الرئيسية » دراسات » دراسات في الفكر القومي الكردستاني (الحلقة السابعة) حذارِ من دخول التاريخ بلقب ( أبو رِغال الكردي )!

دراسات في الفكر القومي الكردستاني (الحلقة السابعة) حذارِ من دخول التاريخ بلقب ( أبو رِغال الكردي )!




خلال الصراع بين الروم والفرس للسيطرة على (طريق البخور) التجاري المتجه من اليمن إلى السواحل السورية، عبر غربي شبه الجزيرة العربية، شجّع الروم حلفاءهم المسيحيين الأحباش على احتلال اليمن سنة (525 م)، وبنى الأحباش هناك كنيسة فخمة، ونشروا المسيحية، وجعل بعض العرب يحجّون إلى الكنيسة بدل الكعبة، فذهب عربيان وتغوّطا في الكنيسة خِلسةً، فحلف أبرهة أنه سيهدم الكعبة. (فيليب حتي وآخران: تاريخ العرب ص 99 ).
ونفّذ أبرهة تهديده سنة (570 م)، وقاد جيشه نحو مكة، واستعان في مدينة الطائف (جنوبي مكة) بعربي يُدعى (أبو رِغال)، ليكون دليل الجيش إلى مكة، وقام أبو رغال بالمهمة، وحاصر أبرهة مكة، ثم فكّ الحصار وتراجع لأسباب غامضة، وذكر القرآن هذه الحادثة في سورة (الفيل). ومات أبو رغال، فرجم العرب قبره، وهو أحد الأماكن التي يرجمها الحجاج باسم قبر (الشيطان) (الطَّبَري: تاريخ الرسل والملوك، 2/132. والأزرقي: تاريخ مكة، ج1، ص 142).
والحقيقة أن في تاريخنا كثيرين ممن قاموا بدور (أبو رِغال)، فكانوا أدلاّء للغزاة، وساعدوهم على احتلال وطننا، وقبضوا الثمن أموالاً ومناصب، وأحياناً فعلوا ذلك فقط نكاية بخصومهم الكرد، وكان من الضروري أن يقيم أسلافنا نُصباً للخيانة والعمالة في كل مدينة كردستانية، ويقوم الكردستانيون- في يوم نوروز- بإلقاء نظرة استنكار واحتقار عليه، وليس رجمه؛ لأن الرجم ليس من ثقافتنا.
في سنة (716 ق.م) قام الملك آزا بن إيرانْزو، ملك مملكة مَنناي (من أسلافنا)، بدور (أبو رِغال)، فوضع مملكة منناي تحت نفوذ الملك الآشوري سَرْجُون الثاني، نكايةً بإخوته المنافسين له على العرش (دياكونوف: ميديا، ص 198 – 199).
وفي سنة (550 ق.م) قام الزعيم الميدي هارپاك بدور (أبو رِغال)، نكايةً بالملك الميدي الأخير أستياگ (أسْتِياجيس)، فتآمر مع الملك الفارسي كورش الثاني، ومكّنه من احتلال أگباتانا (هَمذان/آمدان) عاصمة إمبراطورية ميديا، وكانت تلك أكبر كارثة حلّت بأمتنا، ومنذ 25 قرناً ندفع ثمنها قهراً، وفقراً، وتشريداً وتقتيلاً. (هيرودوت: تاريخ هيرودوت، ص 91 – 93 ).
وفي سنة (1514 م)، قام ملا إدريس بَدْليسي بدور (أبو رِغال)، فأدخل زعماء الكرد في الشمال إلى (القِنّ) العثماني، في عهد السلطان سليم الأول، وقبض الثمن ذهباً وثياباً فاخرة، وكثيراً من عبارات المديح، وتدرّج العثمانيون في القضاء على الاستقلال النسبي لتلك الإمارات، إلى أن ألغاها السلطان محمود الثاني رسمياً سنة (1839م) (محمد فريد بك المحامي: تاريخ الدولة العلية العثمانية، ص 454)، ووضعَ كردستان تحت الاحتلال المباشر، وما زال الكرد يدفعون ثمن ذلك غالياً.
وفي سنة (1923م) قام بعض النواب الكرد في البرلمان التركي- منهم الميجور (بِنْباشي) حسن خَيْري- بدور (أبو رِغال)، فأكّدوا لممثلي القوى الكبرى أن الكرد يريدون البقاء مع إخوتهم الترك في دولة تركيا، فتسبّبوا في سقوط معاهدة سيڤر، وإحلال معاهدة لوزان المشؤومة محلّها، وما زال الكرد يدفعون الثمن غالياً.
وجدير بالذكر أن حكومة آتاتورك حكمت على حسن خَيْري بعدئذ بالإعدام، بتهمة أنه كان فخوراً بارتداء الزيّ الكردي القومي في جلسات البرلمان، ولم ينتبه حسن خيري- رحمه الله- إلى خطئه الفادح إلا تحت حبل المشنقة، فصرخ قائلاً:” يا شهداء كردستان! ها هو حسن خَيري ينضم إليكم الآن”!
والآن، ألا يقوم حوالي (70) نائباً كردياً في حزب العدالة والتنمية التركي بدور (أبو رِغال) في شمالي كردستان؟ هل هؤلاء النوّاب الكرد نسباً، والأردوغانيون عقيدةً، سوى أدوات لتمرير سياسات الفاشيين الإسلاميين الترك في المجتمع الكردي، وإبقاء الكرد تحت قبضة الطورانيين؟
فإلى متى تبقى أمتنا مبتلاة بـ (أبو رِغال الكردي)؟ إلى متى تتسلّط علينا أنانيّتنا وغفلتنا وحماقتنا، وحماوة رؤوسنا، فنقدّم الخدمات المجّانية للمحتلين على حساب شعبنا ومستقبل أمتنا؟ متى نكفّ عن التفكير بذهنيات ركّبها لنا المحتلون؟ ونكفّ عن العمل بأجندات صاغها المحتلون؟ ونكفّ عن اعتناق مفاهيم اصطادنا بها المحتلون؟ متى نُدرك أن مساهمتنا في الإبقاء على الدول التي تحتل كردستان إنما تنصبّ في طاحونة الفاشيين الفرس والترك والمستعربين؟
أجل، متى نتعامل مع (أَبْرَهة) الفارسي/التركي/المستعرب على أنه مجرد محتل ومستعمر وغاصب؟ متى نُدرك أن (أبرهة) هذا لن يكون صديقاً لنا أبداً؟ متى نُدرك أنه سينبذنا نبْذَ النَّواة حينما يستهلك قدراتنا؟ متى نتحرر من ذهنية (أبو رِغال)، ونلتزم بقضيتنا الأساسية، قضية (وطنٌ محتلّ، وشعبٌ مستعمَر)، وليست (قضية حقوق مواطنة) في هذه أو تلك من الدول التي تحتل وطننا؟
ليس من منهجي التشكيك في كردستانية أحد من شعبنا، لكن أشدّ ما أخافه هو أن يدخل بعض ساستنا ومثقفينا وشبابنا المعاصرين- من حيث لا يدرون ولا يريدون- في خانة (أبو رِغال الكردي)، ويتعاملوا – من حيث لا يدرون ولا يريدون- مع قضيتنا الكبرى في إطار أجندات أنظمة المحتلين فرساً وتركاً ومستعربين.
وكيف لا نخاف وها هم المحتلون ينسّقون فيما بينهم للقضاء علينا كأمة، في حين ينشغل بعضنا بتخوين بعضنا الآخر، وبالتجييش على بعضنا الآخر، وبإعلان الحرب على بعضنا الآخر، ولا يتوحّدون في إطار جبهة كردستانية واحدة؟
ألا فحذارِ ثم حذارِ! إن كل مجد لا يكون في إطار مجد الأمة هو عار.
ألا إن حكم التاريخ لا يرحم، وذاكرات الشعوب لا تَنسى.
ومهما يكن، فلا بدّ من تحرير كردستان!

2 – 12 – 2012