الرئيسية » مقالات » ملاحظات حول إستخدام بعض المصطلحات العنصرية و الخاطئة

ملاحظات حول إستخدام بعض المصطلحات العنصرية و الخاطئة

هناك مصطلحات تُستعمل بشكل خاطئ من قِبل بعض الكُتاب و المثقفين و السياسيين. قسم من هذه المصطلحات يتضمن مصطلحات تقرّ بوصاية الحكام و الشعوب الحاكمة على الجماهير و الشعوب المحكومة. قسم آخر من هذه المصطلحات هو عبارة عن مصطلحات عنصرية تُلغي الشعوب و القوميات غير العربية التي تعيش في المنطقة و التي تم إبتكار معظمها خلال ذروة إنتشار الفكر العروبي العنصري في المنطقة. القسم الثالث من هذه المصطلحات التي نحن بصددها هي مصطلحات خاطئة تُستعمل من قِبل بعض المثقفين و الكُتّاب و السياسيين الكورد و أعتقد بأن غالبية هؤلاء الكورد يستخدمون مثل هذه المصطلحات عن جهل، حيث يُقلّدون السياسيين الكورد التقسيميين الذين إبتكروا هذه المصطلحات تماشياً مع إستراتيجياتهم و أهداف تنظيماتهم و حركاتهم و في بعض الأحيان تم إبتكار بعض المصطلحات الخاطئة نتيجة جهل السياسيين الكورد أو كلاسيكية عقليتهم و تفكيرهم.

نتيجة التطور الهائل الذي حدث في حياة البشرية و في الفكر الإنساني في العقود الأخيرة، حيث العولمة و الثورة التكنولوجية الفريدة في التأريخ، أصبحت المصطلحات العنصرية و المسيئة للشعوب و الأفراد عاجزةً عن الإستمرار و الملاءمة مع العصر الذي نعيش فيه الآن، حيث يناضل الإنسان و الشعوب من أجل تحقيق حريتها و تثبيت مبادئ المساواة و العدالة الإجتماعية بين البشر بِغض النظر عن العنصر و اللغة و الدين و المُعتقد و الجنس و اللون و الجنسية و القُدرة البدنية و النفسية و العقلية. إن الزمن الذي يعاصره الإنسان اليوم بدأ يخلق ثورة كبرى في الفكر الإنساني و يجعله أن يترك الكثير من المعتقدات و الأفكار و المبادئ البالية التي إجتازها الزمن و لا تُجاري واقع الحياة في عصرنا الحاضر و بدلاً منها تترسخ في الإنسان معتقدات و أفكار و مبادئ و مفاهيم معاصرة و بذلك يبتكر الإنسان مصطلحات جديدة تُلائم الزمن الذي نحن فيه ليتمكن الإنسان التواصل مع الحياة المعاصرة و التكيّف مع شروط الإنتماء الى المجتمع الإنساني الذي يواصل نضاله من أجل تحقيق حياة إنسانية خالية من العنصرية و التمييز و التفرقة و الإستعباد و الإضطهاد و الجشع و الظلم الثقافي و الإجتماعي و الإقتصادي و أن يكون الإنسان حراً عزيزاً و مُرفهاً.

هنا أود أن أشير الى بعض المصطلحات العنصرية و الخاطئة التي يتم إستخدامها:

إعطاء أو منح أو أخذ الحرية أو الحقوق
يتم إستعمال المصطلحات “إعطاء أو منح أو أخذ الحرية أو الحقوق” و أصبحت هذه المصطلحات مألوفة و مقبولة من قِبل الكثيرين دون الإلتفات الى إقرارها للعبودية. تم إبتكار هذا المصطلح من قِبل الحُكام الطغاة لترسيخ فكرة إستعباد الأفراد و الشعوب على السواء من قِبل الحُكام و أصحاب السلطة، حيث أنهم “يتكرمون” على الشعوب و الأفراد “العبيد” بمنحهم حرياتهم و حقوقهم و هذه الشعوب و الأفراد “ممتنّين” ل”سادتهم” “بأخذهم” حريتهم و حقوقهم منهم. الحرية و الحقوق لا تُمنَح و لا تؤخَذ، حيث الجميع ولدتهم أمهاتهم أحراراً و عليه هم متساوون في الحقوق و الواجبات و يجب أن يتمتعون بالحرية و الحقوق و ليست هناك مَن “يمنح” الحقوق أو “يأخذ” الحقوق، بل يجب أن “يتمتع” الإنسان بحريته و حقوقه التي يناضل من أجلها.

الشعب
الشعب هو مجموعة بشرية لها خصوصيات لغوية و ثقافية و تأريخية مشتركة خاصة بها بالإضافة الى وجوب إمتلاكها لأرض ذات حدود محددة تجمع أفرادها و يكون لها الحق في تقرير مصيرها، بما فيه حق تأسيس دولة مستقلة خاصة بها كما ينص ميثاق الأمم المتحدة على ذلك. هناك العديد من القوميات و الأقليات العرقية في العراق على سبيل المثال، مثل السريان و الكلدان و التركمان و غيرهم، تطلق على نفسها “شعوباً” رغم أنها ليست بشعوب. في حالة القوميات و الأقليات العرقية التي لا تمتلك أرضاً مترابطة معيّنة تجمعها، كما في حالة القوميات و الأقليات العرقية الآنفة الذكر التي تفتقر الى منطقة جغرافية محددة تضمها، فأنها تفتقد الى الشروط و المقومات المطلوبة لتكون شعوباً.

الوطن العربي
إبتكر العروبيون المصطلح العنصري “الوطن العربي” الذي لا وجود له على أرض الواقع و يطلقونه على المنطقة المحصورة بين الخليج الفارسي و المحيط الأطلسي و بذلك يعتبرون هذه المنطقة هي أرض عربية و أن الشعوب الأصلية صاحبة الأرض مجرد مهاجرين غرباء فيها، بل يعتبرون الشعوب و القوميات القاطنة في “وطنهم العربي” جزءً من العرب. هكذا يلغي العروبيون جميع الشعوب و القوميات و الأقليات التي تعيش في هذه المنطقة. في هذه المنطقة التي تُسمّى ب”الوطن العربي” يعيش أكثر من 11 ملايين كوردي (3 و 8 ملايين نسمة في الإقليم الغربي و الجنوبي الكوردستاني على التوالي) و الأمازيغ الذين يُشكلون الأكثرية المطلقة لسكان شمال أفريقيا و يصل تعدادهم الى حوالي 40 مليون نسمة و النوبيون الذين هم السكان الأصليون لبلاد “نوبيا” التي تم تقسيمها بين كل من السودان و مصر و تُقدّر نفوس النوبيين بحوالي 17 مليون نسمة (14 مليون في السودان و 2-4 مليون في مصر) و الأقباط الذين هم السكان الأصليون لمصر و تبلغ نفوسهم أكثر من 15 مليون نسمة (حوالي 13 مليون في مصر و أكثر من 2 مليون في خارج مصر) و السريان و الكلدان و الآشوريين و الأرمن و اليهود و التركمان و غيرهم الذين يمكن تقدير نفوسهم بحوالي 7 ملايين نسمة. من خلال هذه الإحصائية، فأن نفوس القوميات و الشعوب غير العربية في المنطقة المسماة عنصرياً ب”الوطن العربي”، تبلغ حوالي 90 مليون نسمة الذين يحاول العروبيون العنصريون إلغاء وجودهم كشعوب و قوميات. إن هذه المنطقة هي الموطن الأصلي لمعظم الشعوب و القوميات غير العربية التي تقطن فيها و التي تم إحتلال أوطانهم من قِبل العرب بعد ظهور الدين الإسلامي. هنا لا أريد العودة الى التأريخ للتحري عن أصل العرب، بل كل ما أريد ذكره هو أن العرب كانوا يتواجدون فقط في اليمن، حيث كان القحطانيون يسكنون هناك و الذين هم عرب أقحاح. كان العدنانيون المستعربون يسكنون في الحجاز. من بين القبائل العدنانية المستعرَبة هي قبيلة قريش التي ينتمي إليها النبي محمد.

الدول العربية
هكذا بالنسبة الى مصطلح “الدول العربية”، حيث بإستخدام هذا المصطلح يتم تعريب كافة الشعوب و القوميات التي تعيش على أراضيها التأريخية في المنطقة و التي تم إحتلالها من قِبل العرب. هذه الكيانات السياسية خلقها الإستعمار البريطاني و الفرنسي بعد إنتهاء الحرب العالمية الأولى و قاما بجمع مزيج من الشعوب و القوميات المتنافرة في كيانات سياسية لتكون مصدر حروب و نزاعات و إضطرابات مستمرة بين مكونات هذه الكيانات لتبقى دولاً مصطنعة متأخرة و متخلفة لتستطيع الدول الإستعمارية مواصلة الإستحواذ على خيرات المنطقة و جعلها سوقاً رائجة لمنتوجاتها.

قد يقول المرء بأن إطلاق إسم “كوردستان” على بلاد الكوردستانيين هو تسمية عنصرية أيضاً، حيث يتم بموجبها إلغاء القوميات الكوردستانية غير الكوردية. للإجابة على هذا التساؤل المشروع هو أن المنطقة التى تُسمى “كوردستان” اليوم عُرِفت ب”بلاد الكورد” منذ آلاف السنين، حيث كان السومريون يسمّون المنطقة (كورا قوتيوم) و التي تعني “أرض كاردا” و الأشوريون كانوا يسمونها (كورتي) و البابليون كانوا يطلقون عليها إسم ” قاردو” و الإغريق سموها “قاردوتشوي” و الرومان أطلقوا عليها إسم (كوردرين). أول من أطلق إسم “كوردستان” على موطن الكورد هو السلطان السلجوقى سنجر و ذلك فى أواسط القرن السادس للهجرة (القرن الثاني عشر الميلادي) أي قبل أكثر من 800 سنة ( راجع كتاب “الأراضي فى شرق عصر الخلافات” للباحث لى سترينج الصادر في عام 1930). من هنا يُدرَك بأن “كوردستان” هي تسمية تأريخية ليست لها أية صلة بالعنصرية، حيث أن الفكر القومي لم يكن له وجود في تلك العهود القديمة، بينما المصطلحات العنصرية التي نحن بصددها تم إبتكارها على أسس قومية عنصرية في السنين الأخيرة بعد ظهور الفكر القومي العروبي في المنطقة.

الدول الإسلامية
إن إطلاق إسم “الدول الإسلامية” على الدول التي يشكّل المسلمون الأغلبية فيها، يلغي عشرات الملايين من السكان غير المسلمين مثل الأقباط و الكلدانيين و السريان و الآشوريين و اليهود و الإيزيديين و العلويين و الشبك و المندائيين و الدروز و الزردشتيين و الكاكائيين و غيرهم الذين يعيشون في هذه الدول. إن معتنقي الأديان غير الإسلامية يعيشون في أوطانهم منذ زمن سحيق، قبل ظهور هذه الدول المصطنعة و قبل ظهور الإسلام و أسلمة المنطقة.

المغرب العربي و المشرق العربي
يطلق العروبيون إسم “المغرب العربي” على دول شمال أفريقيا التي يُشكّل الشعب الأمازيغي أغلبية سكانها، بينما يطلقون إسم “المشرق العربي” على الدول الآسيوية التي تحكمها حكومات عربية، و بذلك يلغون الشعوب و القوميات التي تقطن في هذه الكيانات السياسية المصطنعة.

الأكراد
يستعمل العروبيون كلمة “الأكراد” بدلاً من كلمة “الكورد” التي تعكس نظرة دونية للشعب الكوردي، حيث أن مصطلح “الأكراد” يعني الكورد الريفيين، منطلقين من نظرتهم لسكان الأرياف على أنهم متخلفون و جهلة و ساذجون و قذرون كما في حالة إستخدام مصطلح “الأعراب”.

الشعب الكوردي
عند التحدث عن الكورد كقومية أو إثنية، فأن إستخدام مصطلح “الشعب الكوردي” يكون صحيحاً. تسمية الشعب الذي يعيش على أرض كوردستان ب”الشعب الكوردي” هي تسمية خاطئة. المصطلح الصحيح هو “شعب كوردستان أو الشعب الكوردستاني”، حيث أن إسم البلاد هو كوردستان و لذلك فأن الشعب الذي يعيش في كوردستان هو الشعب الكوردستاني و أن المواطن فيها يُسمى “كوردستاني”. كما أن الشعب الكوردي هو جزء من شعب كوردستان، حيث أن هناك قوميات أخرى تعيش على أرض كوردستان و التي أفرادها هم مواطنون كوردستانيون. أعتقد بأن الكورد الذين يستخدمون مصطلح “الشعب الكوردي” للدلالة على “شعب كوردستان” لا يقومون بهذا الأمر من منطلق عنصري، بل ناتج عن عدم المعرفة، حيث أن الكورد أنفسهم عانوا و لا يزالون يعانون من العنصرية. هكذا بالنسبة الى حكومة و برلمان إقليم جنوب كوردستان فأنها “حكومة كوردستانية” و “برلمان كوردستاني” و ليستا “حكومة كوردية” و “برلمان كوردي”، حيث أنهما يمثلان كل القوميات التي يتألف منها شعب كوردستان و أن القوميات غير الكوردية لها ممثلون في كل من الحكومة الكوردستانية و البرلمان الكوردستاني. كما أن تسمية الأحزاب الكوردستانية ب”الأحزاب الكوردية”، هي تسمية خاطئة، حيث يجب أن تُمثل الأحزاب جميع مواطني كوردستان بمختلف قومياتهم. ظاهرة إنتشار هذه التسمية الخاطئة سائدة في إقليم غرب كوردستان، حيث حسب علمي فأن جميع الأحزاب هناك تسميتها هي “الأحزاب الكوردية” بدلاً من “الأحزاب الكوردستانية” و بذلك يتم حصر الإنتماء الحزبي بالكورد و عزل الشعب الكوردي عن مواطني القوميات و الأقليات الكوردستانية الأخرى و هذا الأمر له عواقب خطيرة على وحدة الكوردستانيين و جعلهم مجتمعاً متجانساً، تربطهم أهداف و مصالح و ثقافة مشتركة و يربطهم مصير واحد.

المنطقة الكوردية
قسم من الكُتّاب و السياسيين و المثقفين يستخدمون مصطلح “المنطقة الكوردية” بدلاً من مصطلح “كوردستان”، التي تعني “الوطن و الأرض، بل الدولة”. من المؤسف أن هناك كورداً يستعملون مصطلح “المنطقة الكوردية”، حيث أنهم التقسيميون الكورد الذين عملياً يوافقون على إحتلال كوردستان و تقسيمها و يعتبرون كل جزء محتل من كوردستان جزءً من الدولة التي تحتله. إن هؤلاء يترسخ فيهم الشعور الدوني و التبعية الفكرية و الثقافية لمحتلي كوردستان.

كوردستان الشمالية و الغربية و الشرقية و الجنوبية
بعض الكورد يطلقون مصطلحات “كوردستان الشمالية و الغربية و الشرقية و الجنوبية” على أجزاء كوردستان و كأن هناك أربع “كوردستانات” و ليست كوردستان واحدة! لجعل هذه المصطلحات مفهومة لدى القارئ العربي، يمكن إستعمال مصطلح “إقليم شمال كوردستان” أو “شمال كوردستان” و هكذا بالنسبة للأجزاء الأخرى من كوردستان.

إنفصال كوردستان
هناك الكثير من الكُتّاب و السياسيين يخلطون بين مصطلح “الإنفصال” و “الإستقلال”، حيث يتم غالباً إستخدام “إنفصال كوردستان” بدلاً من “إستقلال كوردستان”. مصطلح “الإنفصال” يتم إستخدامه عندما هناك شراكة طوعية بين جهتَين أو أكثر التي لسبب ما أو لأسباب معينة تنفصل تلك الجهات عن بعضها، كما في حالة الطلاق بين الزوجة و الزوج اللذين زواجهما يكون زواجاً طوعياً بمحض إرادة الجانبَين أو إنفصال شركاء في شركة ما أو فسخ إتحاد كونفيدرالي بين دولتَين أو أكثر. مصطلح “الإستقلال” يُستعمل عندما تكون “الشراكة” مفروضة على أحد أو عدد من الشركاء بالضد من إرادته أو إرادتهم. في حالة كوردستان، فأنها وطن مُحتّل من قِبل عدة دول و لم يصبح شعب كوردستان جزءً من الشعوب المحتلة لكوردستان بمحض إرادته و ليس شريكاً ندّاً للآخرين، لذلك فأن الصواب هو إستخدام مصطلح “إستقلال كوردستان”. نرى أن مصطلح “الإستقلال” يُستعمل بالنسبة للبنات و الأبناء الذين يتركون العيش مع الوالدَين، حيث أنهم مضطرون في البداية للعيش مع أمهاتهم و آبائهم لكونهم قاصرين أو غير قادرين على إعالة أنفسهم و يكونون معتمدين على أهلهم، لذلك عند إعتمادهم على أنفسهم في معيشتهم و إنتقالهم من بيوت الوالدَين، يُستخدَم مصطلح “الإستقلال” في هذه الحالة.

mahdi_kakei@hotmail.com