الرئيسية » الآداب » (الجنس والمدينة) رواية البحث عن الطمأنينة

(الجنس والمدينة) رواية البحث عن الطمأنينة

صدرت عن دار الساقي (بيروت ولندن) ترجمة عربية قام بها عابد إسماعيل للرواية الأمريكية “الجنس والمدينة” للكاتبة الأمريكية كانديس بوشنيل، وتقع في (365) صفحة من القطع المتوسط موزعة على (27) فصلا، وقد سبق أن ترجمت هذه الرواية إلى (33) لغة، وفاقت مبيعاتها (3) ملايين نسخة، واستلهمتها السينما بفلمين سينمائيين، ومسلسل تلفزيوني شهير يحمل الاسم نفسه.
تتولى السرد في رواية “الجنس والمدينة” أربع نساء يتحدثن عن مجتمع نيويورك، وتحديدا عن تلك العلاقة التي تحكم الرجل والمرأة في تلك المدينة، وهي بالطبع تتحدث عن شريحة واسعة من المجتمع، بفئات متعددة ثقافية وسياسية وأناسٍ عاديين، ناجحين وفاشلين، في زمن روائي طويل ممتد إلى ما يزيد عن ثلاث سنوات، تعرض فيه الكاتبة كثيرا من الشخصيات التي تدخل في علاقات اجتماعية وصداقات وطيدة وطارئة، وعلاقات جنسية متنوعة، مثلية وغيرية، وهي بهذا كشفت عن جانب مهم من جوانب المجتمعات الغربية، وخاصة المجتمع الأمريكي، وتحديدا مدينة نيويورك.
ولكن، هل مدينة نيويورك تسبح في محيط من الجنس والمتعة العابرة؟ وهل تعد رواية الجنس والمدينة رواية جنسية؟ وهل العلاقات الجنسية بين تلك الشخصيات علاقات مقصودة بحد ذاتها؟ هذه التساؤلات وغيرها سأحاول الإجابة عنها فيما يلي بشيء من الإيجاز مع التوضيح.
لعلك تقع في الفخّ إن كنت مراهقا وتبحث عن الكتب الجنسية، فتقبل على قراءة الرواية وكلك شوق لتقرأ عن تلك المشاهد المثيرة جنسيا، ولكنك ستكتشف أن الرواية وإن تحدثت في موضوعها الأساسي عن الجنس إلا أنها لا تسعى إلى تصوير مشاهد جنسية ساخنة ومثيرة إلى ذلك الحد الذي يتمناه المراهقون والباحثون عن متعة القراءة في كتاب جنسيّ.
لقد تحدثت الرواية عن الجنس باعتباره مدخلا غريزيا وطبيعيا عند الإنسان، ولكن الكاتبة من خلال الرواية تقدم أفكارا حول طبيعة تفكير الناس، ولماذا يقبلون على الجنس المجرد عن الحب والارتباط برباط الزواج، ومن خلال تلك الحوارات بين الشخصيات سنكتشف أن الناس لا يستطيعون العيش بدون أن يمارسوا الجنس، ولكنهم أيضا لا يرغبون بممارسة الجنس وهم مرتبطون بعلاقة حب أو زواج لأن تلك العلاقة المحكومة بهذين الأمرين ستكلف كثيرا والناس في أغلبهم غير مستعدين لذلك، أو أنهم لم يجدوا الشخص المناسب، ولكن ستكون أي امرأة مناسبة لممارسة الجنس. يعلق (سيكبر): “أنا، ببساطة لا أصدق أنني سألتقي الشخص المناسب، وأتزوج”، ويضيف موضحا وجهة نظره في الحب “وإذا كنت تؤمن بالحب فأنت تهيئ نفسك لخيبة الأمل، لا يمكنك أن تثق بأحد. الناس فاسدون جدا هذه الأيام”/ الرواية ص 10-11
إذن، ربما يعاني الناس من أزمة ثقة نتيجة تلك الحياة الحديثة التي تفرض نوعا معينا من طراز العيش، فلن يكون غريبا إذن أن يشعر أحدهم بأنه منحوس جدا لأنه ولد في هذا الجيل، فالحياة الحديثة لها متطلبات كثيرة، فإن أقبل الشخص على الزواج، فهل سيكون اختياره موفقا؟ وهل سيكون قراره حكيما؟ وهل هو قادر على أن يلبي كل احتياجات أسرته وأطفاله؟ تلك الاحتياجات التي لن تقف عند حد تلبية الحاجيات الضرورية، ولكن هناك احتياجات أخرى أهم وتحتاج إلى وقت، فرعاية الأسرة والأبناء واهتمام الزوجين بعضهما ببعض يحتاج إلى وقت كبير فأين هو الوقت المتاح لذلك؟ يقول المحرر روبرت: “ثمة الكثير مما يجب القيام به. من منا يملك الوقت ليكون رومانسيا”. الرواية/ ص16
ربما من أجل ذلك لا يلتفتون إلى الزواج ولكنهم أيضا لا يستطيعون العيش دون ممارسة الجنس؟ فماذا يفعلون إنهم بالمؤكد سيعانون من أزمة نفسية ما، ويسعون إلى الطمأنينة ولو مؤقتا، فليس عجبا أن تراهم يهربون إلى المتعة العابرة وتعاطي المخدرات.
إنه لمن الطبيعيّ أن يبحث الناس رجالا ونساء عن الحب والزواج في أي مجتمع يعيشون فيه، ولكن لا بد من توافر الظروف المناسبة، الأمر هنا متعلق بالمرأة والرجل على حد سواء، ولنقل إنه متعلق بنمط الحياة لو أردنا الحديث بشكل موضوعي أكثر، فمدينة نيويورك “أنجبت نمطا خاصا من المرأة العازبة- ذكية، جذابة، ناجحة … وغير متزوجة أبدا”/ الرواية ص41.
هذا بالنسبة للمرأة وماذا عن الرجل وما الذي يريده؟ إن الرجال منهكون ومثقلون بأعباء كثيرة، والزواج سيكلفهم كثيرا من الانضباط والإخلاص والوفاء، وربما لا يستطيعون، فالانجذاب الأولي للمرأة لا يعني أن تكون زوجة جيدة، لاسيما وأن أغلب النساء والتي تتحدث عنهن الرواية تجاوزن سن الخامسة والثلاثين، فالزواج من إحداهن كما يفكر الرجال سيكون منصبا على إنجاب الأطفال فقط، وليس على إقامة علاقة حب تسودها الرومانسية، يعبر (جورج) عن ذلك قائلا: “إن الأمر متعلق بإنجاب الأطفال، ولا أحد يريد أن يفعل ذلك مع امرأة تجاوزت الخامسة والثلاثين لأنه ينبغي في هذه الحالة إنجاب الأطفال على الفور”. الرواية ص45. إذن الأمر متعلق “بالعمر والبيولوجيا”.
وأما الناس والمزاج العام الذي يحكمهم في هذه المدينة فتعبر عنه الرواية بـ “المشكلة في أنه، في نيويورك، يصعب إرضاء الناس بسبب شعورهم الفردي بأدنى التفاصيل”. الرواية/ ص44-45، فالناس في نيويورك “فئة من البشر تتمتع بامتيازات هائلة، وسلم معاييرهم مرتفع جدا”. الرواية/ ص45.
لا تسير الرواية كلها على نمط واحد من الحديث، بل إن الكاتبة بعد أن تعرض تخيلات الناس الفانتازية عن الجنس وتنوعاته بشتى الأشكال: الجنس الفردي والثنائي والثلاثي والجماعي، والغيري والمثليّ، تناقش أفكارا لها قيمتها في الرواية، وكأنها تقول: وماذا بعد أن تشبع رغباتك الجنسية؟ عما تبحث بعدها؟ فكل التخيلات التي قد تفكر بها متاحة في نيويورك، ولكن ماذا بعد؟ لذلك فإن الرواية تكشف عن جانب مخفي تخلفه العلاقات الجنسية، والتي ربما قد تسبب في انهيار الشخصية وتبدل حالها وطموحاتها؛ ففي الفصل الرابع عشر والذي يتحدث عن شخصية (العظم) وهو عارض أزياء للملابس الداخلية، فإن الجنس والتفكير فيه غيّر مجرى حياته، فقد كان طالبا مجتهدا ويحلم بأن ينجب أطفالا عندما يكبر، “لطالما رغبت بإنجاب الأطفال مذ كنت طفلا، إنه حلمي”. الرواية/ ص179، وبسبب تحرش أحد أساتذته به في الجامعة، “لم يرجع العظم إلى صفه أبدا. بعد ثلاثة أشهر أخرى، غادر الكلية نهائيا”. الرواية/ ص175. ويتم القضاء على حلمه لينخرط في حياة نيويورك الصاخبة، ليظهر في نهاية الرواية وهو “ما يزال يعمل عارض أزياء”. الرواية/ ص364
تصل الكاتبة في الجزء الأخير من الرواية إلى الهدف والغاية من كتابتها، لتبين للقارئ أن الناس يبحثون عن الحياة الحقيقية وعن الهدوء والاطمئنان، ولكن كيف يمكن أن يتحقق ذلك؟ يبدو شيء من ذلك في مناقشة العلاقة بين (كيري وبيغ) عندما نصحت (أمالتيا) (كيري) بعدم ترك السيد (بيغ) “لا تفعلي، تمسكي به، بالطبع أنت جميلة وستجدين مئات الرجال ممن يحاولون الاتصال بك، ويريدون أن يكونوا معك، ولكن أنت وأنا نعرف الحقيقة. نعرف شيئا عن الحياة الحقيقية. أليس كذلك” الرواية ص 336-337.
وتختم كانديس بوشنيل الرواية بإجمال عام حول الشخصيات التي يمكن اعتبارها محورية في الرواية، لتخبرنا عما أسفرت عنه حياتهم في نيويورك، وبالتالي يدرك القارئ أن الناس ما زالوا هناك كما هم، يبحثون عن الطمأنينة والحياة المستقرّة، فهل ستصلح نيويورك لذلك، ربما من أجل هذا الغرض تتخلى (سامانثا جونز) عن نيويورك وتذهب إلى لوس أنجلوس، فهل ذهبت فقط من أجل جوائز الأوسكار؟