الرئيسية » مقالات » اختطاف طفلة قاصرة .. قضية صراع بين قوى الظلام والحقوق المدنية

اختطاف طفلة قاصرة .. قضية صراع بين قوى الظلام والحقوق المدنية

اختطف بائع متجول من مجمع “كه له ك جى ” فتاة قاصرة تبلغ من العمر 11 سنة و 5 شهورا من مجمع شيخكا بهدف الزواج منها وأسلمتها .

ولما كان الزواج في هذه السن المبكرة وعن طريق الاختطاف مقبولا لدى المسلمين وفق شريعة دينهم ، فإنه يعد مخالفة صريحة للقوانين المدنية وتحديا صلفا لها وكذلك تعد جريمة كبرى وواضحة المعالم بحق الطفولة ، قبل مخالفته للمحرمات الدينية لأقلية تعرضت على يد نفس أبناء هذه العشيرة الكردية المسلمة لعشرات الحالات من الاختطاف بين قصور صاحباتها أو نضوجهن ، علاوة على إن الأمر يعد إساءة صارخة للتعايش السلمي بين مكونات المجتمع الواحد المختلفة في انتماءاتها .

وعلى هذا الأساس ، فإن ما حصل يعد أمرا طبيعيا بالنسبة إلى الفاعل ومن حوله ومن سبقوه لسببين اثنين .

1- كما بينت في أعلاه فإن الشريعة الإسلامية لم تضع قيودا أو حدودا لا بخصوص سن الزواج ولا بخصوص سبي النساء . فهناك لدى الإسلام يمكن للمرء أن يعقد زواجه أو نكاحه على أية امرأة عندما يشتهيها بغض النظر عن عمرها أو بلوغها من عدمه أو قصورها ، والعائق الوحيد لذلك هو شرط موافقة وليها الشرعي ، و لكم أن تحكموا كم من الجرائم ارتكبها هؤلاء الأولياء بحق بناتهم حتى في الإسلام نفسه عندما أقنعوا أنفسهم بأن الزواج في السن الذي يختاره هو لأبنته ، هو لمصلحتها ، هذا من جانب وأما في الجانب الآخر فإن سبي نساء الكفار هو أمر مشروع انتقل من زمن الفتوحات إلى عصرنا الحالي وهو الوجه الحقيقي لعملية اختطاف فتيات المكونات الدينية الغير مسلمة لدى البعض القليل من العشائر الكوردية للأسف الشديد والتي تتكرر بين فترة وأخرى .

ففي قضية سيمون يتوفر الظرفان أو الشرطان فهي أولا، تجاوزت العاشرة من العمر ولذلك فإن زواجها أمر شرعي من وجهة النظر الأنفة الذكر في أعلاه أي عدم وجود تحديد سن الزواج في الإسلام ، وثانيا ، فإن شرط موافقة ولي أمرها لتزويجها تنتفي الحاجة إليه عندما تكون المسألة هي مسألة اختطاف الذي تتحقق فيه كل شروط السبي لدى هؤلاء القوم عندما يعود تفكيرهم إلى زمن الفتوحات والحروب التي كانت من أهم نتائج انتصار طرف على طرف هو السلب والنهب والسبي وهنا فإن النساء يدخلن في دين جديد تتوفر لهن مكاسب وهي أفضل من القتل مع ذويهن من المقاتلين وفق هذه المقولة الاسلامية “سبي النساء الكافرات من قبَل المسلمين قد يجر عليهن خيراً عظيماً ، وذلك بأن تدخل في دين الله تعالى فتصير مسلمةً ، وهي بذلك تُنجي نفسها من الخلود في نار جهنم” ولاشك إن غالبية القراء الكرام سمعوا أو شاهدوا أو عانوا من عمليات الأنفال التي أرتكبها نظام صدام حسين في عام 1988 بحق الشعب الكوردي ، والنساء اللائي يجري سبيهن أو أنفلهن هن جزء من غنيمة الكفار المستولى عليها و “الأنفال هي الغنائم التي ينفلها اللّه من أموال الكفار” وهذا يعني إن سيمون الكافرة أنفلت وأصبحت على دين حق .

2- رب سائل يسأل ولكن القوانين العراقية المدنية هي التي تحكمنا جميعا ، وبالتالي فهي تساوي بين كافة المكونات العراقية وفقا لما جاء في دستور العراق الدائم ( العراقيون متساوون أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس او العرق او القومية او الاصل او اللون او الدين او المذهب او المعتقد او الرأي او الوضع الاقتصادي او الاجتماعي .. المادة 14 من الفصل الأول “الحقوق ” أولا – الحقوق المدنية والسياسية) ، ولكن هل يتحقق هذا ولو في مفصل واحد من مفاصل الحياة ، الحقيقة لا يمكن إثبات هذا أبدا ، فأبناء المكونات الدينية الغير مسلمة يتعرضون باستمرار إلى الإساءات القانونية ، وأول هذه الإساءات فإنهم يعيشون تحت خيمة دستوردولة دينية ، دينها الرسمي هو الإسلام وهو مصدر أساسي للتشريع ، وهذا الأمر لوحده يكفي أن يكون سببا لمخاوف بقية المكونات الدينية في العراق والإجحاف بحقوقهم الدستورية فضلا عن بقية ما جاء به الدستور الدائم للعراق عندما يؤكد في المادة 2 .أولا. أ بأنه (لا يجوز سن قانونٍ يتعارض مع ثوابت احكام الاسلام)

ومن هنا فإن زواج سيمون لا يتم إلا وفقا للقوانين العراقية التي سترجع بأسباب اتمامه إلى المبادئ المبينة اعلاه . والجدير قوله هنا إن كل ما يحصل من إصرار في ارتكاب المزيد من الجرائم من هذا النوع من قبل أبناء عشيرة حسن نصر الله والإبقاء على أبوابها مشرعة وتمريرها في ظل سيطرة حكومة الإقليم على هذه المناطق والصمت العجيب من قبل مدافعي حقوق الإنسان والطفولة والمرأة ليس إلا تملصا من مدنية المواد الدستورية وقبولا على تحريف مسار بناء دولة مدنية تحقق المساواة الواردة في الدستور العراقي .

وعند الحديث عن هذه القضية لا أريد الدخول في تفاصيل أكثر عن مدى الغدر الذي تتعرض له المكونات الدينية بين دستور يشرع المزيد من الحقوق والمساواة لكل العراقيين وبين السلطات والمجتمع اللذان يخرقان على الدوام كل بنود الدستور وكل القوانين المدنية ويعتديان بصلافة على حقوق وحريات الأقليات .

3- إذا كان كل ما تحدثت به في الفقرة 1و2 من موضوعي هذا متوقعا ويمكن أن يحصل في كل يوم في مناطق الأيزيدية أو مناطق تجمع بقية الأقليات الدينية ، فإن الأمر الغير متوقع أن تنبري بعضا من منظمات المجتمع المدني وما يسمى بالمنظمات المدافعة عن حقوق المرأة والطفولة والإنسان علاوة على شخصيات نسائية ومحرر اللقاء مع الخاطف والمختطفة من قناة ك ن ن للدفاع عن الاغتصاب حتى ولو كانت الضحية طفلة كسيمون حيث لم يتعدى عمرها الحادية عشرة و5 شهورا وهناك في هذا الشأن اثباتات واضحة يقدمها والدها أما الرأي العام عبر الصحافة ليس بالإمكان التلاعب بها بسهولة. فالمنظمات والشخصيات النسائية التي وقعت على نداء موجه إلى القيادة ا لكوردستانية والمحافل الدولية اثر حادث خطف سيمون يرتبكون خطئا فاضحا ليس بحق الأيزيدية عندما يتهمونهم بقاتلي الفتاة دعاء أو إثارة غيرها من المظاهر السلبية بصدد هذا المقتل المدان من قبل المجتمع الأيزيدي وإنما بحقها أو حقهن ، فهنا نجد إن هذه المنظمات وقفت علنا إلى جانب اغتصاب ليس فقط المرأة وإنما القاصرات منهن بشكل خاص ، و بهذا فهي واهمة جدا بأن مثل هذا الدفاع عن الاغتصاب والنشاط المناوئ للطفولة سوف يكون له مكانة بين سطور وتاريخا طويل وعصيب خاضته النساء الديمقراطيات والمتحررات في العالم والعراق وكوردستان عبر منظماتها الديمقراطية وبمساندة القوى الاجتماعية والسياسية السليمة حتى تحققت الكثير من المنجزات التاريخية للمرأة والطفولة وإنسانيتها ، فنساء نداء سيمون ومنظماتها والرجال الذين التفوا حولهن سوف لن يرتقوا إلى مصافي المناضلات والمناصرين الحقيقيين ولن يكتب التاريخ عنهن أو عنهم كأبطال ومدافعين عن حقوق النساء ، بل سيفضحهم إلى نهاية التاريخ بأنهن وإنهم من دعاة الاغتصاب ، لأن نداءهم يدعو صراحة إلى حق حسن في اغتصاب الطفلة سيمون ، ويدعوا في نفس الوقت إلى التمرد على القانون المدني ، وهذا أبشع انتهاك .

ولاشك إن هذا الانتهاك جاء ليترجم ما ذهب إليه الصحفي الفلتة أمير كوران من قناة ك ن ن الذي وقع في أكثر من مطب ، إذا لم يكن في إمكان القانون محاسبته واتخاذ اجراءات رادعة بحقه كونه خالف مهنيته بسبب طبيعة القوانين الغير قادرة من الخروج عن دائرة بعضا من المواد التي تكبلها ، فإن لعنات كل من يشعر بضرورة التضامن مع حق الطفولة وحقوق المرأة ومناهضي الاغتصاب ستبقى تلاحقه على مر الأجيال ، بسبب محاولته قلب كل الحقائق المتعلقة بطفولة سيمون ، إذ قلب الدنيا رأسا على عقب ولم يقعدها لإقناع المشاهدين بأنها امرأة بالغة السن وليست طفلة وأنها مسئولة عن افعالها وأشهرت إسلامها عن وعي بعد نزول الوحي عليها وعندما أقتنع بأن كل ذلك صحيح فلم يعتبره جريمة وتستر عليها بصراحة علاوة على توجيه أقذر تهمة لكافة الأيزيدية بأنهم قتلة دعاء وذلك على لسان الطفلة الضحية سيمون وتقويلها بأنني لو عدت إلى أهلي فإنهم سيقتلونني كما قتلوا دعاء.

4- عند الحديث عن القوانين المدنية العراقية أو العربية ، لا يمكن أن ننسى دور النساء المتحررات والديمقراطيات ومنظماتهن ودور القوى الديمقراطية والعلمانية ونضال الشعوب العربية الذي استطاع تحقيق الكثير من المنجزات من خلال سن قوانين مدنية لصالح المرأة والعمل من أجل مساواتها مع الرجل وغيرها من القوانين التي ترتبط بها كقوانين حماية الطفولة والأمومة وما إلى ذلك ، وفي نفس الوقت لا يمكن نسيان المقاومة العنيفة الضارية لقوى الظلام التي انتهكت كرامة المرأة بهمجية لا نظير لها عبر قرون عديدة من الزمن .

ولا ننسى إن هذا الصراع لما يزل متواصلا بعنف ، يتأثر بالأحداث التاريخية وموازين القوى ، فكلما كانت القوى المدنية والعلمانية قادرة على تعبئة الشارع وقيادة النضالات الجماهيرية ، كانت في نفس الوقت قادرة على تحقيق المزيد من المكاسب الدستورية والمنجزات التقدمية لصالح المرأة ، و استطيع القول إن هذا الضغط على قوى الظلام كان شديدا إلى فترة السبعينات من القرن الماضي ، عندما بدأت حركات التحرر في البلدان العربية تتراجع أو تترواح في مكانها أو تحولت إلى قوى معادية لمصالح شعوبها بسبب تحول مواقعها الطبقية عند أدارتها للسلطة وتبنيها للنهج الدكتاتوري البشع في البقاء على دفة الحكم ، وبسبب ظروف تاريخية معقدة لست بصدد الحديث عنها استعادت القوى الدينية المتخلفة نشاطها واستعادت بعض مواقعها في السلطة على مستوى المنطقة وانتشر الإسلام السياسي المتشدد والمتطرف في الحياة السياسية هنا وهناك ، مما شكل تراجعا في الحقوق المدنية للشعوب وفي مقدمتها حقوق المرأة ، فقد تعرضت تلك الحقوق إلى هجوم واسع من قبل قوى الظلام و ظهر ذلك جليا بعد سقوط النظام الدكتاتوري وعند بدايات تبوء قوى الإسلام السياسي للسلطة ومحاولتها النيل من القوانين التي تحمي حقوق المرأة وكرامتها وإنسانيتها .

وما من شك إن المجتمع الكوردستاني بدأ يتأثر بشكل مباشر بهذا المد الديني على حساب المد القومي وبدأت لأول مرة تتشكل وتنتشر بشكل علني منظمات وأحزاب الإسلام السياسي في كوردستان بعد الانتفاضة ، وخاضت نشاطها على مختلف المستويات واتخذت من مختلف أساليب العمل نهجا لها بما فيها اللجوء إلى العنف ، ولابد من القول إنها استفادت من الدعم الذي كانت تستلمه من دول الخليج وتوسعت رقعتها الجماهيرية اثر قيام ثورات الربيع العربي والتي سرقها الإسلام السياسي المتطرف في غالبيتها ، ومن هنا بالذات بدأ المجتمع الكوردستاني يتبنى العديد من التهديدات للتعايش الديني الذي استقر لفترة غير قصيرة من الزمن وأصبح الأيزيدينون لأكثر من مرة هدفا مباشرا لهذه التهديدات ، ومن هنا أيضا نستطيع القول إن كل هذا يتفاعل مع قضية سيمون سلبيا ، فليس تقرير أمير كوران في ك ن ن سوى فصلا آخرا ضمن هذه المسلسل ولن يكون نساء نداء سيمون سوى زيادة في تفعيل هذه التهديدات لتدوير عجلتها بوتيرة أسرع .

5- إذا كان حال القوانين كذلك والقضاء يحكم وفقا لها وسلطات الإقليم والمركز غير قادرة على ايجاد مخارج لمثل هذه القضايا والحد من جرائم على هذه الشاكلة بالرغم من إن المرتكب أو المرتكبين يعيشون على أرض من المفترض تقع تحت سيطرتها ، فإنه ليس بوسع ضحايا هذه الجرائم إلا اللجوء إلى الرأي المحلي والعالمي العام والمنظمات المناهضة بشكل فعلي للجرائم التي ترتكب بحق المرأة بمختلف أشكالها ، وذلك لتحريكها من أجل الضغط على مرتكبي مثل هذه الجرائم وكذلك للوقوف معها من اجل سن قوانين تستجيب للمساواة بين الجميع دون استثناء من خلال الدعوة إلى :

– سن دستور يفصل الدين عن الدولة .

– سن قوانين مدنية تحقق العدالة في كل مجالات الحياة بين المواطنين العراقيين بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية والعرقية والطائفية.

– سن قوانين خاصة تحقق للمرأة مساواتها وتصونها من أي تجاوز على حقوقها .

– سن قوانين لتجريم التميز الديني والعرقي والطائفي .