الرئيسية » دراسات » دراسات في الفكر القومي الكردستاني (الحلقة 18) هل ذهنيات جيران الكرد ثقوب شوفينية سوداء؟!

دراسات في الفكر القومي الكردستاني (الحلقة 18) هل ذهنيات جيران الكرد ثقوب شوفينية سوداء؟!




يفيد العلماء أن الثقوب السوداء ظاهرة كونية عجيبة، فالثقب الأسود جرم شديد الكثافة، هائل الجاذبية، يبتلع النجوم مهما كانت ضخمة، ويصيبها بالعطالة، ويتركها بلا وزن ولا لون ولا حجم ولا هوية. ويبدو أن ذهنية كثيرين من جيراننا الشرق أوسطيين- فُرساً وتُركاً ومستعربين- تحوّلت إلى ثقوب شوفينية سوداء، تشفط كل ما له علاقة بالكرد وكردستان، وتجعله معدوماً، وترميه خارج التاريخ، وخارج العقل والمنطق، وخارج الشرائع والدساتير والقوانين والمبادئ، ودعونا نبحث في هذا الأمر بشيء من التفصيل.
بأيّ قانون تحكمون؟!
المعروف أن ثلاثة نواميس ( قوانين) تحكم البشر أفراداً وجماعات:
ـ ناموس الضمير: وهو الفطرة الإنسانية النقية.
ـ الناموس الإلهي: وهو ما جاء في الكتب المقدسة وتعاليم الأنبياء.
ـ الناموس المدني: وهو التشريعات والقوانين التي تضعها الدول.
ولا ندري بأيّ ناموس يحكم جيراننا الفرس والترك والمستعربون؟ فهم غير مستعدين للتعامل مع المشكلة الكردية لا وفق ناموس الضمير، ولا وفق الناموس الإلهي، ولا وفق الناموس المدني، إنهم يتناولون المشكلة الكردية فقط وفق ناموس الثقب الشوفيني الأسود، ومهما قدّمنا الأدلة التاريخية والحجج المنطقية فجهودنا تذهب عبثاً، ويسرعون إلى زجرنا وإسكاتنا، واتهامنا بالتآمر والخيانة والعمالة، والأغرب من هذا اتهامُنا بالعنصرية!
يا إخوتنا، بأيّ قانون تحكمونّ؟! نحن من خلْق الله مثلكم، لسنا من نسل الجن ولا الشياطين حسبما روّج بعض مكّاريكم قديماً، نناشدكم أن تمنحونا بعض وقتكم، وتعودوا إلى المصادر التاريخية، ستجدون أننا لم ننزل من كوكب آخر، ولم ننبثق من الأرض السابعة، هذه كردستان أرضنا منذ خمسة آلاف عام، ورثناها من أسلافنا العيلاميين والجوتيين والكاشيين والحوريين والميديين، لم نغتصبها من عربستان ولا من فارسستان ولا من طورانستان، فكفاكم احتلالاً لوطننا! وكفاكم التعامل معنا بنظرات الاحتقار، وبعبارات الاستهزاء، وبخطابات الزجر والوعيد، وبفرمانات الاعتقال والتعذيب، وبأحكام التشريد والتقتيل.
إذا قلنا لكم: يا إخوتنا، نطالب على الأقل بحقوقنا الثقافية؛ بلغتنا، بمدارسنا، بجامعاتنا، بإعلامنا، بإدارة أنفسنا بأنفسنا، قال السُّنّي منكم: ألا تخجلون من هذه المطالب ونحن مشغولون بإحياء دولة الخلافة؟ وقال الشيعي منكم: كفّوا عن هذا الهراء! فنحن مشغولون بالإعداد لظهور الإمام المستور، وبالسيطرة على العالم تحت قيادته. وقال الفارسي: ألا تخجلون من المطالبة بحقوقكم ونحن مشغولون بإحياء إمبراطورية كورش الأكبر؟ وقال التركي: ألا تخجلون من المطالبة بحقوقكم ونحن مشغولون بتأسيس الدولة العثمانية الجديدة؟ وقال المستعرب: ألا تخجلون من المطالبة بحقوقكم ونحن مشغولون بـ (أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة) الممتدة من الخليج إلى المحيط؟
أي والله يا إخوتنا، من حقكم أن تغضبوا بمجرد تمسّكنا بهويتنا الكردستانية، وبمجرد مطالبتنا بإيقاف مشروع الصهر الذي تمارسونه، فنحن- بحسب تقييمكم الاستعماري- أتباع وعبيد لكم، ومن واجبنا خدمة المشروع الفارسي بقيادة المرشد خامنئي، وخدمة المشروع الطوراني بقيادة المرشد أردوغان، لتأسيس دولة طورانيا الكبرى التي ستمتد من بحر الإدرياتيكي غرباً حتى المحيط الهادي شرقاً، ومن واجبنا أيضاً النضال تحت راية المشروع الاستعرابي، لاستعادة فلسطين ولواء إسكندرون وعربستان والأندلس، وبعد تحقيق كل هذه المشاريع الكونية، يمكن أن نتقدم بأدب جمّ إليكم، ونستجدي بعض حقوقنا الثقافية فقط.
لماذا حلالٌ عليكم وحرامٌ علينا؟!
يا إخوتنا الفرس والترك والمستعربين، ألستم تقولون نحن إخوة في الإسلام؟! وتحتجون بالآية “إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ” (سورة الحُجُرات: الآية 10)، حسناً، تعالوا إذاً نحتكم إلى الإسلام، أليس الله شاء أن نكون كرداً فكنا؟! فكيف تنكرون وجودنا القومي الذي شاءه الله؟! ألا تؤمنون بالآية: “ومِن آياته خَلْقُ السمواتِ والأرضِ واختلافُ ألسنتِكم وألوانِكم” (سورة الرُّوم: الآية 22). أليست كرديتنا آية من آيات الله في هذا الكون، مثل الشمس والقمر والشجر والحجر؟! فكيف تسمحون لأنفسكم بإزالة آيات الله وتزييف حقيقتنا الكردستانية؟!
يا إخوتنا الفرس والترك والمستعربين، ألم تقل الآية ” وأمرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ” (سورة الشُّورى: الآية 32)؟! فلماذا تفرضون علينا لغاتكم وجنسياتكم؟! إنكم بجرّة قلم تحوّلوننا في وطننا إلى مهاجرين ومتسوّلين! وبجرّة قلم تحرموننا من حقوقنا القومية، وتصنعون منا عبيداً! وبجرّة قلم تحرّمون علينا تقرير مصيرنا ومصير أجيالنا! وبجرّة قلم تحرّمون علينا امتلاك أرضنا! وبجرّة قلم تجعلوننا هدفاً للاعتقال والتنكيل والإبادة! فأيّة شورى إسلامية هذه؟!
يا إخوتنا الفرس والترك والمستعربين، ألم يقل النبي محمد: “فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ”؟! (صحيح البُخاري، ج 1، ص 24). ألم يقل النبي محمد أيضاً: “كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ”؟! (صحيح مسلم، ج 4، ص 1986)؟ فبأيّة حجّة إسلامية تحتلون وطننا، وتنهبون ثرواتنا، وتلغون وجودنا من خريطة العالم؟! وبأية سُنّة تحوّلوننا في وطننا إلى عبيد لكم؟! وبأية شريعة تستبيحون أرضنا ولغتنا وثقافتنا ودماءنا وكرامتنا؟!
يا إخوتنا الفرس والترك والمستعربين، ألم يقل النبي محمد: “لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ” ؟! (صحيح البُخاري، ج 1، ص 12). فلماذا تبيحون لأنفسكم أن تكون لكم دول مستقلّة، ووزارات وسفارات، ورايات وطنية، ومؤسسات قومية، ومدارس وجامعات، وصحفاً وإذاعات وفضائيات، وترفضون أن يكون لنا رُبع ذلك؟! وها قد شرعتم منذ قرن في تمجيد قومياتكم، والإشادة بتراثكم، والمفاخرة بأمجادكم، فلماذا تثور ثائرتكم حينما نذكر أننا أمّة ولسنا شراذم؟ ولماذا تغضبون حينما نرغب في التحدث بلغتنا ونسمّي قرانا ومدننا بأسمائها الكردية؟ ولماذا تستنكرون علينا الحديث عن تاريخنا وأسلافنا؟ أليس من المنطقي- بحسب الحديث النبوي- أن تحبوا لنا ما تحبونه لأنفسكم؟
مستعمرون من طراز عجيب حقاً!
يا إخوتنا من الفرس والترك والمستعربين! أسألكم بالله الذي لا إله إلا هو! وبالزَّبور والتوراة والإنجيل والقرآن ، وبكل الشرائع السماوية والأرضية: لمّا كان المستعمرون الإنكليز والفرنسيون يحكمون الشرق الأوسط هل مارسوا من الظلم والقهر والإفقار والإذلال عُشر ما تمارسه أنظمتكم الشوفينية الفاشية ضدنا وضد غيرنا من الشعوب الأصلية التي تسمّونها (أقلّيات)؟! وأسألكم أيضاً: هل يمارس الإسرائيليون ضد الفلسطينيين، والهندوس ضد المسلمين، عُشر ما تمارسه أنظمتكم الفاشية ضدنا وضد غيرنا من الشعوب الأصلية؟
يا إخوتنا من الفرس والترك والمستعربين! لو كانت دولة أوربية تستعمرنا لا شك في أنها كانت ستنهب ثرواتنا، لكن تشريعاتها وأخلاقياتها كانت ستمنعها من ممارسة التمييز العنصري ضدنا، وتمنعها من حجب لغتنا وتراثنا، وما كانت ستغيّر أسماءنا وأسماء مدننا وقرانا، وما كانت ستغيّب تاريخنا وتزيّف هويتنا القومية، بل كانت ستهتمّ بلغتنا وتراثنا وآثارنا، وما كانت ستنفّذ مخططات الصهر القومي ضدنا، وما كانت ستمارس علينا الأنفالات، وإذا تمادت في ظلمنا ففيهم أناس ذوو ضمير حيّ، كانوا سيقفون ضد أنظمتهم الاستعمارية، ويندّدون بسياساتها الاحتلالية، ويدافعون عن حقوقنا في برلماناتهم وإعلامهم.
أما أنتم- ويؤسفني أن أقول ذلك- فمستعمرون من طراز عجيب، لا ناموس الضمير يُقنعكم، ولا الناموس الإلهي يردعكم، ولا الناموس المدني يحدّ من استكباركم، إن ذهنياتكم ودساتيركم وتشريعاتكم وقوانينكم وقيمكم ثقوب شوفينية سوداء هائلة، ثقوب مرعبة، تفقد فيها كل التشريعات والأخلاقيات قيمتها، وتنعدم فيها كل المبادئ والقيم السماوية والأرضية.
فإلى متى الغرق في مستنقعات هذه الذهنيات والغرائز الفاشية؟
ومتى تتحررون من هذا الثقب الشوفيني الأسود؟
ومتى تستردّون الفطرة الإنسانية النقية؟
ومتى تحبّون لنا ما تحبّونه لأنفسكم؟
ومهما يكن، فلا بدّ من تحرير كردستان!

11 – 2 – 2013