الرئيسية » شؤون كوردستانية » تحية من القلب لكوردسات المناضلة

تحية من القلب لكوردسات المناضلة




على مدى ثمانية أيام الماضية، قامت قناة كوردسات بحملة قومية فذة لجمع التبرعات العينية لمهجري غربي كوردستان، و نجحت في مسعاها القومي هذا نجاحاً منقطع النظير، حيث ألهبت المشاعر الوطنية الكوردستانية الوثابة في نفوس الملايين، من بنات وأبناء الشعب الكوردي، في عموم كوردستان الكبرى. وأن تجاوب الجماهير الكوردستانية الإيجابي مع الدعوة، كان خارج حدود التوقع، حيث شوهدت المجاميع الكثيرة من النساء و الشيوخ و الأطفال و الرجال وهم يزحفون إلى المواقع المخصصة لجمع التبرعات، و يحملون بأيديهم أو على أكتافهم أكياساً و صناديقاً مليئة بما تحتاجها العوائل الكوردية المهجرة. حتى أن الشركات و الدوائر الرسمية و شبه الرسمية لم تتخلف عن الركب، و شاركت بكثافة عالية، و قدمت الكثير مما يحتاجها الكوردي المُهَجَرْ، من المأكل و الملبس و أثاث المنزل، الخ. شكراً للكونتيسة كوردسات، لقد حركتي مشاعر الكوردايتي التي زعم البعض أنها ذبلت في نفوس الكورد، وجيشتي الأحاسيس الوطنية، حتى في قلوب الأطفال الرضع، الذين توافدوا مع ذويهم على مواقع جمع التبرعات، و تبرعوا بما لديهم من دمى و سيارات اللعب وغيرها، لأطفالنا المُهجرين من غربي كوردستان. إن المساهمة الملائكية البريئة لبراعم كوردستان، ذكرني بقصيدة للجواهري الكبير، اسمها “كوردستان يا موطن الأبطال” وهو يصف فيها مساهمة الطفل الكوردي الرضيع في الثورة الكوردستانية التحررية، يقول فيها: “وملاعب الفتيان من أبناءه … بالذكريات خصيبة تتضرم … كتل تساهمت الضحايا بينها… حتى الرضيع بفقد أمه يسهم”. لكن الرضيع الكوردي في جنوبي كوردستان لا يفقد أمه اليوم، لأن الإرادة الكوردية انتصرت، و الطفل الكوردي في الإقليم الكوردستاني يعيش في رغد و سلام و وئام و يشارك النساء والرجال، و يمد يد العون، لأطفال جزء آخر من وطننا، كوردستان، الذي لا يزال يرزح تحت نير الاحتلال البغيض، و لا يزال أطفاله يفقدون أمهاتهم بحراب القوى المتوحشة، أعداء الإنسانية.
في حياتي التي جاوزت الخمسين بثمان سنوات، كنت شاهداً عدة مرات على تهجير الكورد القسري، من وطنهم كوردستان، وفي إحدى المرات كنت أحد ضحاياه. في كل مرة، يُخيب الكورد ظن المحتلين، حين يُهجرون يدوسون بأقدامهم على تلك الخطوط الوهمية التي تسمى الحدود، و يوحدون الأمة الكوردية، التي مزق وطنها إلى أشلاء من قبل القوى الاستعمارية البغيضة، وفي كل مرة يتعرض جزءً من الأمة الكوردية إلى اعتداء سافر وتتعاطف الأجزاء الأخرى من كوردستان معه يصبح بمثابة استفتاء، على أن الأمة الكوردية واحدة موحدة أرضاً و سماءً و تاريخاً. من منا لم يشاهد تهجير الكورد الفيلية سنة (1980) إلى إيران من قبل نظام البعث المجرم، حينه شاهد العالم كيف استقبلت مدن شرقي كوردستان المهجرين بالأحضان، و قدمت لهم كل أنواع المساعدة التي يحتاجونها. أنا لي تجربة شخصية عشتها في الأسابيع الأولى للتهجير، حين وطأت قدماي أرض شرقي كوردستان تحدثت بملأ فمي مع المهجرين الكورد الذين كانوا معي، و مع إخواني الكورد في كرمانشاه و إيلام، بأننا شعب له خصوصيته و وطننا اسمه كوردستان مثل أوطان الآخرين، مثل هذا الكلام لا يهضم عند الحكومة الإيرانية و أجهزتها الأمنية، فلذا خضعت لسين وجيم من قبل ما يسمى بالحرس الثوري الإيراني. وأثناء احتجازنا في إحدى البنايات شاهدت رجلاً وقوراً من الأخوة الإيلاميين وأصر هذا الرجل الملائكي أنه سيقدم كل الضمانات لكفالتي و إخراجي من تلك الدائرة الرهيبة، إلا أن الجهاز الذي أدار الموقع أبى أن يمنحني وثيقة الكفالة، من الأسباب التي تذرعوا بها، لأني قلت، أنا كوردي و وطني كوردستان، و إيلام جزءً من هذا الوطن المغتصب، وعلى أثر هذا الكلام، كما أسلفت، تعرضت للتحقيق و قالوا لي بالحرف، سنقتلك، إلا أن الكفيل الذي بعثه لي الخالق، وليست لي معه معرفة سابقة،أنه شخصية معروفة في المدينة، وكلمته مسموعة، أنقذني من أيديهم بأعجوبة، و استضافني في بيته و قدم لي جميع أنواع المساعدة، ولا أنسى وقفته وشهامته معي ما حييت. في نهاية السبعينات بعد قيام الجمهورية الإسلامية في إيران، وإصدار فتوى بقتل الكورد، هاجرت الآلاف من العوائل الكوردية إلى جنوبي كوردستان، رغم صعوبة الظروف و أعين نظام البعث الدموي، التي كانت تراقب كل كوردي يقترب من مخيمات هؤلاء اللاجئين الذين حشروا فيها حشراً، إلا أن إخوانهم الكورد في الإقليم، تحدوا جبروت نظام البعث، و قاموا بواجباتهم القومية تجاه إخوانهم على أكمل وجه. و في سنة 1991 أعيدت الكرة، و على أثر الهجمة العروبية العنصرية، التي قادها النظام البعث المجرم، و جيشه الفاشي، على جنوب كوردستان، لجأت مئات الآلاف من الكورد، إلى إخوانهم في شمالي وشرقي كوردستان، واستقبلوا هناك استقبال الأخ لأخيه و الأخت لأخته، حتى تحررت إقليم كوردستان نهائياً من براثن الحكومة العراقية وعادوا جميعاً إلى مدنهم و قراهم معززين مكرمين.
الآن جاء الدور على أخواتنا و إخواننا في غربي كوردستان، الذين يتعرضون للتهجير من مدنهم و قراهم على أيدي العتاة، من كلا الجانبين، الجيش الأسدي و ميليشيات الكلبي. لا ننسى أن نظام البعث السوري المجرم قام في الستينات القرن الماضي، بسحب الجنسية السورية من مئات الآلاف منهم، لا لشيء إلا لأنهم ينتمون للشعب الكوردي، وأصدر النظام مراسيم جمهورية، بتغيير أسماء مناطقهم، من الكوردية إلى العربية… إلا أن بشائر التحرير في الآونة الأخيرة، بدأت تلوح في الأفق، حيث تقوم فصائل الشباب الكوردي بالدفاع عن حياض الوطن، و تقف كالطود الشامخ، سداً منيعاً في وجه قوى الظلام و الشر. و قبل لجوء إخواننا من الغرب الكوردستاني، لجأ إلى الإقليم منذ أكثر من عقدين عدة آلاف من أبناء شعبنا من الشمال الكوردستاني، وهم متواجدون منذ سنوات في مدينة مخمور، التابعة لمحافظة أربيل، و يلقون مساعدات أخوية من لدن الجهات الرسمية في الإقليم.
كما يقول المثل، الشجرة المثمرة هي التي تتعرض للرمي بالحجارة، وهذه هي حال قناة كوردسات، التي نجحت نجاحاً باهراً، وأثمرت عملها القومي بنجدة أبناء جلدتنا وإنقاذهم من وضعهم المأساوي، و أظهرت من خلال شاشتها للقاصي و الداني، أن روح الكوردايتي بخير بين الكورد بكل شرائحهم. لكن للأسف الشديد، أن قوى المعارضة الكوردستانية، بألفها و عينها، تريد أن تصطاد في الماء العكر، حيث بدأت قنواتها الفضائية منذ الوهلة الأولى للحملة، ترمي كوردسات و الحكومة المنتخبة في الإقليم، بحجر جلبوها من بغداد و طهران، وكعادتهم، يشككوا بكل شيء يقوم به أي طرف في الإقليم الكوردستاني الفتي، خارج تحالفهم الثلاثي، الذي يرعب الإنسان الكوردي، و يحسسه بمثلث برمودا، الذي لا يعرف من أين يستمد نشاطه المخيف، الذي يلتهم كل شيء يمر بجانبه. منذ اللحظة الأولى لحملة كوردسات، قامت المعارضة من خلال وسائلها الإعلامية التي لا نعرف من أين تُمول، ببث الوهن و التشكك في نفوس المواطنين الكورد، كي لا يبادروا بالتبرع لإخوانهم الذين هم بأمس الحاجة إلى المساعدة. يا ترى زرع الشقاق و النفاق و التشكك بين الكورد، يخدم من،غير أعداء الكورد و محتلي وطنهم كوردستان؟!!. لنفترض جدلاً، حتى لو لم تكن للمعارضة مسئولية مباشرة كما لحكومة الإقليم عن أوضاع أخواننا الذين لجئوا إلينا، وهم في حالة يرثى لها، أليس أنهم كتنظيمات كوردستانية مسئولين مسئولية تضامنية مع هؤلاء البشر، الذين استصرخوا أخوانهم في الإقليم، وهم كمعارضة كوردية في الإقليم، مدعوون أيضاً أن تقدم يد المساعدة لإخوانهم، أو أنهم لا يعتبرون أنفسهم…؟. منذ سنوات و قنوات القوى المعارضة الكوردية في الإقليم لم تبث خبراً إيجابياً عن حكومة الإقليم، وكأنها في حملة انتخابية، تحاول بكل السبل و الطرق أن تشوه أي عمل تقوم بها الحكومة، وأخيراً حاولت تشوه المبادرة الإنسانية لقناة تلفزيونية كان الهدف من ورائها إنساني محض، وصرحت القناة، أن الحملة التي تقوم بها كقناة كوردية، ليست باسم أية جهة سياسية أو حكومية. نأمل أن تكون المعارضة عندنا كما في الدول المتقدمة، حيث تكون لها استقلالية القرار و تكون لها بوصلتها الكوردستانية، لا أن تأذن في طهران تتوضأ أنت في كوردستان، يجب أن تتعلم المعارضة الكوردستانية، أن لكل أذان مكانه و وقته. وإحدى أطراف المعارضة من أجل مصلحة آنية ضيقة يدوس على مصلحة الإقليم، وعلى الجرح الكوردي النازف، و يقترب من المالكي و الشهرستاني، اللذان يعاديان الكورد، و يجيشان الشارع ضده، و يتناسى هذا الطرف المعارض، أن الذاكرة الكوردية مع الحكومات العراقية… مليئة بالدم، لا تمحى بهذه البساطة، إذا لا تصفي بغداد نيتها مع الكورد، و تطبق ما جاء في الدستور الاتحادي بالحرف. بالأمس حدث خلل في إحدى الجامعات في الإقليم، وعلى أثره يقال أن أحد الأساتذة أبعد من الجامعة، سرعان ما تلقفه الجانب المعارض (العلماني) و أوصله إلى البرلمان السويدي. لنفترض جدلاً، أن الجامعة أخطأت، وأبعدت هذا الأستاذ من وضيفته كما يُزعم، هل إيصال مثل هذا الحدث الإداري إلى البرلمانات الأوروبية يخدم الكورد و قضيتهم؟!! أم يضر بمصلحة الكورد، مضرة كبيرة لا تقاس بالإضرار التي وقع على الأستاذ الجامعي؟، لو كان هذا الأستاذ جاء من بريطانيا حقاً لخدمة شعبه في الإقليم، لعض على جرحه، و تجاوز آلامه، و لم يسمح للآخر أن يأخذ (قضيته) إلى المحافل الأوروبية لكي يُشهر بالكورد خارج حدود كوردستان بهذه الصورة التي لا تسر أي كوردي، يريد أن يرى كوردستان حرة أبية.
أخيراً، كمواطن كوردستاني، أثمن و أبارك و أقبل، كل يد كوردي تمتد و تساعد أخيه الكوردي، لإنقاذه من الإذلال و العبودية التي فرضت عليه بحراب المحتلين القتلة. ولا يفوتنا هنا أن نشير باعتزاز و تقدير إلى مساعدة الرئيس (مسعود البارزاني) السباقة لإخوانه المنكوبين في غربي كوردستان، لقد أثبت بهذا العمل المسئول،حقاً أن الكورد شعب واحد، و كوردستان وطن واحد، جزئه المحتل الغاشم، وأن عملية الوحدة بدأت، ولن تقف حتى يعود وطننا واحداً موحداً، أرضاً و شعباً و سماءً، كما كان عبر تاريخه الطويل الحافل بالتضحيات و الفداء.
حكمة الشاعر:
قلبي لكوردستان يهدى والفم … و لقد يجود بأصغريه المعدم ودمي وإن لم يبق في جسمي دماً… غرثي الجراح من دمائي تطعم تلكم هدية مستميت مغرم… أنا المضحي و الضحية مغرم سلم على الجبل الأشم وأهله… ولأنت تعرف عن بنيه من هم سلم على جبل الأشم و عنده… من أبجديات الضحايا معجم. يا موطن الأبطال مهما ديس من … حرم لديك وما استبيح محّرم فلسوف يجزوك الكفاح بغاية … لك عندها عن ألف عزم مغرم. كتب الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري هذه الملحمة الشعرية “كوردستان يا موطن الأبطال” التي تحتوي على (163) بيت شعر في ستينات القرن الماضي، عندما كان القتال دائراً بين ثوار الكورد الأبطال، و جلاوزة الحكم في بغداد.