاصة ألكلام؛ إنّه أكّد على وجوب ألتّعرف على آلقرآن من خلال ألتّفسير ألموضوعيّ كمنهج للحياة و آلحكم مُعتبراً ألتفسير ألتّجزيئي(9) مجرّد مُقدّمات للتفسير ألموضوعيّ مع وجود أصل ألولاية و آلتوحيد كأساس في آلمنهج ألقرآني(10).


للتواصل ألمباشر عبر آلفيس بوك:
http://www.facebook.com/AlmontadaAlfikry  
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فلسفة ألأحكام ألفقهيّة تبحث في ما وراء ألأحكام و غايايتها, و بذلك تَتَعَدّى ألظواهر و آلأشكال ألفقهيّة ألمجرّدة, ليكون ألمسلم أمامَ بيّنة و وضوحٍ كاملٍ من غاية آلأحكام ألأسلاميّة ألتي يُمارسها في حياته و ما ورائها.

(2) قال تعالى: [ ذلك الكتاب لا ريب فيه هدىً للمتّقين](ألبقرة / 2).

(3) حديث ألثقلين : [إنّي تارك فيكم ألثقلين ما إنْ تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي ، أحدهما أعظم من آلآخر : كتاب الله ،حبلٌ ممدودٌ من آلسّماء إلى آلأرض و هو آلثقل ألأكبر ، وعترتي أهل بيتي و هو آلثقل آلأصغر، و لن يفترقا حتّى يردا عليَّ آلحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما]( ذخائر آلعقبى / محبّ ألدّين ألطبري ص16 و ما بعدها ،و آلتّشيع / للغريفي ص601 ، و آلمراجعات/ للسّيد شرف ألدّين ، و نور ألابصار /للشبلنجي، وغيرها ) .

(4) توجد تفاسير عديدة للقرآن الكريم من قبل الفريقين كآلطبري و الطبرسي و ا لبيان و الثقلين و الكاشف و الميزان و غيرها؛ إلّا أنّ تلك التفاسير كانت مفيدة و مناسبة لوقتها, و لم تعد تناسب زماننا كثيراً بسبب تطور الحياة و العلاقات الأجتماعية و السياسية و الفكر الأنساني عموماً ممّا سبب عدم تصدي العلماء الفقهاء للحوادث الواقعة عملياً عبر أحكام الأسلام على أرض الواقع, بل كانوا يكتفون بإصدار الرسالة العملية و كفى, إن عدم تمكن الفقيه من قرأءة الأحداث الواقعة ثم سبقها بإصدار ما يناسب أوضاعها من فتاوى من شأنه فسح المجال أمام الكفار و المنافقين كي يأخذوا دورهم في عملية إنحراف الأنسانية و كذلك خسارتهم لفرصة التأثير إيجابياً بإتجاه تحقيق الغايات السماوية ألتي أشار لها القرآن كسنن يتداخل فيها ثلاث قوى هي قدرة الله و قدرة الأنسان و قدرة الشيطان.

(5) من أهمّ ألأسباب ألّتي أدّت إلى تشوّه ألأسلام و تشرذم ألمسلمين و سيطرة الحكومات الوضعية عليهم هو بُعدهم عن ولاية الله تعالى ألتي يمثلها بحق ألولي ألفقيه العارف بآلزّمان و آلمكان و أسرار الشريعة و فلسفة الأحكام كما أشرنا في المتن أعلاه.

(6) في الحقيقة لم يكن قصور علماء الشيعة بسبب ما ذكرنا فقط؛ بل إنّ المظالم التي صبّتْ عليهم على مدى القرون بسبب الحكام الطامعين في الخلافة هي التي أدّتْ إلى إنزوائهم و عدم تمكنهم من تحكيم خط الرسالة الأسلامية الأصيلة في الأمة,و لذلك نرى أن محناً كثيرة أصابتْ أمّتنا بسبب سلاطين الجور و ا لجهل و الفساد كآلعثمانيين و العباسيين و الأمويين و غيرهم.

(7) للمزيد من آلتفاصيل: راجع ألحلقة ألسّابقة(ألتاسعة).

(8) من آلآيات: [له معقبات من بين يديه و من خلفه يحفظونه من أمر الله,لا يُغيّر الله ما بقومٍ حتّى يُغيّروا ما بأنفسهم و إذا أرادَ الله بقومٍ سوء فلا مردّ له و ما لهم من دونه منْ وال](سورة ألرّعد / 11) و غيرها من آلآيات ألقرآنيّة.

(9) لمعرفة التفاصيل عن آلتفسير الموضوعي للقرآن؛ راجع كتاب: ألمدرسة القرآنية للأمام الفقيه الفيلسوف محمد باقر الصدر(قدس).

(10) راجع ألأساس ألثّالث للمنتدى ألفكري(ألمنهج ألأمّ لتفسير ألقرآن ألكريم) للمؤلف.