الرئيسية » دراسات » دراسات في الفكر القومي الكردستاني (الحلقة السادسة) متى نوظّف العقل الكردي الثاني في قضايانا؟

دراسات في الفكر القومي الكردستاني (الحلقة السادسة) متى نوظّف العقل الكردي الثاني في قضايانا؟




سمعت أن أحد البدو العرب المخالطين للكرد كان يعضّ على إصبعه (تعبيراً عن التحسّر)، ويقول: آخ لو كان لي العقل الكردي الثاني! فسئل: لماذا لا تريد العقل الكردي الأول؟ فقال: العقل الكردي الأول معه الخسائر والبلايا، أما العقل الكردي الثاني فمعه الصواب والنجاح.
وقد أصاب البدوي، فالعقل الكردي الأول نتاج حماوة الرأس، والأنانية، والغفلة، والحماقة، وضيق الأفق، والذهنية الساذجة، والخلط بين المؤقّت والدائم، وبعد أن يجرّ الكردي على نفسه وأسرته وأمته المصائب والآلام، ينتبه إلى أخطائه، ويندم حيث لا ينفعه الندم، ويتخذ القرار الصائب، معتمداً على التفكير الراجح، والرؤية البعيدة، والبصيرة النفّاذة، والموازنة بين الربح والخسارة.
وكنت قد تناولت (العقل الكردي) بالتحليل الموسَّع في واحدة من حلقات (دراسات سوسيولوجية في الشخصية الكردية)، وذكرت الخصائص التالية:
1 – عقل عنيد وجريء واقتحامي، وليس هروبياً.
2 – عقل ينزع إلى الواقعية، والمعرفة العلمية والفلسفية.
3 – عقل حيوي (ديناميكي)، وليس جامداً (استاتيكياً).
4 – عقل منظَّم، قادر على اكتشاف النظام في الموجودات.
5 – عقل قادر على التجديد والإبداع، وليس نمطياً.
6 – عقل ينزع إلى التمرد والثورة، وليس عبودياً.
7 – عقل قادر على المساهمة في التقدم الحضاري.
وجميع هذه الخصائص الإيجابية نتاج (العقل الكردي الثاني) الذي تمنّى البدوي أن يمتلكه، والمؤلم أن معظم بلايا (العقل الكردي الأول) انصبّت على رأس الأمة الكردية، ومعظم خيرات (العقل الكردي الثاني) ذهبت إلى جيوب محتلي كردستان فرساً وتركاً ومستعربين. أجل، بـ (العقل الكردي الأول):
1 – سلّمنا إمبراطورية ميديا للفرس، وتحوّلنا من سادة إلى أتباع.
2 – أدخلنا في تاريخنا سلسلة طويلة من الغفلة والحماقة والخيانة.
3 – أسقطنا دولنا وإماراتنا طوال العهود الإسلامية.
4 – أشعلنا العداوات القبلية والدينية والطائفية المدمّرة.
5 – أجهضنا انتفاضاتنا وثوراتنا، وأرحنا المحتلين.
6 – أنتجنا رقماً قياسياً في عدد الأحزاب والحركات.
7 – عجزنا عن تأسيس مرجعية كردستانية عليا.
8 – عجزنا عن الاتفاق على راية كردستانية واحدة.
9 – عجزنا عن توحيد لهجاتنا في لغة قومية واحدة.
10 – عجزنا عن توحيد مواقفنا في المواقف المصيرية.
وبـ (العقل الكردي الثاني) قدّمنا للمحتلين الخدمات التالية:
1 – خدمنا الفكر السياسي للمحتلين، ورسّخنا توجّهاتهم الشوفينية، نذكر: (المفكر ضيا گُوك أَلْپ، أحد أبرز منظّري القومية التركية (تركيزم) في كتابه (مبادئ القومية التركية)، وبهذه المبادئ أقام آتاتورك دولة مركزية طورانية، سحقت ثورات شعبنا بوحشية. ونذكر علي صالح السَّعْدي، السكرتير العام لحزب البعث الفاشي العراقي سنة 1963م، والذي لم يقصّر في معاداة الكرد). (جوناثان راندل: أمة في شقاق، ص 352. دانا آدمز شمدت: رحلة إلى بلاد شجعان، ص 355).
2 – خدمنا سياسات المحتلين أحسن خدمة، لاحظوا كم في تاريخ الفرس والترك والعرب والمستعربين من حكام ووزراء تفانوا في خدمة سادتهم، وأداروا ظهورهم لأمتهم، نذكر منهم: (الأسرة الساسانية التي خدمت الفرس قبل الإسلام، وأسرة الوزراء البَرامكة التي خدمت الخلفاء العباسيين، والأسرة الأيوبية التي خدمت الترك والعرب، والأسرة الصَّفَوية التي خدمت الفرس، والرؤساء والوزراء الذين خدموا تركيا والعراق وسوريا في القرن العشرين).
3 – خدمنا عسكريتاريا المحتلين أفضل خدمة، وحاربنا من أجل قضاياهم ببسالة؛ فقديماً فتحْنا آسيا الصغرى، وقدّمناها غنيمة للفرس الأخمين، وحديثاً حاربْنا ضد الحلفاء في تركيا، وطردنا الجيش اليوناني من إزمير وغيرها، وحاربْنا ضد الإنكليز في العراق، وحاربْنا ضد الفرنسيين في سوريا (يوسف العَظمة، إبراهيم هنانو)، وليتنا بذلنا ربع تلك الجهود العسكرية في خدمة قضايانا.
4 – خدمنا ثقافات المحتلين في جميع المجالات، لغوياً، وأدبياً، ودينياً، وعلمياً، وفنّياً، راجعوا مصادر التراث الفارسي والعربي والتركي، ستجدون المئات من العلماء واللغويين والأدباء والفقهاء والمفكرين الذين أنفقوا العمر في تطوير ثقافات المحتلين، وليتنا أنفقنا واحداً من الألف من تلك الجهود في خدمة ثقافتنا.
تُرى إلى متى نبقى شعبَ خدمات في الشرق الأوسط؟
أما حان أن نوظّف العقل الكردي الثاني في خدمة قضايانا؟
ومهما يكن، فلا بدّ من تحرير كردستان!

29 – 11 – 2012