الرئيسية » مقالات » أخطار السرقات العلمية والتزوير في الاطاريح والبحوث

أخطار السرقات العلمية والتزوير في الاطاريح والبحوث

السرقات العلمية من الافات التي ابتلت بها الجامعات والاوساط العلمية منذ نشوء العلم الحديث ازدادت انتشارا بانتشار استعمال الانترنت. والسرقات العلمية او السرقات الادبية على حد سواء هي سرقات فكرية، وانتهاك لحقوق الملكية الفكرية للآخرين، تعرفها موسوعة الويكيبيديا العربية بانها “إدعاء شخص صراحة أو ضمنيا بكتابة ما كتبه آخر أو النقل مما كتبه آخرون كلياً أو جزئياً بدون عزو أو اعتراف مناسب؛ أي باختصار العزو المزور أو إعطاء الانطباع بأنك كتبت ما كتبه غيرك”. تعتمد السرقات العلمية على النسخ واللصق وعلى ترجمة النواتج العلمية المنشورة في العالم باللغات الاجنبية دون الاشارة الى المصدر.

ومن انواع السرقات العلمية استنساخ موضوع كتاب او بحث بكامله، وكذلك نسخ الموضوع واجراء تغيير جزئي شكلي او تعديله بتغيير بعض الكلمات او الفقرات او حشوه ببعض الفقرات الصغيرة. انتشرت هذه السرقات بين الباحثين العلميين العرب لسهوله النشر باللغة العربية مما يغري الباحث الى ترجمة مجمل او جزء من البحث المنشور باللغة الاجنبية والادعاء بملكيته، وهو اسلوب شجعه عدم وجود اليات للكشف عن السرقات الفكرية عند الناشرين العرب وضعف اسلوب مراجعة الاقران وضعف المستويات العلمية للمراجعين العلميين وعدم ارتباطهم اليومي بالعلم العالمي، وكذلك في ضعف اللغة الاجنبية، وفي عدم توفر المصادر وصعوبة الاطلاع عليها. كما ان عدم وجود برنامج “شرطي السرقات العلمية” بالعربية يجعل من اكتشاف السرقات العلمية للمواضيع المترجمة للغة العربية عملية صعبة للغاية وتحتاج الى وقت كبير.

باعتقادي ان السرقات العلمية اخطر بكثير من السرقات الادبية والتي يعتبرها الكاتب الدكتور محمد الجوادي “ظاهرة قديمة منذ الأزل، وبررها البعض بقولهم أن المعاني واحدة ملقاة على الطريق والمهم اعادة صياغتها”. خطورة سرقة البحث العلمي تكمن في انها ترفع من شأن السارق علميا ووظيفيا، وقد تمنحه شهادة عليا كالدكتوراه وتصل به الى مرتبة الاستاذية، وقد ترقى به الى اعلى المستويات السياسية والاجتماعية. وتترك هذه السرقات اثار سيئة على السمعة العالمية للجامعات والمؤسسات العلمية المحلية والوطن ككل، فهي تمثل كما عبرت عنها “العربية نت” “انحطاط ثقافي وبلطجة فكرية”. كما ان انتشارها يؤثر سلبيا على عمل الباحثين العلميين الشرفاء والذين تجدهم يعانون معاناة شديدة في ظل شحة الموارد المالية للبحث العلمي، وضعف التجهيزات العلمية، ويقضون الايام والاشهر والسنين في عمل دئوب مضني من اجل الحصول على نتائج جديدة تستحق النشر، مما يطرح التساؤل والشكوك عندهم عن جدوى البحث العلمي الصادق، وتشجعهم سهولة الاقتباس وانتشاره على انتهاج هذا الاسلوب المشين وغير الطبيعي.

ان مثل هذه السرقات العلمية لا تترك اي اثار على مسيرة البحث العلمي ولا تساهم في تقدمه وتبقى مهملة لا يشير لها عالم ولا يعترف بها باحث ولا تجد صدى الا بين الجهلاء والمنتفعين منها، ومع هذا تزداد بازياد الفساد السياسي والمالي والاداري في البلد فتصبح جزء لا يتجزأ من الحالة الاجتماعية العامة والتي تتمثل بعدم احترام السارق للمعايير العلمية والقيم الاخلاقية. وبالاضافة للسرقات العلمية تنتشر ظاهرة اختراع النتائج وفبركتها بما يدعم اثبات نظرية علمية او تأكيد اكتشاف ظاهرة جديدة او دواء جديد او اسلوب وطريقة صناعية او زراعية مثمرة، وهي على نوعين: تلفيق واختلاق النتائج وتزويرالمادة البحثية والتلاعب بها، وهي من الظواهر المنتشرة في العالم فعلى سبيل المثال تؤكد احصائيات مكتب نزاهة البحوث في وزارة الصحة الامريكية الى ان 3% من المؤسسات البحثية تشير تقاريرها الى وجود شكل من اشكال سوء السلوك العلمي، والذي يتضمن تلفيق وتزوير النتائج والاقتباس غير المشروع والادعاء الكاذب والاهمال المتعمد وانتهاك المعايير الاخلاقية في التجارب على الانسان والحيوان. وتقع المسؤولية لاي شكل من اشكال الاساءة العلمية اولا على الباحث وعلى مشاركيه بالبحث ومن ثم على معهد البحث العلمي اوالجامعة وعلى الناشر والمجلة العلمية التي نشرت البحث، كما تقع المسؤلية ايضا على زملاء الباحث من غير المشاركين بالبحث ومراجعي او مستعرضي نتائج البحث اذا ما فضلوا السكوت عن هذا الخرق للطرق العلمية السليمة.

من البحوث التي عرف فيها تزوير في السنوات الاخيرة وتم سحبها من النشر نتائج توليد الطاقة من الانصهار البارد التي قدمت الى مجلة الطبيعة للنشر من قبل العالمين بون وفلشمان، وبحث قدمه العالم روبرت ليبردي من مختبر لورنس بيركلي الوطني حول تأثير الاشعة الكهرومغناطيسية من اسلاك الضغط العالي على عمل الخلية الفسلجي، بالاضافة الى بحثين نشرت في منتصف هذا العقد عن هرمون الاستروجين قدمهما باحث كبير في معهد وايث للبحث تم معاقبته وذلك بمنعه من العمل كمستشار لاي مؤسسة خدمية عامة وقيام مكتب نزاهة البحوث في وزارة الصحة الامريكية بالاشراف على بحوثه. وامثلة تلفيق النتائج العلمية كثيرة منها محاولات الباحث رافائيل ستريكر من جامعة سان فرانسيسكو في تزوير نتائج حول وجود اجسام مضادة في مرضى الايدز من المثيلين جنسيا وعدم وجودها في غير المثيلين، وزور الباحث بيانغ شين لي في كلية الطب بجامعة هارفارد نتائج بحث عن مرض السكري، وفي تحقيق اجرته جامعة اوهايو اثبت فيه وجود مقتبسات غير شرعية عديدة في طلب المنحة المالية المقدم من قبل الباحث جيمس فريشيام الى المعهد الوطني للصحة، وفي العام الماضي افادت الجمعية اليابانية لاطباء التخدير الى ان احد اطباء التخدير في اليابان قد زور بيانات في 172 ورقة بحث منشورة له. ومن اشهر الامثلة على تزوير النتائج هي اعمال هونج وو سوك من جامعة سول الكورية حول الخلايا الجذعية التي نشرت في ارقى المجلات العلمية العالمية واكسبت الباحث شهرة كبيرة حيث ادعى انتاج خلايا جذعية عن طريق الاستنساخ. هذه وعشرات من الامثلة الاخرى تم كشفها والاعلان عنها في العالم ولكثرتها يدعي البعض ان معظم البحوث التي تدعي اكتشاف نوع جديد من العقاقير الطبية او الالقحة تحوي على درجة ما من التلاعب. ومع هذا اننا ولغاية اليوم لم نسمع في البلدان العربية عن كشف سرقة علمية واحدة من قبل لجنة تحقيق والاعلان عنها عن طريق وسائل الاعلام، علما اني لا اقصد بهذه السرقات مجرد تغيير بعض البيانات او الاقتباس والنسخ الجزئي القصير بل الادعاء بملكية بحث كامل منشور باللغة الانكليزية او بعد ترجمته الى اللغة العربية، او باطروحة معتمدة على نتائج مقتبسة بالكامل. هل يعود هذا الى عدم وجود مثل هذه السرقات بين الناطقين بلغة الضاد او الى اننا نخشى الفضائح ونسترها باوراق التوت، او لبؤس واقعنا الاجتماعي الذي لا يهتم بالانتاج الفكري العلمي ولضعف مستوياتنا العلمية التي لاتستطيع بالادلة الدامغة اكتشاف مثل هذه السرقات، او لان هذه السرقات هي من النتاج العلمي العالمي وليس من نتاجنا العربي ولذا فان حق الملكية يكمن لناقلها!

احب ان اقدم اقتراحا الى جامعاتنا الوطنية بخصوص اصدار تعليمات تتعلق بالسلوك العلمي واخلاقيات البحث وبحيث تشمل مفهوم السرقة العلمية والفكرية وسوء استخدام المعلومات العلمية وشروط التأليف والاشارة للمعلومات المنشورة والاقتباس، ويجب ان تتضمن التعليمات عقوبات رادعة ومحددة ضد المخالفين. والغرض من هذه التعليمات تقديم توضيحات بهذا الخصوص لردع الاقتباس غير المشروع، وبشكل ايجابي من اجل الحفاظ على النزاهة في البحث العلمي والالتزام الاخلاقي في الممارسات لان مثل هذه التعليمات تشكل ردع لظواهر تسطيح البحث العلمي وتؤدي الى زيادة الاهتمام بالتفاصيل والبيانات الدقيقة بما في ذلك دفع الباحث الى تقديم الادلة النوعية والكمية باستخدام التقنيات الاحصائية وتزيد من مصداقية الشهادات ونتائج البحث العلمي عند الجمهور. وستساعد هذه التعليمات والتوجيهات في الحفاظ على اعلى المعايير الاخلاقية في مجال البحث العلمي ومنع الممارسات غير الاخلاقية من تلفيق وتزوير او انتحال. كما ستساعد هذه التعليمات في اضفاء صورة حسنة على الجامعة لانها تظهر جديتها والتزامها في عدم قبول اي نوع من السلوك غير العلمي في البحث او النشر. ولابد لهذه التعليمات من اعطاء صورة واضحة عن السرقة العلمية وما يمكن ان يؤدي الكشف عنها بالنسبة للباحث من عقوبة. ويجب ان يعرف الباحث بان الاقتباس المشروع يجب ان لا يتعدى بضعة كلمات او عبارات قصيرة، وعندما يتعدى الاقتباس اكثر من هذا يجب ان يوضع النص بين اقواس ويشار الى المصدر الاصلي. ومن المهم للتعليمات ان تؤكد على ضرورة عدم النشر في المجلات الزائفة والتي عادة تشجع النشر بدون مراجعة اقران وبدون التأكد من التزام الباحث باخلاقيات البحث العلمي والسلوك العلمي في مقابل اخذ اجور باهضة للنشر.