الرئيسية » دراسات » دراسات في الفكر القومي الكردستاني (الحلقة 12) هل اختطف مشروعُ (المواطنة) مشروعَ (تحرير كردستان)؟

دراسات في الفكر القومي الكردستاني (الحلقة 12) هل اختطف مشروعُ (المواطنة) مشروعَ (تحرير كردستان)؟




إشكالية الأصل والفرع:
ختمنا الحلقة السابقة بالسؤال التالي: بما أننا لا نملك الآن مشروعاً كردستانياً تحررياً يحقق (دولة كردستان)، فهل من الحكمة التخلي عن النضال في إطار (مشروع المواطنة) تحت سلطات دول الاحتلال؟
وقد يبدو إلحاحُنا الآن على قضية (وطنٌ محتلٌ، وشعبٌ مستعمَرٌ) وكأنه هربٌ من قضايا أخرى تأخذ بخناقنا، فالمحتلون- خاصة في الشرق والشمال والغرب- لا يكتفون باحتلال وطننا، وتفريغ ذاكرتنا من كل ما هو كردستاني، وإنما ينفّذون سياسات فاشية لفرض الفقر والقهر الإذلال على شعبنا، وتجريدنا من القيم الإنسانية، ويعملون بكل وسيلة لتشويه شخصيتنا، وترسيخ ثقافة العبودية في أجيالنا.
ويقتضي منطق (الواقعية السياسية) ألا ندير ظهورنا لهذا القهر الشامل، إن النضال ضده والتقليل منه على الأقل ضرورة إنسانية بقدر ما هو ضرورة قومية، لكن المثير للقلق هو أن يختطفنا (مشروع المواطنة) في دول الاحتلال من (مشروع تحرير كردستان)، وننشغل كلياً بـ (الفرع/المواطنة)، ونُهمل (الأصل/التحرير).
ولا يخفى أن القهر المنصبّ علينا هو قهر مركَّب، وله تجليان:
– أولهما: الحرمان من حقوق (المواطنة) تحت سلطة الاحتلال.
– ثانيهما: الحرمان من حق (الوجود القومي) في (الوطن القومي).
فكيف نوفّق بين النضال على هذين المحورين معاً؟
نحو إستراتيجية متكاملة:
نعتقد أن النضال ضد القهر المركّب بحاجة إلى إستراتيجية مركّبة لها تجلّيان:
1 – إستراتيجية إقليمية: ينبغي أن يتفق نخب كل جزء من وطننا على مشروع متكامل (ثقافي، سياسي، إعلامي، اجتماعي، فنّي، اقتصادي، بيئي)، يمكّنهم من التعامل مع بكفاءة مع التحولات المستجدّة في الدولة المحتلة لذلك الإقليم، ويرسم لهم الطريق إلى الدخول في تحالفات أو صراعات مع هذه الجهة أو تلك ضمن، بغرض تخفيف القهر قدر الإمكان، وانتزاع بعض الحقوق القومية مهما كانت محدودة.
2 – إستراتيجية كردستانية: ينبغي أن يتفق نخب كردستان- في الداخل والخارج- على (مشروع كردستاني) متكامل (ثقافي، سياسي، إعلامي، اجتماعي، فنّي، اقتصادي، بيئي)، يرسم معالم الطريق إلى تحرير وطننا بأجزائه الأربعة من الاحتلالات، ويتفاعل ضمناً مع (الإستراتيجية الإقليمية)، ويوجّهها بما يتوافق مع الهدف الأكبر (تحرير كردستان).
والمؤسف أننا لا نلمس إلى الآن وجود إستراتيجية إقليمية ولا إستراتيجية كردستانية، لا أقول هذا تشاؤماً، وإنما التزاماً بـ (الواقعية)، فثمة حقائق تتحدانا بعناد، ومن الغفلة أن نتجاهلها، وصحيح أن بوادر التخطيط الإستراتيجي تظهر في إقليم الجنوب، وإلى حدّ ما في إقليم الشمال، لكن يغلب عليها الطابع (المحلي)، وتبدو وكأنها أسيرة مقولة “عدم التدخل في شؤون الدول المجاورة” حسناً، هل أنت دولة مستقلة أم جزء محتل من وطن محتل؟ وهل أنت أمة قائمة برأسها؟ أم أنت جزء من أمة مستعمَرة؟ وهل هذه “الدول المجاورة” دول مسالمة أم دول تحتل وطننا الأكبر؟
المؤسف أننا نعيش حالة تخبّط سياسي، ويكاد الارتجال يكون هو المسيطر على سلوكنا السياسي والثقافي والإعلامي، حتى إننا نبدو كأننا (أمّة صدى) و(أمة ردود أفعال)، لا أمة (صنع أفعال)، والمؤسف أكثر أن ردود أفعالنا لا ترتقي إلى المستوى المطلوب قومياً، ولا تشكّل أرضية صالحة للانتقال من مرحلة (الواقع السياسي) المفروض إلى مرحلة (صناعة واقع سياسي) جديد يخدم أهدافنا القريبة والبعيدة.
والآن تتجلّى هذه السلبيات، بشكل مثير للاستغراب، في الإقليم الغربي (المحتل سورياً)، هناك بلغ التخبط أشدّه، وبينما تنشط القوى المعادية- تركاً وفرساً ومستعربين- لقطع الطريق علينا، وإخراجنا من التحولات الجارية بلا مكسب قومي، وبمكاسب شبه جوفاء على صعيد (المواطنة)، وتضرب بعضَنا ببعض، تسلّطت ذهنية (العصمة) على ساستنا، وصار كل فريق يُؤبلس الفريق الآخر، وصرفوا اهتماماتهم إلى المناورات والمداورات الحزبية، بدلاً من توجيهها إلى معالجة التشرذم والتخبط.
إلى الآن، لا أستطيع القول بأن ساستنا حصّنوا شعبنا في الغرب، والأخطر من هذا أنهم تركوا بعض شبابنا فريسة في أيدي الجهات المعادية، وها هم الشوفينيون والظلاميون يجنّدونهم في كتائب تحت إشرافهم، وسيحوّلونهم إلى أحصنة طروادة يقتحمون بها مجتمعنا، وقد فعلوا ذلك في Serê Kaniyêوحلب، وليست غفلة هؤلاء الشباب هي المسؤول الوحيد عن هذه الظاهرة المخيفة، وإنما المسؤول الأول هو أنانية أحزابنا، هو الحرص على (الأطماع) الحزبية، مع أنها في حكم التاريخ مجرد (أوهام).
فمتى يبادر ساستنا إلى لمّ شملنا حول إستراتيجية إقليمية وأخرى كردستانية؟
ومتى يوفّقون بين النضال ضمن (مشروع المواطنة) و(مشروع التحرير) معاً؟
ومهما يكن، فلا بدّ من تحرير كردستان!
5 – 1 – 2013