الرئيسية » مقالات » تصدير التقسيم.. ولو بعد حين!

تصدير التقسيم.. ولو بعد حين!

(…إذا لم يسفر الاحتلال الأميركي للعراق عن تقسيم هذا البلد فإنه يمكن اعتبار الحرب الأميركية ضده فاشلة من اساسها ولم تحقق أهدافها…)، بهذه العبارات توقع الباحث في مركز (هرتسيليا) في الثالث عشر من نوفمبر تشرين الثاني 2006 (جاي باخور) نهاية التدخل الامريكي لهذا البلد.
في السادس والعشرين من أيلول 2007 اقر مجلس الشيوخ الأميركي خطة غير ملزمة لتقسيم العراق إلى ثلاثة أقاليم للحكم الذاتي، وقد صوت للقرار خمسة وسبعون شيخا من اصل مئة وصوت ضده ثلاثة وعشرون وكان من الملفت للنظر أن يصوت ستة وعشرون من الحزب الجمهوري حزب الرئيس بوش (آنذاك).
واليوم وبعد مرور السبعة اعوام تقريبا على هذا التوقع وفي ازمة هي الاكبر من نوعها من بين الازمات التي اصبحت لدى العراقيين جزء من حياتهم الجديدة، ظهر الى السطح ما كان بالأمس همسا واصبح اليوم حديثا متداولا، فالدعوات التحذيرية من ان قد تكون نهاية الازمة الحالية بداية لتقسيم البلاد صارت عنوانا يتصدر كل المواضيع والجلسات العامة والخاصة، خصوصا وان الشحن الطائفي أطل براسه من جديد حيث يحاول البعض التستر به لنيل مراده او العبور الى الضفة الاخرى باقل عدد من الثياب المبللة وبأكثر انجازات لنفسه ومكاسب لحزبه.
هذه المرة تبدو ان الازمة لن تنتهي بطريقة العراقيين السائدة (حب عمك)، فالمطالب واسعة والتظاهرات منتشرة في مناطقها الغربية لحد الان، والتذمر متداخل حتى في مناطق تعتبرها الحكومة العراقية خاصة بها، وان كانت لم تنطلق تظاهرات صريحة في المناطقة الوسطى والجنوبية من العراق، الا ان الكثير من العراقيين الشيعة لا زالوا ينظرون بعين الحذر الى ماستؤول اليه الامور ورغم اعتقاد بعضهم، بان الفساد والمحاباة والانتقائية في تطبيق القانون كان سببا رئيسيا لانطلاق التظاهرات، الا انهم لا يرغبون في الانضمام اليها حاليا كون ذلك سيجعل الازمة تتفاقم وقد تنتهي بانفلات امني كبير وهذا يعني عودة البلاد الى الفوضى، وفي ظل هذه الاوضاع البالغة التعقيد طفحت من جديد الى السطح النبرة المطالبة بإنشاء الاقليم على اساس طائفي ومذهبي وان كانت لا تطلق بعناوين صريحة ولكنها تختفي تحت مسميات قريبة من ذلك.
من المستفيد من التقسيم؟
قد يرى المواطن العراقي البسيط بان حديث التقسيم عبارة عن كابوس مرعب لديه لأنه تعود منذ ولادة اجداده على خارطة تمتد من الشمال الى الجنوب ومن الشرق الى الغرب يتنقل فيها وقت ما شاء (اللهم الا ما جرى من تخندق طائفي بُعيد الاحتلال عام 2003)، ويرسم خارطة علاقاته الاجتماعية والاقتصادية وفقا لها رغم بساطة تعاملاته، ويجد في أي تغيير جديد تهديد نفسيا وكأنه سيوضع في سجن كبير اسمه الاقاليم او غيرها من مسميات وهي بكل تأكيد ستحد من حرية الجميع مهما كانت التسمية او المساحة.
غير ان البعض يجد في تقسيم العراق ضالة كان يبحث عنها منذ فترة طويلة وقد يكون الخوف او الخجل او الوضع الداخلي و الاقليمي لم يسمح له بالحديث جهرا عنه ولكنه ما فتأ يسوق الاسباب لتمرير مشروعه، ومن هؤلاء الذين يرون في تقسيم البلد هدفا، لهم اسباب ودوافع ويمكن تصنيف الامر الى محاور الى ثلاثة:
اولا- المحور الداخلي:
الاول: فريق سياسي يحلم بدولة رخاء تستأثر بعائدات النفط وتطل على الخليج لها كينونتها وقوتها وحكومتها، وهو يخاطب بسطاء القوم بلغة المنطقة التي تحفظ خصوصية أهلها العقائدية والثقافية، وتعوضهم قرونا من المظلومية والمحرومية وتخرجهم من كابوس اسمه الاقصاء والتهميش وليالي الانقلابات العسكرية المظلمة ودهاليز التآمر والحكم العسكري الذي انتج لهم الاف ضحايا المقابر الجماعية، وهو بذلك يناغم فريقا شعبيا واسعا ومحافظات ذات طابع مذهبي معين وفي نفس الوقت يحاول التقرب الى دول مجاورة لكسب الود منها كونه سيكون في هذا الاقليم شبه تابع لها ويسهل اقامة علاقاته معها دون أي احراج او تذمر من قبل آخرين مما يكسبه قوة اقتصادية وسياسية لا يستهان بها.
الثاني: فريق آخر يحلم بدولة تعيد أيام العز والسلطة الخوالي لأصحابها وترتبط بمحيطها المشابه لها في طبيعة الحكم خصوصا بعد تصاعد حدة النفس الطائفي، وكثرة الاخطاء هذا الفريق في طريقة التعامل مع الحياة الجديدة، كما وان العودة الى زمن الماضي اصبح ضربا من الخيال ولكن من الممكن اقامة مثل هذا الحلم قد يكون ممكنا على نطاق اضيق أي مستوى الاقليم، وقد يحقق مركز (عمليات) لربيع عربي مسيطر عليه وفق اهواء من يديره للدول القريبة مستقبلا.
الثالث: أما الفريق الثالث والاخير فيرى في الوضع الحالي (فرصة تاريخية سانحة) لإقامة دولته المنشودة منذ مئات السنين والتي لا تمر مناسبة الا وعرج عليها بالذكر والتذكير، فـهذا الحلم اصبح اليوم اقرب الى الواقع (حسب راي الفريق) وان القضية ليست سوى سقوف زمنية لا غير خصوصا بعد هشاشة حكومة المركز وتراخي دول الجوار وانشغالها بمصائبها.
ثانيا- المحور الخارجي:
1- دول الجوار
والتي تنقسم الى ثلاث اقسام:
الاول: الذي يرغب بان يبقى الوضع العراقي ضعيفا ومزعزعا كي لا يشكل عليه حاضرا او مستقبلا أي تهديد عسكري او اقتصادي او حتى سياسي، ويرى في تقسيم العراق الوصفة الكفيلة بإنتاج هذا الهدف، مضافا الى ذلك اقتطاع مناطق واسعة وذات قيمة سياسية مهمة من هذا البلد ومحاولة جعلها تابعة لها ولو معنويا من باب النفس الطائفي لتكون لها يد متحركة في داخل البلد المتعدد الاقليم، وهو بذلك ينشأ منطقة فراغ شاغرة او سهلة التحريك له ولمخابراته خصوصا وان الربيع العربي لم ينته بعد واعصار سوريا لم تظهر معالمه لحد الان بمنتصر او خاسر.
الثاني: حيث يجد هذا القسم من الدول ان تقسيم العراق وجعله اقاليم على اسس مذهبية سيشكل لها دعما مهما، وهي بإنتاجها الاقليم الطائفي القريب منها ستكفل سيطرتها بشكل تام على ادارة الشؤون السياسية وحتى القرارات المصيرية له بما ينسجم ومصالحها القومية وبالتأكيد فان اقليم ذات طابع طائفي محدد سيكون اقرب اليها من دولة متعددة القوميات والمذاهب التي تكون فيها الحكومة متعددة الوجوه، كما انه سيكون بمثابة جناح عسكري متكامل بمقدار دولة تمنحها كافة قدراتها الشعبية والعسكرية في حالة التعرض لتهديد عسكري قد تتعرض له من دول الغرب.
الثالث: والقسم الاخير متردد في أي الخيارين اولى فإقامة الاقليم قد يجعل من العراق ممرا سهلا لحركات التمرد التي تشن حربا عسكرية منذ سنوات عددية قواته والمتمثلة (بحزب العمال الكردستاني) وهو بالتأكيد يرغب ان تكون الدولة المجاورة ذات حدود رصينة وحكومة صاحبة قرار في التعامل والتعاون لإنهاء التمرد في شمال مناطقها، ولكنها في نفس الوقت لا ترغب ان يكون ذلك على حساب كبريائها وانها مازالت تحلم بان اقامة الامبراطورية العثمانية ممكنة خصوصا بتشرذم العالم العربي ولعب دور (الوكيل) لدول الغرب في متابعة الشؤون الشرق الاوسطية، مضاف الى ذلك بان اقامة الاقليم يعني اقامة الدولة الكردية وهذا ما لا تغرب به الدولة التركية كون ذلك سيحفز اكراد تركيا للمطالبة بالمثل وهذا مطلب لا تريد الحكومة التركية ان تفكر به ولو للحظة واحدة.
2- اللاعب الدولي
قطبية العالم الحالية تجعل الراي الاول يذهب لما تقترحه او تتبناه امريكا الدولة العظمى في تحريك الآخرين حيث يعتبر المشروع الذي تقدم به السيناتور الديمقراطي الامريكي (جوزف بايدن)، هو المشروع الاول الصريح في هذا المسار، وقد كان الاعتقاد السائد إن فكرة بايدن لا تجد تأييداً كبيراً لها في امريكا على اقل تقدير؛ ولكن نتيجة التصويت في مجلس الشيوخ، الذي يعتبر الأكثر تأثيراً في مجال السياسة الخارجية بين غرفتي الكونغرس، أظهرت أن مشروع التقسيم بات يحظى بتأييد ملموس في صفوف ممثلي الحزبين الامريكيين الرئيسيين: الديمقراطي والجمهوري.
ان اهم أحد تفسيرات خطوة (بايدن) ربما أن الأمر ليس أكثر من محاولة ضغط جديدة علي الإدارة الامريكية، تستهدف دفع الرئاسة الى المبادرة والإسراع في إيجاد مخرج من ازمات العراق المتكررة، او جس النبض العراقي والعربي من اقامة مثل هكذا مشاريع في المنطقة عموما.
فمشروع التقسيم اذا ما تم لن يقتصر علي العراق، بكل تعقيده وتنوعه، فالعراق صورة مصغرة عن المشرق العربي ـ الإسلامي، (مايكروكوزم) لمجاله الإقليمي المتسع وما إن يتم الانقسام الطائفي والاثني في العراق، حتي تتداعى باقي دول المنطقة بالأثر وبشكل متسارع.
فمثلا إن كان من الطبيعي لحل الازمات المتراكمة والاشكالات الداخلية هو اقامة اقاليم طائفية وأثنية في العراق، فلماذا لا يصبح مسوغاً إقامة مثل هذه الدويلات في إيران وتركيا وسورية ومصر والسعودية وجميع هذه الدول تشهد مشاكل وازمات سياسية طاحنة، و من الممكن (في وجهة النظر البايدنية) إقامة دولة شيعية في جنوب العراق، وسنية في وسطه، وكردية في أقصي شماله، ومن هنا ننطلق لإقامة مشروع الدولة عربية في جنوب إيران، والأذربيجانية في شمالها، وآخر للبلوش في شرقها، ورابع للمناطق السنية، وما ينطبق علي إيران قد يسري الى سورية وحتى السعودية.
اذا فتكريس التقسيم لا يمكن ان يتم دفعة واحدة بل هنالك مناطق للتجارب تأخذ بنظر الاعتبار كمناطق تجارب لعالم اكبر وقد يكون العراق خير نموذج للتنوع الطائفي والاثني والقومي واذا ما نجح التقسيم في ايجاد الهدف المنشود للدول الغربية بقيادة امريكا فإنها لن تتردد في تصديره الى باقي دول المنطقة ليكون بذلك شرق اوسطي جديد وخريطة مغايرة لما عليه الان بدويلات اصغر واكثر وبسيطرة غربية تامة لمنابع النفط ومصادره، وسهولة اكبر في كشف مافيات فساد الحكم وسيطرة العسكر، كما ان التغيير السياسي في مثل هكذا دويلات لا يحتاج الى جهد كبير كما يحصل الان في بلدان متعددة بل ان الامر سيصبح اكثر سهولة على الدول الغربية بحصار اقتصادي لأيام معدودة او عزل سياسي دولي، وعندها سيصبح العالم اكثر خضوعا وتبعية.
* مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث