الرئيسية » دراسات » دراسات في الفكر القومي الكردستاني (الحلقة التاسعة) لماذا أسّس العثمانيون ألوية الفرسان الحميدية؟!

دراسات في الفكر القومي الكردستاني (الحلقة التاسعة) لماذا أسّس العثمانيون ألوية الفرسان الحميدية؟!




لا ريب في أننا- نحن الكرد- نعيش واقعاً خاطئاً وشاذّاً؛ سواءً بالمعايير القومية أم بالمعايير الأخلاقية والإنسانية، وثمة أدلة كثيرة تؤكد أن مسؤولية هذا الواقع الخاطئ والشاذ تقع علينا أولاً، أكثر من أن تقع على (الآخر) الإقليمي والدولي.
أجل، عند كل منعطف تاريخي مصيري في تاريخ أمتنا، ومع اشتعال كل ثورة من ثوراتنا، كان الفريق الأهريماني (الأنانيون، المغفلون، الحمقى، الخونة) ينبتون فجأة كالفطر في مجتمعنا، ويتحوّلون إلى حصان طروادة فارسي/ تركي/ عربي/مستعرب، ويتسلل المحتلون عبرهم إلى صفوفنا، ويضربوننا في العمق، ويدمرون جهود نُخَبنا العظماء، وكانت (ألوية الفرسان الحميدية) إحدى المصائب التي هبطت علينا من خلال الفريق الأهريماني، وإليكم قصتها:
في عهد السلطان عبد الحميد الثاني (1876 – 1909م)، كانت الروح القومية تنمو وتتوسع عند الشعوب التي كانت تحت الاحتلال العثماني (الأرمن والكرد والعرب وشعوب البلقان)، وكان لا بد من تكتيكات جديدة تستعين بها الدولة العثمانية لوأد تلك الروح، فمن جهة رفع السلطان عبد الحميد الثاني شعار “يا مسلمي العالم، اتحدوا”! وبادر من جهة أخرى إلى إنشاء (ألوية الفرسان الحميدية)، وكان الكرد يمثّلون الخطر الأكبر على العثمانيين، بسبب كثرة العدد، وسعة الرقعة الجغرافية، والموقع الجيوسياسي، وسعى العثمانيون بتأسيس (ألوية الفرسان الحميدية) إلى تحقيق ما يلي:
1 – ربطُ القبائل الكردية في شمالي كردستان بالدولة العثمانية عامة، وبشخص السلطان خاصة (تسمية: الحميدية)، وخاصة أن العثمانيين كانوا يعرفون النزعة العسكرية عند الكرد، فلماذا لا يوظّفونها في خدمتهم بدل أن تصبح بلاء عليهم؟
2 – زيادةُ تفتيت المجتمع الكردي القبلي، وإثارة النعرات وزرع الأحقاد بين القبائل الكردية، من خلال تنسيب بعضها إلى ألوية الفرسان، واستبعاد قبائل أخرى، وخاصة القبائل العلوية، وتسليط بعضها على بعض.
3 – تسليطُ الكرد المسلمين على الكرد الأيزديين، وعلى جيرانهم المسيحيين، وخاصة الأرمن، وإيهام الكرد بأن الأرمن هم أعداؤهم الأكثر خطراً، وليس الدولة العثمانية.
4 – توظيفُ القوة القتالية الكردية في الحروب ضد الروس في الشمال، وضد شعب البلقان في الغرب، فالعثمانيون كانوا يعلمون أننا (شعب خدمات) مخلص.
5 – قطعُ الطريق على تطور الوعي القومي الكردستاني، وإجهاض مشروع التحرير الكردستاني الذي لاحت تباشيره في ثورة (1842 – 1847م) بقيادة الأمير بدرخان بگ، وربط الكرد- من خلال قادة القبائل- بالمشروع العثماني الإسلامي Pan- Islam.
وصحيح أن تأسيس هذه الألوية يعود إلى حوالي سنة (1878م)، لكنها توسّعت وتطوّرت بعد ثورة (1880م) الكردية، بقيادة الشيخ عُبيد الله نَهْري، ومع أن الشيخ كان من شيوخ الطريقة النقشبندية، لكن أفكاره ومواقفه تدل على ظهور وعي قومي متقدّم في كردستان، ولأول مرة في تاريخنا الحديث تحرّرت ثوراتنا من الطابع الديني والوطني المبهَم، واكتسبت بُعداً قومياً واضحاً، والدليل على ذلك:
1 – أن الثورة لم تصبح أداة في أيدي المحتلين الصفويين والعثمانيين، بل كانت حرباً ضد الفريقين، ولذلك تعاونوا في القضاء عليها.
2 – شملت الثورة أجزاء من وطننا شرقاً وشمالاً وجنوباً، ولم يستبعد الشيخ عبيد الله توظيف جميع طاقات الشعب الكردي فيها، “حتى لو اضطررتُ إلى تجنيد النساء” حسبما قال ذات مرة. (Jwaideh: The Kurdish National Movement, p. 233.).
3 – في إطار الثورة عُقد أول مؤتمر كردستاني في شَمْدينان أواخر يوليو/تموز (1880)، حضره بعض نُخب الكرد من معظم أجزاء كردستان، ونوقشت فيه القضية الكردية داخلياً وإقليمياً ودولياً (أليس عجيباً أن يقوم الشيخ عبيد الله بذلك، ويعجز ساستنا الآن عن عقد مؤتمر قومي/وطني؟). (جليلى جليل: انتفاضة الأكراد 1880، ص 64 – 66).
4 – في يوليو/تموز (1880) أعلن الشيخ عبيد الله في رسالته إلى نائب القنصل البريطاني كلايتون CLYTON في باشكال BAŞKAL أن: “الأمّةُ الكردية شعبٌ له خصوصيته،… إننا نريد أن تكون شؤوننا في أيدينا “. (Arshak Safrasrtian: Kurds and Kurdistan, p. 62 – 63.).
وكانت الألوية الحميدية بقيادة المشير زكي پاشا، زوج أخت السلطان عبد الحميد، ولم يكن مسموحاً للألوية أن تتوحّد إلا في أوقات الحرب وتحت إمرة القيادة العامة، وكان مفروضاً على القبائل أن تقدم لوزارة الداخلية أعداد أفرادها الذين تتراوح أعمارهم بين السابعة عشرة والأربعين عاماً، وكان من المفروض أن يُرسَل قادة الألوية إلى مدارس خاصة تسمّى (مدارس الفرسان الحميدية) Hamidiye Süvari Mektabi في إستانبول، طبعاً لغسيل أدمغتهم، وحتى إذا بلغ الكردي رتبة كولونيل، كان يجب أن يكون مساعدوه من القوات العثمانية النظامية.
وكانت القبائل التي لها سجلّ حافل بالولاء للدولة هي المفضّلة لإنشاء لواء أو كتيبة، وكان من الضروري أن تكون القبائل سُنّية المذهب، وتمّ استبعاد القبائل العلوية، وكانت القبائل المنسوبة إلى الألوية تتلقّى الأسلحة، وتزداد قدرتها على السيطرة وعلى إرهاب القبائل الأصغر، وكانت الألوية الحميدية تُرسَل للقتال ضد القبائل غير المطيعة للدولة، هذا إضافة إلى أن القبائل الكبيرة والقوية غير المرغوب فيها- حتى وإن كانت سنّية- كانت تُستثنى من الانتساب إلى الألوية (Kodaman: Hamidiye Hefif Sûvari Alaylari, p. 437.).
ومهما يكن، فلا بدّ من تحرير كردستان!

14 – 12 – 2012