الرئيسية » مقالات » لا بدّ من أربيل وإن طال السفر

لا بدّ من أربيل وإن طال السفر

رغم يقيني بأن تظاهرات المنطقة الغربية سلمية، إذ لم نر خلاف ذلك على مدى شهرين منذ انطلاقها لحد الآن، لكني خفت على بغداد حين سمعت بنية نقل التظاهرات إليها. وصرت أترقب أي بارقة أمل تزيح الخوف عن قلبي. كنت أتساءل: أما من عاقل يخاف الله فيك يا بغداد ليسكت أصواتا تزبد وترعد وتنذر العراقيين بيوم مذبحة؟
وكأنها استجابة من الله لدعاء الأمهات والفقراء والمنكوبين والمضحوك عليهم باسم المذهب والدين، ارتفعت أصوات بعض العقلاء فجأة من بين قادة التظاهرات وغيرهم تدعو المتظاهرين إلى تأجيل أو إلغاء فكرة الزحف نحو بغداد. وحين لمست في المتظاهرين استجابة للنداء، أحسست بجبل من الهم قد انزاح عن صدري. وما أثقل الهم لولا فسحة العقل.
أتت الأخبار تنبئُنا بأن وفدا من دولة القانون توجه يوم الثلاثاء الفائت إلى أربيل برئاسة مستشار للمالكي والتقى بالرئيس بارزاني. وفي موازاة ذلك كانت هناك زيارات مماثلة لقياديين من التحالف الوطني، من بينهم وفد من التيار الصدري، وقبلها من قادة في القائمة العراقية. وقبلها بيوم كان هناك عنوان في صحيفة “القبس” الكويتية يقول: “بارزاني يتوسط لعدم نقل التظاهرات إلى بغداد”. وتحته ورد انه: “بينما عاشت الساحة البغدادية حالة من القلق والترقب إثر إعلان المتظاهرين في الرمادي نقل تظاهرتهم إلى بغداد – الجمعة المقبلة – وإقامة الصلاة في مرقد الإمام أبي حنيفة في الأعظمية، ذكرت مصادر مطلعة في إقليم كردستان لـ القبس أن رئيس الإقليم مسعود بارزاني دخل على خط التهدئة وأقنعهم بالعدول عن التوجه إلى بغداد”. شيء يعيد للذاكرة أزمة تشكيل الحكومة الحالية وكيف قصدت وفود المالكي أربيل عندما ضاقت الدنيا بوجه استقتاله للاحتفاظ بكرسي الولاية الثانية.
أستحضر وجوه ائتلاف دولة القانون التي يممت شطرها اليوم صوب أربيل، فأتذكر منهم ياسين مجيد وكمال الساعدي وسامي العسكري وهجومهم المتواتر على الإقليم ورئيسه. فالمجيد يرى أن ما من قارعة حلت بالعراق إلاّ ووراءها كردستان. والساعدي يؤكد أن “لا تفاهم ينفع مع بارزاني الذي لا يقبل أي مرجعية” ويجزم أن مطالبه “تجاوزت كل الحدود والدستور والمعقول”. أما العسكري فلا يتورع من اتهام الزعامات الكردية بأنها تلعب على موضوع الخلافات السنية الشيعية، معتبرا أن الحديث عن ائتلاف شيعي كردي “أكذوبة”. فإن كان كذلك فعلام ذهبتم إليهم اليوم؟
لا أريد الشماتة بقدر ما أريد أن يكرمنا هؤلاء بسكوتهم من الآن فصاعدا وجزاهم الله عن العراق ألف خير. وأود أن أهمس بأذن بسطاء الشيعة الذين صدقوا الأقاويل السابقة وتحمسوا لها حتى بات بعضهم يناشدنا الهجوم على رئيس الإقليم بدون أي مبرر حين ننتقد المالكي بحجة “الحيادية” التي يتاجر بها البعض زوراً. ما زلت أذكر أن احد مقربي المالكي، الذي اندس باسم مستعار يوم انتقدت إخفاق الأجهزة الأمنية في حماية زوار الإمام الكاظم، ليطالبني بأن أنتقد رئيس الإقليم أيضا. أجبته في يومها أن الإمام ليس كرديا، ولا يقع مرقده في وسط أربيل!
دولة القانون يهاجمون أربيل وقت الرخاء ويفتقدونها وقت الشدة. ولا عجب، إذ “في الليلة الظلماء يفتقد البدر”.
المدى