الرئيسية » مقالات » من المسئول يا ترى الاتحاد أم الحكومة؟

من المسئول يا ترى الاتحاد أم الحكومة؟

لا أحد مع الإضراب وتعطيل العملية التعليمية كهدف بحد ذاته، فالإضراب لم يكن أكثر من وسيلة مشروعة نقابية محمية بالقانون للمطالبة بتحسين أوضاع المنضوين تحت رايتها، ومنعا للفوضى والالتباس وحماية الحقوق كان العمل النقابي مشروعا في الفلسفة التي تقوم عليها النقابات، ولكن إذا لم يتم تلبية المطالب الحقوقية، أو تم التوصل إلى اتفاق غير محدد في الجدول الزمني، مع عدم احتفاظ النقابة المعينة بحقها في استئناف نشاطاتها يكون هنا الخلل في العمل النقابي، وهذا ما حدث في الاتفاق الأخير بين الحكومة واتحاد المعلمين الفلسطينيين، وقرر الاتحاد وقف جميع النشاطات النقابية، فالاتفاق لم يكن فيه شيء سوى إقرار الحكومة بحق المعلمين، هذا الإقرار الخالي من أي بعد إلزامي أو فترة زمنية للتنفيذ، وكأن الاتحاد وقع في فخ الحكومة والمصيدة إما لتدارك الوضع الكارثي في مدارسنا وتفادي حالة الإرباك الحاصلة بين صفوف العاملين في القطاع التربوي، وإما أنه تناسى أو تجاهل هذه النقطة أو لم يكن يعلم أهميتها، وعلى كلتا الحالتين لا أحد يلزم الحكومة بما أقرت فيه من حقوق، وعلى أحسن حال سنظل نعيش على أمل تنفيذ هذا الاتفاق الفضفاض الذي تنقصه كثير من التوضيحات وخاصة في النسب المقررة في الزيادة، وسيظل صغار الموظفين يشتاقون لرواتبهم التي أضحت معلقة على غيمة في السماء تمر فيستبشرون بالمطر، وإذا بها تمر سريعا لتصب في جيوب الفاسدين من موظفينا الشرفاء، وعشتَ يا وطن الأحرار والدم والمقاومة!!
هذا عن الإضراب، فماذا عن التعليم؟
ولا أحد كذلك يشك من العاقلين والمتابعين والغيورين على العملية التربوية في فلسطين أنها في وضع ينحدر يوميا نحو الهاوية، ففي كل سنة تتدنى الحالة أكثر، والأسباب كثيرة ومتنوعة ومتشعبة أولها وأهمها أن التعليم في هذا البلد المحظوظ بالاحتلال لم يكن على سلم الأولويات، لا على سلم أولويات الحكومة ولا على سلم أولويات الاتحاد؛ ففي أقل المناسبات التنظيمية والوطنية لم تتجه أنظار القائمين على تلك الفعاليات إلا إلى المدارس لتمارس عمليات التحشيد من أجل الزعيق والهتاف والتصفير والتصفيق للخطب الجوفاء في تلك الاحتفالات المتكاثرة، وكأننا في موسم انتشار الفيروسات في كل مناسبة وفي كل حين. وهذا جعل الطلاب والمعلمين والمديرين والمسئولين يتلهفون على مثل هذه المناسبات، لأن فيها تعطيلا للدوام، فلك الحمد يا رب ما أكثر مناسباتنا، وما أقل الدوام! فلتفرح أيها الوطن، يا وطن الخطب والشعارات!!
هذه واحدة، وأما الثانية فإنه على كثرة ما يعد من برامج تطوير وتدريب للمعلمين فإن المخرجات تتراجع وبشكل فاضح، وذلك في رأيي يعود إلى سبب مهم يتمثل في أن تلك البرامج لم تكن لتلبي حاجة تطويرية حقيقية للمعلم، فالدورات تعقد وتنفذ ويطلب لها المعلمون دون تخطيط، فالمهم هو إعداد الدورة وتنفيذها، وحضور المعلمين أجسادا خلال التدريب، وينفض السامر بعدها، فلا متابعة ولا تقدم ولا تقييمٌ حقيقي للعمل، ويظل المعلم كما هو لم يستفد شيئا، وعلى الرغم من أن وزارة التربية والتعليم تعلم مدى الفشل الذي منيت به الكثير من المشاريع التدريبية والتطويرية إلا أنها ما تزال في غيها سادرة، تعد وتنفذ، وتحصي الخسائر في نهاية العام، ونحن كما قال المثل الشعبي (قَتِّلْ جنادب واحسب أرواح)، فلا طائل من وراء ذلك، ويتحمل من ينفذ هذه الدورات تزيين العمل للوزارة، فيأخذ الجميع بتدبيج الكلام عن أهمية الدورة ومدى استفادة المعلمين منها، وفي النهاية يذوب الثلج ويبان العوار والخلل في نتائج الطلاب التي تهزمنا وتجعلنا نحمّل المسؤولية للأهل وللطلاب أنفسهم، فهم لا يريدون التعليم ولا يرغبون فيه، فهل يعقل أن يكون صف بكامله مثل الصف الخامس الأساسي مثلا لا يرغبون في الدراسة والعلم، لتكون نسبة الناجحين في الاختبارات الوزارية مخزية جدا ليس في الصف الخامس وحده، بل في كل الصفوف المستهدفة في هذا المشروع الذي أثبت ما هو مثبت دون إيجاد حلول ناجعة، ولكننا تعودنا سياسة التبرير أيها الوطن المزين بالغار في أبجدية الليل الطويلة!!
أما ثالثة الأثافي في عملية التعليم وهو النظام التعليمي نفسه بما يفرضه من مناهج غير تعليمية، مصوغة بارتجال واستعجال وبغير سوية مهنية، وعلى الرغم من عمليات التجميل المبرحة وعمليات التعشيب المجرِّحة إلا أنها بقيت مناهج محرجة وغير صالحة للتعليم، فهي تمتاز ببعدها الثقافي المعرفي وليست تعليمية بالمعنى المحدد لمفهوم المنهاج، والمشكلة ليست في الطول أو القصر، وإنما في طبيعة التركيب، ومن أراد الإيضاح فالدراسات التي تناولت المناهج الفلسطينية تكشف عن ذلك، والمؤتمر الذي تم عقده بهذا الخصوص في شهر أكتوبر/ تشرين أول عام 2011 في جامعة بير زيت كشف عن سلبيات وكوارث منهجية في تلك المناهج، ناهيك عن كثرة المباحث والحصص وسوء الإدارة في التوزيع وما شاكلها، ولكن فلتنبسط أساريرك أيها الوطن لقد غدا عندك منهاج فلسطيني مكتوب عليه دولة فلسطين ومطبوع عليه العلم الفلسطيني، فهذا يسد جوع العلم والتعليم ويغني عن كامل الدسم!!
والآن فلنعد إلى الإضراب، فهل فكر اتحاد المعلمين الفلسطينيين يوما أن يخوض نضالا نقابيا من أجل تحسين أوضاع التعليم؟ وهل فكر هذا الاتحاد المغوار أن يمنع التنظيمات بأن تنتهك حرمة التعليم والمدارس؟ وهل فكر اتحاد المعلمين الفلسطينيين أن يقود إضرابا من أجل من فصلوا من التعليم على خلفيات سياسية، وهل فكر الاتحاد بمقاومة الفساد الكبير أم الاتحاد طينة من مطينة واحدة اسمها الحكومة؟ ولتفرح أيها المعلم عندك اتحاد معلمين!!
فكل علامات التعجب لا تكفي استنكارا لما يقوم به الاتحاد وما تقوم به حكومتنا الرشيدة، ولتستبشر أيها الجهل لقد غدوت أصلب عودا من ذي قبل!!