الرئيسية » دراسات » دراسات في الفكر القومي الكردستاني (الحلقة 11) هل مشكلتنا مع أنظمة تقمعنا .. أم مع دول تحتلنا؟

دراسات في الفكر القومي الكردستاني (الحلقة 11) هل مشكلتنا مع أنظمة تقمعنا .. أم مع دول تحتلنا؟




حينما يتأمل المرء حال الأمة الكردية لا يسعه إلا أن يقول كما قال كالڤن: “إن المستقبل يفزعني، ولست أجرؤ حتى على التفكير فيه”. (وِل ديورانت: قصة الحضارة، ج 26، ص 206).
أجل، إن مستقبلنا كأمة مُفزع حقيقة؛ إذ مع كل حدث طارئ نتفاجأ بذهنيات ومواقف وأفكار يحتار المرء أين يصنّفها، هل يضعها في خانة الجهل؟ أم في خانة الغفلة؟ أم في خانة الحماقة؟ أم في خانة النرجسية السروكاتية والحزبية؟ أم في خانة ثقافة العبودية؟ أم يصنفها في خانة هي مزيج من كل ما سبق.
ما هي مشكلتنا الأساسية؟
لقد قيل “ينجح الأشخاص ذوو الأهداف؛ لأنهم يعلمون إلى أين يذهبون”. (هال أوربان: الدروس الكبرى للحياة، ص 167). فهل حددنا هدفنا؟ وهل نعرف إلى أين نذهب؟ ثمة حشد من الأدلة تؤكد أننا لا ندري إلى أين نذهب تحديداً، وأننا نعاني قصوراً في الرؤية، والأخطر من هذا أننا نعاني انفصاماً في الشخصية والذهنية، وأصابتنا عدوى الذهنيات التي تستعمرنا، فأصحابها يرفعون أنبل الشعارات، ويمارسون أنذل الممارسات، وها نحن أيضاً ننادي صباح مساء بوحدة الكرد وكردستان، ونرفع شعار “Yan Kurdistan Yan neman” ونمارس طوال الوقت مبدأ “Yan ez Yan neman”، وهذه ال Ez إما شخصية أو حزبية أو سروكاتية.
إلى الآن لمّا ندركْ أن مشكلتنا الأساسية هي مشكلة “وطنٌ محتل، وشعبٌ مستعمَر”، وإلى الآن لم نتمكّن من تحديد هدفنا الحقيقي، وصياغة مشروع تحرري شامل متكامل، ولم نتمكّن من الاجتماع- ولا أقول: التوحّد- في إطار جبهة كردستانية واحدة، ولم نتمكّن من الاتفاق على لغة مشترَكة للقراءة والكتابة، ولم نتمكّن من تأسيس هيئة قيادية كردستانية عليا، ولم نتمكّن من الاتفاق على علم كردستاني واحد، ولم نتمكّن من اتخاذ قرارات مصيرية مشتركة، فأية كارثة أخطر من هذه؟!
إن مشكلتنا الأساسية هي أننا في قبضة دول تحتل وطننا وتستعمرنا بقرارات سيادية دولية، تلك هي الحقيقة، والمؤلم أننا نعكس المعادلة، ونحصر مشكلتنا في “أنظمة تقمعنا”، وليس في “دول تحتلنا”، وماذا تعني هذه المعادلة المعكوسة؟ تعني أننا أدرنا ظهورنا- فكراً وإرادةً وقراراً- للمشروع التحرري الكردستاني، واعتنقنا (المشروع الوطني) في إطار الدول المحتلة، وكأن المشكلة هي هذا النظام وذلك الحاكم، وليست الدولة المحتلة والثقافة التي أنتجت النظام والحاكم.
المعادلة المعكوسة:
ودعونا نتناول حالنا مع دولة العراق: ففي إطار المعادلة المعكوسة، ركّزنا كل جهودنا المادية والمعنوية على الخلاص من النظام البعثي الشوفيني ورئيسه صدام حسين، وتوهّمنا أننا حققنا نصراً لا مثيل له بإدخال المادة (140) في الدستور العراقي الجديد، فماذا كانت النتيجة؟
النتيجة أن العراق بقي- بحسب الدستور- دولة تحتل كردستان الجنوبية، وبقيت مشكلة المناطق الكردستانية المحتلة خارج حدود الإقليم الفيدرالي كما هي، وأنتجت (دولةُ العراق) الجديدة نسخةً جديدة من (فيصل، وقاسم، والبَكْر، وصدّام) هي (نوري المالكي)، وأنتجت آليات جديدة لقصقصة أجنحة الإدارة الكردية الفيدرالية، تمهيداً للانقضاض عليها، وإعادتها ثانية إلى حظيرة (الدولة المركزية).
ولنتأمل وضعنا في (دولة سوريا) أيضاً، فمنذ انطلاقة الثورة ضد النظام البعثي الشوفيني ورئيسه بشار الأسد، دخلنا في الميدان ليس وفق معادلة “وطنٌ محتل، وشعب مستعمَر”، وإنما وفق المعادلة المعكوسة إياها، وسرعان ما تشرذمنا بين جماعات المعارضة وكتائب (الجيش الحر) المتناطحة، وصرنا نتخاصم: هل نرفع العلم البعثي أم العلم السابق؟ وهل نحن مع إسقاط النظام بالقوة أم سِلماً؟ وهل نحن مع الاستعانة بقوة خارجية أم ضد ذلك؟ ولم يتردّد بعضنا في أن يكونوا في مقدّمة مَن غزوا شعبنا في حيّ الأشرفية بحلب، وفي مدينة Serê kaniyê (رأس العين).
إن ركْضنا خلف المعادلة المعكوسة، يذكّرني بالموقف التاريخي التالي:
خلال الصراع على (الخلافة) بين الخليفة عليّ بن أبي طالب ومنافسه مُعاوية بن أبي سُفيان والي بلاد الشام، تعرّض علي لعملية اغتيال على يد أحد الخوارج في سنة (40هـ)، وبايع أنصارُه ابنَه الحسنَ بالخلافة، وأدرك الحسن أنه غير قادر على مواجهة مُعاوية، فدخل في مفاوضات سرية معه، وطالب بامتيازات مالية لنفسه ولأهل بيته وبعض كبار أنصاره.
ماذا كان ردّ معاوية؟ أرسل له صحيفة فارغة عليها ختمه من الأسفل، ” وَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَنِ اشْتَرِطْ فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ الَّتِي خَتَمْتُ أَسْفَلَهَا مَا شِئْتَ، فَهُوَ لَكَ”. واشترط الحسن ما أراد، وتنازل لمعاوية عن الخلافة سنة (41هـ)، أي أنه ربح الامتيازات وخسر (الدولة)، وكان سهلاً على معاوية بعدئذ أن يقصقص جناحيه، ويدسّ له السمّ عن طريق زوجته جَعْدة بنت الأشعَث سنة (49هـ)، ويسترجع جميع الامتيازات التي جاد بها.(الطبري: تاريخ الطبري، ج 5، ص 162. وابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج 3، ص 5، 85. والمقدسي: البدء التاريخ، ج 6، ص 54).
إن سلالات المحتلين يلعبون معنا اللعبة ذاتها، إن لسان حالهم يقول: اعترفوا باحتلالنا، وبالعيش في إطار دولتنا، ولكم بعدئذ أن تحصلوا على ما تريدون من حقوق ثقافية واقتصادية. وهم إذ يجودون بهذه الوعود يعرفون أنهم قادرون- عبر نافذة (الدولة)- على تجريدنا مستقبلاً من الحقوق التي وعدوا بها، ويقوموا بالدور الشوفيني ذاته الذي يقوم به نوري المالكي في دولة العراق إزاءنا.
ومع ذلك ثمة سؤال ينتصب أمامنا، وهو التالي:
بما أننا لا نملك الآن مشروعاً كردستانياً تحررياً يحقق لنا (دولة كردستان)، فهل من الحكمة أن نتخلّى عن النضال في إطار (مشروع المواطنة) ضمن دول الاحتلال؟ أليس عصفور في اليد خيراً من عشرة على الشجرة؟
إنه لتساؤل مهم حقاً، وسنحاول الإجابة عنه في الحلقة القادمة.
ومهما يكن، فلا بدّ من تحرير كردستان!

23 – 12 – 2012