الرئيسية » مقالات » البابا الصالح يستقيل .. والموظف الفاسد باق

البابا الصالح يستقيل .. والموظف الفاسد باق

قال رسول الله محمد.. صلى الله عليه وآله وسلم: “رحم الله امرئً عرف قدر نفسه” لأن معرفة الذات تمكن الانسان من استكناه العالم المحيط به؛ فيؤدي واجبه إزاءه بفاعلية جادة.
اما التمسك بمغريات الدنيا، إقحاما للذات في غير ما يلائمها، عنوة، فهو سفح للذات اولا، وتفريط بالمنصب الذي يتبوأه الفرد في المجتمع.
وهذا ما ادركه البابا بنديكتوس السادس عشر، وطبق حديث الرسول محمد، تلقائيا.. ربما من دون اطلاع عليه؛ لأن الديانات المنزلة، والفلسفات الوضعية، تلتقي عند جوهر الخير والصلاح، من دون اتفاق ارضي مسبق، فلقاؤها عند باعث الانبياء والمرسلين.
أعلن البابا استقالتة من منصبه على رأس الكنيسة الكاثوليكية في خطاب القاه باللاتينية خلال مجمع الكرادلة في الفاتيكان، وهو في الخامسة والثمانين من العمر، عن قناعة بان التقدم في السن يعيقه عن القيام بماهم عمله.. كاملة دقيقة.. على رأس الكنيسة.
ترى هل يجرؤ موظف عراقي، مهما علا او تدنى منصبه، على تقديم الاستقالة، اذا ما وجد نفسه لا يحسن إشغاله بأجادة في الاداء تعزز ايمانه؟ ام انهم يوظفون الاستعراض الايماني.. تدينا زائفا في تحقيق مكاسب غير مشروعة!؟
السؤال ليس بحاجة لأجابة، قدر ما نحن كمجتمع بحاجة لتصحيح ذواتنا، وتقويم سلوكنا ازاء المغانم التي تتهافت عليها النفس الأمارة بالسوء، الا ما رحم ربي.
صقل وتنظيف المجسات التي نتعاطى بها مع العالم المحيط بنا، يبدأ من الذات، كمرحلة اولية، تربط جهلنا المرتبك بحكمة الوجود المستقر.. يحيطنا، وتلك هي فلسفة وجودنا النسبي كأفراد، وسط المجتمع العام.. مطلقا.
والمطلق هو سر انتمائنا الى الله، اما النسبي، فهو النفس العراقية التي تهفو الى ما يلبي شهوتها للمال والوجاهة، شرهة نهمة لا ترتوي.
لكن الاقتداء بشخصية عظيمة كالبابا بنديكتوس السادس عشر، من شأنه ان يعزز احترامنا لذواتنا التي سفحناها في محراب التهافت على المغريات، فيعيد احترامنا لذواتنا، ويهبنا انتماء لله والدين والوطن والمجتمع، ويعيد الينا.. بالحلال.. ما فرطنا به، لأنه حرام.
فمن يتقِ الله يجعل له الله مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب.
والبابا بنديكت عين على رأس الكنيسة الكاثوليكية في العام 2005 خلفا للبابا يوحنا بولص الثاني، بعد وفاته، وكان اسمه انذاك الكاردينال جوزيف راتزينغر، وهو الالماني الاول الذي يتبوأ هذه المنزلة في تاريخ المسيحية.
غادر بندكت عائدا الى جوزيف، ليلاقي بهذا الاسم ربه، بعد عمر طويل ان شاء الله، تاركا الكنيسة وراءه محملة بالأسئلة؛ فهي لم تشهد موقفا مماثلا منذ قرون عديدة.
فهل ثمة من يستهل تاريخا جديدا في عراق يمور بالقاصرين عن اداء واجبات مناصبهم، باستقالة ترتقي بشخصه الى رفعة بندكت في وجدان العراقيين، الذين سيرحبون بخطوة كهذه من اي مسؤول سياسي او موظف كبير، على اعتبارها نوعا من عزاء في تردي الخدمات وانهيار مؤسسات الدولة، قبل الشروع بتشكيلها.