الرئيسية » دراسات » دراسات في الفكر القومي الكردستاني (الحلقة 14) لماذا الصندوق الكردستاني قوة عظمى؟

دراسات في الفكر القومي الكردستاني (الحلقة 14) لماذا الصندوق الكردستاني قوة عظمى؟




يقول الشاعر الداغستاني رسول حمزاتوف:
“تغدو الحياة فادحة تماماً
حينما تكون أخرق، مع أن قوتك بلا حدود” (مختارات من الشعر الروسي، ص 743).
ولعل هذا القول يصحّ علينا- نحن الكرد- إلى حدّ كبير، فنحن شعب كثير العدد، لا نقلّ عن الشعوب الأخرى ذكاء وشجاعة وفداء، حتى إن بعض المفسّرين ذكروا أن المراد بـ “قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ” في القرآن هم الكرد (سورة الفتح، الآية 16. الطَّبَري: جامع البيان، ج 10، ص 43. القُرْطُبي: الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 200)، ومع ذلك بقي وطننا محتلاً، وبقينا مستعمَرين في قبضة المحتلين، لأننا لم نوظف طاقاتنا في الوقت المناسب، وبالكيفية المناسبة، في مشكلتنا الأساسية (وطنٌ محتل، وشعبٌ مستعمَر).
المسألة مسألة وعي أولاً:
ودعونا نحصر الحديث في النضال الاقتصادي، فسبق القول بأننا نتصرف في هذا المجال إلى الآن بارتجالية ووفق ذهنية الـ (Yardimî) و(الصدقة) وليس بصورة منهجية ووفق ذهنية )الواجب(، وهل يعني ذلك أننا شعبنا بخيل؟ لا، فقد كان شعبنا سبّاقاً إلى التضحية بالروح بلا حدود، ومن يضحّي بالروح أقدر على التضحية بالمال، وتكمن المشكلة في افتقارنا إلى آليات تنظيم النضال الاقتصادي.
وكي يتضح الخلل في النضال الاقتصادي دعونا نضرب مثالاً، وأبدأ بنفسي، تُرى كم مرة ساهمتُ مالياً- منذ سنة 1980- في قضيتنا التحررية؛ مع أن أحداثاً كثيرة وقعت منذ ذلك الوقت كانت تتطلّب المساهمة مالياً؟ مساهماتي لا تتجاوز عشر مرات، أي مساهمة واحدة كل ثلاث سنوات تقريباً، وكانت مساهمات ارتجالية، وأظن أن حال كثيرين من شعبنا لا تختلف عن حالي في هذا المجال، فكيف نحرر وطناً بأكمله من قبضة محتلين جشعين وشرسين بهذا الكم الهائل من التقاعس؟
مرة أخرى أقول: المسألة ليست مسألة بخل، وإنما هي مسألة قصور في الوعي، نتج عنه قصور في الرؤية، وقصور في تشخيص قضيتنا، وقصور في السلوك النضالي، وأدّى جميع ذلك إلى مفارقة هائلة بين القول والفعل، بين النظرية والممارسة، ولا ريب في أن الأحداث جعلتنا نمتلك وعياً كردستانياً أرقى، ورؤيةً أدقّ وأوضح، وإرادةً أقوى، وعزيمةً أصلب، وحان أن نضيّق المسافة بين القول والفعل، ونساهم بقوة في النضال الاقتصادي، ولتفعيله ينبغي النشاط على محورين:
أولاً – محور إنتاج الموارد: ينبغي القيام على هذا المحور بما يلي:
• – إكساب جماهيرنا ثقافة حب العمل المنتج، ومحاربة البطالة والكسل.
• – استثمار مواردنا الحيوانية والزراعية والبيئية على النحو الأفضل.
• – إقامة صناعات محلية مناسبة لمواردنا الرعوية والزراعية والبيئية.
• إكساب جماهيرنا ثقافة ترشيد الإنفاق، والقضاء على منافذ الهدر.
ثانياً – محور توظيف الموارد: ينبغي القيام على هذا المحور بما يلي:
• – توعية جماهيرنا بأهمية المساهمة الاقتصادية في معركة التحرير.
• – إنشاء (الصندوق الكردستاني العام) بإشراف مجلس أعلى.
• – إنشاء فروع للصندوق الكردستاني في كل قرية ومدينة كردستانية.
• – تحديد ضوابط دقيقة وآليات واقعية لإدارة الصناديق الكردستانية.
• – تحييد الصناديق الكردستانية عن أي حزب أو حركة أو شخصية.
• – إنفاق موارد الصندوق في ما يهمّ شعبنا مجتمعياً واقتصادياً وثقافياً.
تعالوا نوظّف قوتنا العظمى!
يا نخب شعبنا ساسةً ومثقفين ورجال أعمال، يقول أحد الشعراء:
ترجو النجاةَ ولم تَسلكْ مَسالكَها إن السفينةَ لا تجري على اليَبَسِ
وإن قضيتنا هي أكثر القضايا تعقيداً في الشرق الأوسط، ولا يمكننا تحرير وطننا بالآمال وحدها، ولا جدوى في إطلاق الآهات وذرْف الدموع، إن قضيتنا تتطلّب أقصى درجات التضامن الجمعي وأقصى درجات الفداء، ولا يجوز- لا قومياً ولا وطنياً ولا أخلاقياً ولا إنسانياً ولا منطقياً- أن يبادر كل مرة 1%1000 من شعبنا إلى خوض معركة التحرير، ويبقى 999 الآخرون منشغلين بأمورهم الشخصية، حسناً، إذا كان هؤلاء الـ 999 غير قادرين على النضال المسلح أو النضال السياسي، فما الذي يمنعهم من النضال على المحور الاقتصادي؟
يا نُخب شعبنا، تُرى كيف نقيّم أنفسنا إزاء عظمائنا الذين قدّموا أرواحهم في ميادين القتال؟ وكيف نقيّم أنفسنا إزاء شاباتنا وشبابنا الذين يدافعون الآن عن كردستان وعن كرامة أمتنا في الشرق والغرب وفي الشمال والجنوب؟ وكيف نقيّم أنفسنا إزاء أرواح عظمائنا الذين ماتوا تحت التعذيب في الزنازين؟ وكيف نقيّم أنفسنا إزاء أرواح عظمائنا الذين اغتيلوا في المنافي؛ من أمثال قاسملو من الشرق، وآخرهم سكينة، وفيدان، وليلى من الشمال؟ وما فائدة حصولنا على كنوز العالم ما دام وطننا محتلاً وكرامتنا مُداسة؟
يا نخب شعبنا! بل يا شعبنا بأجمعه! أليس من العجيب أن يضحّي المحتلون بأرواح جنودهم وبأموالهم للاستمرار في احتلال وطننا، ونهب ثرواتنا، وتغييب ثقافتنا، والعبث بكرامتنا، وطمس وجودنا القومي، ونترك 1%1000 منا في مواجهة آلتهم العسكرية والبوليسية المتوحّشة، ونتخذ نحن الـ 999 الباقون موقف المتفرج، وكأن الأمر لا يعنينا؟! أيّة مفارقة هذه؟! بل أية كارثة هذه؟!
يا شعبنا، دعونا نمارس النضال الاقتصادي، ونبدأ بتأسيس مشروع (الصندوق الكردستاني)، وكفانا تحميل ساستنا وزر كل سلبياتنا، دعونا نشكّل حيثما كنا هيئة مخلصة ونزيهة تشرف على الصندوق، ولْيساهم كلّ فرد منتِج منا شهرياً بمبلغٍ ما، ولو كان يعادل دولاراً واحداً، أجل، دعونا نقم بواجبنا ولو بالحد الأدنى، عندئذ ستكون أمتنا كالجسد الواحد، وعندئذ لن يبقى في شعبنا متسول، ولا جائع بلا لقمة خبز، ولا مريض بلا دواء، ولا أسرة بلا رعاية، ولا طالب من غير تعليم، ولا مناضل بلا سلاح.
إن النضال الاقتصادي قوة عظمى حقيقية، بها نتوحّد روحياً مع عظمائنا الذين استشهدوا، ومع عظمائنا المناضلين الآن في زنازين المحتلين، وبها نشعر أننا كردستانيون حقيقيون، وأننا جميعاً في الخط النضالي الأول، وبها يشعر الكردستاني حيثما كان أنه ليس قشّة في مهب الريح، وأنه ينتمي إلى أمة حيّة وكبيرة وقوية، ولن يكون مخذولاً أبداً، وبها ينشأ أولادنا وأحفادنا على إرث نضالي رائع، وبها نختصر المسافة إلى تحرير كردستان رغم أنوف المحتلين.
يا شعبنا، ألا تستحق هذه المكاسب العظيمة دفْعَ دولار كل شهر؟
أما حان أن نوظف قوتنا العظمى هذه بعقلانية في خدمة قضيتنا؟!
ومهما يكن، فلا بدّ من تحرير كردستان!

19 – 1 – 2013