الرئيسية » دراسات » دراسات في الفكر القومي الكردستاني (الحلقة 16) التصنيف الكُردَواري بين الكردي النبيل والكردي الميّت

دراسات في الفكر القومي الكردستاني (الحلقة 16) التصنيف الكُردَواري بين الكردي النبيل والكردي الميّت




يقول لوك فيرّي: “الكائن الممسوخ هو- عملياً- ذلك الذي ينتهي به الأمر بالتنكر لطبيعته الخاصة” (لوك فيرّي: تعلُّم الحياة، ص 199).
والكردي الميّت هو هذا الكائن الممسوخ الذي لم يخرج من جلده فقط، بل انخلع من هويته تماماً، ولتوضيح حقيقته بشكل أفضل دعونا نضعْ تصنيفاً كُردَوارياً سُباعياً للشخصية الكردية، بدءاً من الكردي النبيل، ومروراً بالكردي الأحمق، فالكردي المغفّل، فالكردي الجاهل، فالكردي المتخاذل، فالكردي الانتهازي، وانتهاءً بالكردي الميّت.
التصنيف الكردَواري للشخصية:
1 – الكردي النبيل: هو الذي يجسّد الأصالة الكردستانية وعياً ووجداناً ورؤيةً وقيماً ومشاعر وقولاً وعملاً، ويربط وجوده ومصيره بوجود أمته ومصيرها، ويمتلك إرادة توظيف قدراته المعنوية والمادية في سبيلها، إنه الكردي الأكثر تضحية والأقل سعياً إلى المكاسب، وقد يكون في مرحلة ما واقعاً في قبضة الحماقة أو الغفلة أو الجهالة أو التخاذل أو الانتهازية، لكنه- بفضل أصالته- يرتقي على النقص، ويصل إلى مرتبة النبل. وإلى هذه الفئة ينتمي المناضلون والثوار والشهداء طوال تاريخنا؛ بدءاً من ثورات أسلافنا الجوتيين قبل أربعة آلاف عام، وانتهاء بالمدافعين الآن عن كرامة الكرد وكردستان في الأجزاء الأربعة.
2 – الكردي الأحمق: هو الذي يقع تحت سلطة حماوة رأسه، ويستبدّ به الحماس الأهوج، وينجرف مع تيّارات الغضب، ممزوجةً بحسابات شخصية أو عائلية أو قبَلية أو حزبية، فيتسرّع في اتخاذ القرارات المصيرية، ويصبح- من حيث لا يريد ولا يدري- أداة في يد المحتل، ويجرّ على أمته الكوارث. لكن يمكن أن يستعيد اتزّانه ذات يوم، ويتمهّل في تقدير الأمور، ويزن بدقة بين الربح والخسارة، ويتعقّل في الحكم على المواقف، ويصبح من مناضلي الأمة وروّادها.
3 – الكردي المغفَّل: هو الذي يكون ضحية للتفكير الساذج، والرؤية القاصرة، والتحليل السطحي، والخطأ في تشخيص المشكلات، والخلل في تحديد الأسباب، والزلل في ترتيب الأولويات، والانشغال بالفروع دون الأصول، والثقة بألاعيب المحتلين، والوقوع في مصيدة الأوهام، وقد يصبح أداة في يد المحتل من حيث لا يريد ولا يدري. لكن يمكن أن يتحرر من الغفلة، ويصبح نافذ البصيرة، رحيب الرؤية، عميق التفكير، ويضع كل شيء في موضعه، ويقدّم انتماءه إلى كردستان على كل شيء.
4 – الكردي الجاهل: هو الذي يجهل حقيقة هويته الكردستانية، ويجهل تاريخ أمته وتراثها، ويجهل ثوراتها وتضحياتها، فيقضي شطراً من عمره وهو يعيش على هامش انتمائه الكردستاني. لكن يمكن أن يتخلص من جهله ذات يوم، ويتحوّل من كردي سلبي وضائع إلى كردي غيور على أمته، خبير بتاريخها وقضاياها، ويمكن أن يوظّف معارفه الجديدة في الدفاع عن شعبه بكل ما أوتي من قوة، ويقف في وجه الآلة الثقافية والإعلامية التي يديرها المحتلون بمكر ما بعده مكر.
5 – الكردي المتخاذل: هو الذي يدير ظهره لقضية شعبه الأساسية “وطنُ محتل، وشعبٌ مستعمَر”، ويتقاعس عن نصرة أمته في المحن، ويبخل عليها بكلمة يقولها أو بجملة يكتبها، أو بفلس يدفعه، أو بوقفة تعاطف مع المنكوبين من شعبه، أو بحمل السلاح دفاعاً عن وجوده القومي. لكن يمكن أن يستيقظ ضميره القومي ذات يوم، وينتقل من موقف المتقاعس المتخاذل إلى موقف المكافح المناضل، ويقدّم وقته وماله ونفسه كُرمى لتحرير وطنه وشعبه، ويكون مناضلاً في الصف الأول.
6 – الكردي الانتهازي: هو الذي تركبه شياطين الأنانية، فلا يرى شعبه إلا من خلال مصالحه، ويعتبر أمته بقرةً حلوباً، فيستغلها بكل ما أوتي من قوة، تارةً لجمع المال، وأخرى لحيازة الجاه، وثالثة للفوز بالمنصب، غير عابئ البتّة بما يعانيه وطنه من احتلال، وما تقاسيه أمته من صَهر، وما يكابده شعبه من قهر. لكن يمكن أن تستيقظ غيرته الكردستانية ذات يوم، فينتقل من وحول الاستئثار إلى فضاء الإيثار، ومن حضيض الأنانية إلى قمم التضحية، ويكون مع الرعيل الأول عطاءً وفداء.
7 – الكردي الميّت: هو الكردي الممسوخ الأعمى البصيرة، صحيح أنه ينتمي سلالياً إلى الكرد، وقد يحمل اسماً كردياً، وقد يتكلم بالكردية، لكنه، ولأسباب متشابكة -ذاتية واجتماعية وثقافية وسياسية ودينية واقتصادية- انمسخ كلياً، وتنكّر لأمته وقضاياها، ذهنيته لم تعد كردستانية، رؤيته لم تعد كردستانية، قيمه لم تعد كردستانية، مشاعره لم تعد كردستانية، همومه لم تعد كردستانية، أفراحه لم تعد كردستانية.
إشكالية الكردي الميّت:
إن الكردي الميّت كالسمك الميّت المنجرف مع التيار، انفصل عن الانتماء الكردستاني فكراً وشعوراً، واستسلم لمشاريع الصهر الاستعمارية، وعجز عن الارتقاء من حضيض العبودية إلى قمم الإباء الإنساني والقومي، وقد يكون هذا الكردي الميّت راعياً أو فلاحاً أو تاجراً أو شاعراً أو قاصّاً أو فنّاناً أو سياسياً أو عسكرياً أو مفكراً أو عالماً أو رجل دين، لكنه انمسخ وصار لا يحمل من الكردية إلى الاسم.
وإلى هذه الفئة ينتمي جميع المرتزقة (الجاش) والعملاء والخونة الذين باعوا الأمة الكردية للأعداء بثمن بخس، وتاجروا بقضاياها، وراحوا يتفرّجون على الوطن وهو يئن في قبضة الاحتلال، وعلى الشعب وهو يتجرّع الآلام والإذلال تحت نير المستعمِرين، لا بل حملوا السلاح ووقفوا يقاتلون شعبهم تحت قيادة المحتلين، وإلى هذه الفئة ينتمي المثقفون الكرد- شعراء وروائيون ومفكرون وعلماء دين- الذين وظّفوا فكرهم وإبداعاتهم لخدمة أنظمة الاحتلال، وأداروا ظهورهم للكرد وكردستان.
صحيح أن المحتل يبتهج حينما يكثر الحمقى والمغفلون والجهلة والمتخاذلون والانتهازيون في صفوف شعبنا، لكنه يدرك أن صديقه الحميم والأبدي هو الكردي الميّت، فالأحمق يمكن أن يتعقّل، والمغفّل يمكن أن يستيقظ، والجاهل يمكن أن يعرف، والمتخاذل يمكن أن يبذل، والانتهازي يمكن أن يستقيم، لكن الكردي الميّت هو بين يدي المحتل كالمريد بين يدي شيخ الطريقة، حتى إنه يصحّ فيهما قول الحلاّج الصوفي في علاقته بالله (ابن خَلِّكان: وَفَيات الأعيان، ج2، ص 141):
أنا مَن أهوى، ومَن أهونا أنا نحن روحــــــــــان حلَلْنا بدنا
فإذا أبصرتني أبصرتــَـــــــــــــــــــهُ وإذا أبصرتَـــــــــــــــــهُ أبصرتنا
لذا فالإشكال الأساسي في مسيرتنا التحررية هو هذا الكردي الميّت، به يشق المحتل صفوفنا، وبه يقتحم حصوننا، وبه يستنزف قوانا، وبه يخدّر عقولنا، وبه يعتّم رؤيتنا، وبه يتمترس داخلياً وإقليمياً ودولياً، وبه يذبّح بعضنا، فهل من خدمات أعظم من هذه التي يقدّمها الكردي الميّت للمحتلين؟
ألا فلْنبجّل الكردي النبيل حيثما كان، ولْنتمسّك بنهجه ونحتفظ بذكراه، ولْنربِّ على سيرته أولادنا جيلاً بعد جيل. أما الكردي الميّت فلْنندّد به حيثما كان، ولْنَحذر نهجه وننبذْ سلوكه، ولْنعزلْه ونحصّن شعبنا ضدّه، إن المسألة مسألة أمة ووطن، مسألة وجود وهوية ومصير، فهل من الحكمة أن نتركها في أيدي الممسوخين والأموات؟!
ومهما يكن، فلا بدّ من تحرير كردستان!

2 – 2 – 2013