الرئيسية » دراسات » دراسات في الفكر القومي الكردستاني (الحلقة 13) هل (الصندوق الكردستاني) ضرورة إستراتيجية؟

دراسات في الفكر القومي الكردستاني (الحلقة 13) هل (الصندوق الكردستاني) ضرورة إستراتيجية؟




القوة الإستراتيجية للشعوب لا تكمن في العضلات، وإنما تكمن في العقول والاقتصاد، ومن أكبر مظاهر الخلل في كفاحنا التحرري تركيزُنا على المحورين السياسي والعسكري، وإهمالُنا للمحورين المعرفي والاقتصادي، وهذا أحد الأدلة البارزة على افتقارنا حتى الآن إلى رؤية كردستانية تحررية شاملة متكاملة.
والحقيقة ما كنت أودّ الكتابة الآن في موضوع (الصندوق الكردستاني)، فهو جزء من محور (المهمّات الكردستانية العاجلة) الذي أنوي تناوله لاحقاً، لكن أوضاع غربي كردستان الحالية لم تترك مجالاً للتأجيل، واقتضت تسليط الضوء على هذا الموضوع.
الفقر أبو الخبائث:
يقال في الموروث الديني: “الخمر أم الخبائث”، ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا: “الفقر أبو الخبائث”، إنه يفتك بالمجتمع نفسياً وأخلاقياً ومعرفياً واقتصادياً وسياسياً وجمالياً، وقد حاول المحتلون بكل وسيلة رمْي أمتنا بين أنياب هذا الوحش (الفقر) الذي لا يرحم، وأجبرت سياساتهم الاستعمارية شعبنا على البقاء في طور الاقتصاد الرعوي- الريفي، وهو في الغالب اقتصادُ الضعف لا القوة، واقتصادُ الكفاف لا الوفرة، واقتصادُ التبعية لا الاقتصادَ القادر على أن يكون قاعدة صلبة لرأسمال قومي/وطني قوي.
ولن نذهب بعيداً في تاريخ الاحتلالات، ونكتفي برصد الوضع الاقتصادي في غربي كردستان منذ منتصف القرن العشرين، فقد أدّت السياسات الاستعمارية إلى إفقار المناطق الكردية، وزرع المستعمرات العربية فيها، وسلب الأراضي باسم الاشتراكية وبتجريد بعض الكرد من الجنسية، وحرمان المجتمع الكردي من المشاريع الاقتصادية، وحرمان الكرد من الوظائف المتوسطة والعالية، وحصر نصيبهم في الوظائف المتدنية القليلة الرواتب، باستثناء قلة برهنوا أنهم خدم جيدون لدولة الاحتلال.
وبطبيعة الحال لم تكن سياسات الاحتلال في بقية أجزاء كردستان أقل قسوة ومكراً وبشاعة مما هي عليه في غربي كردستان، وإلى الآن توجد في كردستان شرقاً وشمالاً وجنوباً قرى تبدو وكأنها تنتمي إلى القرون الوسطى، وما عبرت بعدُ إلى طور المدنية إلا في الحدود الدنيا، أما الحالة البدائية المزرية التي يعيشها الكرد الرحالة المتشردون في المراعي فهي في حدّ ذاتها تراجيديا فظيعة.
لقد حوربنا في لقمة عيشنا على كل صعيد، وتضافرت سياسات الاحتلال طوال عقود، فأنتجت فقراً شاملاً ودائماً في مجتمعنا الكردي، وبموازاة النضال السياسي والقتالي، كان من الضروري أن نمتلك خططاً تثقيفية واجتماعية واقتصادية تتناسب مع كل جزء من وطننا، للنضال ضد الفقر الذي فرضه المحتلون علينا، أقول: خططاً تثقيفية واجتماعية واقتصادية؛ لأن مشكلة الفقر في بنيتها ليست اقتصادية فقط، وإنما هي معرفية ومجتمعية أيضاً، ولأن المحتل لم يوصلنا إلى حالة الفقر الشامل إلا بمزيج من السياسات الاستعمارية الاقتصادية والثقافية والاجتماعية.
العبور من ذهنية (الصدقة) إلى ذهنية (الواجب):
ولا يخفى أن أحزابنا وقعت في قبضة الانغلاق الفكري، وتسلّطت عليها ذهنية (نحن أعداء) بدل ذهنية (نحن شركاء)، وساهمت في تشطير شعبنا، وتأليب فريق ضد آخر، وهل اللغط الذي دار قبل أيام بشأن المعابر بين الجنوب والغرب، وما رافق ذلك من مناورات ومناقرات، إلا نتاج تلك الذهنية؟! أما نحن المثقفين فأمضينا الشطر الأكبر من عمرنا الثقافي في الجري خلف الأمجاد الشخصية، والتفاني في خدمة ترسانات ثقافات المحتلين، وبقي شعبنا لقمة سائغة على مائدة السياسات الاستعمارية.
وبطبيعة الحال لا نفع في البكاء على الأطلال، ولا يكفي تحديد المشكلات، وإنما ينبغي اقتراح الحلول الواقعية، وصحيح أن صعوبات التواصل، وأساليب القمع الشوفيني، كانت تحول دون النضال على المحور الاقتصادي، لكن الظروف تغيرت الآن، ويمكن لنخبنا- مثقفين وساسة ورجال أعمال- أن ينسقوا جهودهم، ويباشروا ذلك النضال وفق خطّة واقعية وممكنة التحقيق.
وكخطوة أولى للنضال على المحور الاقتصادي، من الضروري أن يبادر نُخبنا- ساسةً ومثقفين ورجال أعمال- إلى تأسيس (الصندوق الكردستاني)، ليكون بمثابة الرئة الاقتصادية لشعبنا، مع الأخذ في الحسبان أن تأسيس (الصندوق الكردستاني) بحاجة إلى رؤية وإرادة كردستانيتين عابرتين للأجندات الحزبية والمناطقية والشخصية، وفي الحلقة القادمة سأقترح آليات تأسيسه، وأوضّح جدواه كردستانياً.
يا نخب شعبنا، كفانا أن نكون (أمة ارتجال) و(أمة ردود أفعال)، ولن نقدر على إدارة مشروع تحرري شديد التعقيد وطويل الأمد كمشروعنا بذهنية ارتجالية، لقد فاجأتنا الهجرة المليونية من الجنوب إلى الشمال في التسعينيات، فبادرنا إلى المساعدة بحسب ذهنية Yardimî وبذهنية (الصدقة)، وها هو شعبنا في الغرب يمر بمحنة مشابهة، وها نحن نعالجها بالذهنية ذاتها.
أما حان أن نعبر من ذهنية (الصدقة) إلى ذهنية (الواجب) القومي/الوطني؟
ونجعل تأسيس (الصندوق الكردستاني) هدفاً وطنياً إستراتيجياً؟
ومهما يكن، فلا بدّ من تحرير كردستان!

15 – 1 – 2013