الرئيسية » دراسات » دراسات في الفكر القومي الكردستاني (الحلقة 15) فخّ ( المواطنة ) .. وحصان طروادة الشوفيني!

دراسات في الفكر القومي الكردستاني (الحلقة 15) فخّ ( المواطنة ) .. وحصان طروادة الشوفيني!




يقول المؤرخ المقدسي (المطهّر بن طاهر، توفي بعد 355 هـ = 966م) في وصف بعض الناس في عصره: “والحديثُ لهم عن جَمَلٍ طار أشهى إليهم من الحديث عن جَمَلٍ سار” (المقدسي: البدء والتاريخ، ج1، ص 4) .
والمثير للقلق أن فينا– نحن الكرد- أناساً يعجبهم الحديث “عن جملٍ طار”، وينفرون من الحديث “عن جملٍ سار”، وبتعبير آخر: إنهم ينزعون إلى الهروب من الواقع، ومن قراءته قراءة واقعية، والتعامل معه بواقعية، وكأنهم يريدون قضاء العمر في مطاردة الأوهام التي يَعِدنا بها الشوفينيون فرساً وتُركاً ومستعريين.
فخّ )المواطنة( في جزيرة الأحلام:
ومنذ أن بدأ صراع المستعربين على السلطة والثروة في سوريا سنة 2011، راح أقطاب المعارضة- ومعظمهم فاشيو الثقافة- يُطمعوننا في (جزيرة الأحلام) التي يسمّونها (سوريا الجديدة)، سوريا التي سيرعى فيها الذئب مع الغنم، والتي ستكون ديمقراطية يعيش فيها مكوّنات سوريا مواطنين سواسية كأسنان المشط، لا فضل فيها لمستعرب على كردي، لذا فلا حاجة- حسب رأيهم- لأن نتمسّك بأننا (شعب كردي)، وإنما حسْبُنا أننا (سوريون) وأننا (جزء من النسيج السوري).
وقد بادر قادة المعارضة المستعربة إلى نبذ العلم السوري البعثي، ورفعوا علم عهد الاستقلال، وراحوا يزيّنون به رقابهم في الحل والترحال، لكن الغريب أنهم يرفضون إحياء اسم (الجمهورية السورية) المرتبط أيضاً بعهد الاستقلال، والذي يعني أن سوريا ليست ملكاً للمستعربين فقط، وإنما هي ملكٌ للكرد والسريان والآشوريين وغيرهم من شعوب سوريا، كما أنهم يصرّون على اسم (الجمهورية العربية السورية)، ويؤجّل بعضهم حسم الموضوع لصناديق الاقتراع مستقبلاً، ثقةً منهم بأن أغلبية المستعربين في سوريا خرّيجو الثقافة العنصرية، وسيتمسّكون باسم (الجمهورية العربية السورية).
حسناً، بما أن قادة المعارضة المستعربة يشيدون في المحافل وعلى الفضائيات بعهد الاستقلال، ويذكرون أنه كان عهد الديمقراطية وعدم التمييز بين المكوّنات السورية، ويصرّون على رفع علم ذلك العهد، فلماذا يتهرّبون إذاً من إعادة العمل باسم (الجمهورية السورية)؟ [أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ] (سورة البقرة: الآية 82)؟! أليس من المنطق أن يُستعاد اسم (الجمهورية السورية) الذي كان تعبيراً عن ديمقراطية عهد الاستقلال الذي تتشوّقون إليه؟ أم أن وراء الأكَمَة ما وراءها؟!
أما النظام السوري البعثي- وقد أشبعَنا فقراً وقهراً وسجناً وتشريداً وتقتيلاً- فراح ينافس خصومه الذين خرج معظمهم من عباءته، وشرع يبشّرنا بحقوق (الديمقراطية) و(المواطنة) في (جزيرة الأحلام) التي سيبدعها، والتي سيكون اسمها (الجمهورية العربية السورية)، وسأُلزَم فيها- أنا الكردي- بحمل بطاقة شخصية مكتوب عليها (عربي سوري) كما هي حالي الآن، أجل، لماذا لا يستغفلنا مستعربو النظام البعثي أيضاً كمستعربي المعارضة؛ وخاصة أن لهم تاريخاً طويلاً في استغفالنا؟
ومنذ سنوات بدأ الترك يلعبون معنا اللعبة ذاتها، وقدّموا لنا صورة رائعة عن (جزيرة الأحلام) الطورانية التي اسمها (تركيا) حصراً، والتي ستكون دولة واحدة، بعلم واحد، وبلغة واحدة، وعادوا إلى استخدام فخ (الأخوّة الإسلامية) الذي اصطادنا به أجدادهم العثمانيون، ولم تفلح الضوضاء التي تصاحب بروﭘاغندا (الأخوّة الإسلامية) في التغطية على النزعة الشوفينية المتأصلة في الذهنية الطورانية، فقد صرّح أردوغان قبل أيام قليلة- وهو يتفقّد (مستعمراته) في كردستان الشمالية- بأنه لا توجد (قضية كردية)، ولا توجد (هوية كردية)، وإنما يوجد (مواطنون كرد) فقط.
أما الشوفينيون الفرس فسبق أن وعدونا في سنة 1979 على لسان الخميني بـحقوق (المواطنة) الكاملة في (جزيرة الأحلام) التي ترفرف عليها راية (الثورة الإسلامية)، والتي ستكون بقيادة الملالي وفي رعاية الإمام المعصوم المنتظَر، وماذا كانت النتيجة؟ مزيدٌ من القهر لشعبنا، واغتيالُ قادتنا بالمكر والخديعة، وتعليقُ شبابنا على الرافعات في الساحات فوجاً بعد فوج، فهل ثمة جنّة موعودة أجمل من هذه؟!
وإذا كان شرط الفوز بنعمة (المواطنة) في (جزيرة الأحلام) الاستعرابية والطورانية والفارسية هو أن يتخلّى الكردي عن (الهوية القومية)، فلماذا يُعفى المستعرب والتركي والفارسي من الشرط نفسه؟ أجل، لماذا لا يتخلّى (المواطن) المستعرب عن عروبته، والتركي عن طورانيته، والفارسي عن فارسيته؟ لماذا ينبغي أن تبقى سوريا جزءاً من (الوطن العربي)؟ ولماذا يجب أن تبقى دولة الترك والكرد باسم (الجمهورية التركية)؟ ولماذا يجب أن تبقى إيران مملكةً مستباحة للمرشد الفارسي، ومُلكاً للعرق الفارسي؟
حصان طروادة الشوفيني:
جاء في ملحمة (الإلياذة) لهوميروس أن الإغريق حاصروا طروادَه مدة طويلة في أواخر القرن (13 ق.م) أو في أوائل القرن (12 ق.م)، وعجزوا عن فتحها، فصنعوا حصاناً خشبياً هائلاً على عَجلات، وخبّأوا المقاتلين في جوفه بعناية، وابتعدوا عن المدينة، فتوهّم الطرواديون أن الإغريق يئسوا ورحلوا، فخرجوا من وراء الأسوار، وقرروا إدخال الحصان إلى مدينتهم، ليبقى كذكرى لهزيمة الإغريق.
وسمع لاوكون كاهن الإله أَﭘولو خبر الحصان، فنصح قومه بعدم إدخاله إلى المدينة، وأن في الأمر خدعة، وقال لهم: “أخشى الإغريق حتّى وهم يقدّمون الهدايا”. ولم يأخذ الطرواديون بنصيحة لاوكون، وأدخلوا الحصان إلى مدينتهم، وراحوا يحتفلون ويشربون الخمور فرحاً، ولما أخلدوا إلى النوم في أواخر الليل، خرج المقاتلون الإغريق من جوف الحصان، وقتلوا الحراس وفتحوا أبواب السور، وكان الجيش الإغريقي قد عاد ينتظر فتح الأبواب، وتمّ اقتحام المدينة بتلك الخدعة (ول ديورانت: قصة الحضارة، ج 41، ص 170. جدسون جيروم: دليل الشاعر، ص 285).
ولست كاهناً أتلقّى الوحي من الآلهة، لكن هناك أدلة عديدة تؤكد أن ذهنية المستعربين والطورانيين والفرس الشوفينية هي على حالها، وكل ما يبدونه معنا من مرونة وعشق للديمقراطية ليس إلا مظاهر برّاقة، وتشجّعني تلك الأدلة على أن أقول لقومي الكرد: “أخشى الشوفينيين حتّى وهم يقدّمون حقوق المواطنة”!
ومهما يكن، فلا بدّ من تحرير كردستان!

25 – 1 – 2013