الرئيسية » دراسات » المفكر اليهودي الألماني موسى هيس ـ 2

المفكر اليهودي الألماني موسى هيس ـ 2

استكمالاً للجزء الأول من المقال حول المفكر اليهودي الألماني هيس، الذي يستعرض فيه المؤلف جوزيف هيلر فكر هيس من خلال كتبه التي ستكون موضوع هذا الجزء والجزء الثالث والأخير.

كتابه الأول: التاريخ المقدس للتاريخ البشري
في عام 1837 سيقوم هيس بطباعة كتابه الأول “التاريخ المقدس للجنس البشري” باسم تلميذ لسبينوزا، وتغلبُ على العمل الروح المسيانية. يستعرض هيس تاريخ البشرية من وجهة نظر تمزج بين اللاهوت والأخلاق والسياسة معاً. مفترضاً ـ على نهج سبينوزا ـ الوحدة الأساسية والتناسق والتناغم بين المادة والروح، وعلى هذا ينظر الى التاريخ كعملية تعمل فيها الأسباب المادية والأفكار الأخلاقية في وفاق وتوافق لتحقيق الهدف المشترك، في سعي البشرية المستمر نحو تحقيق الوحدة في كل مجالات الحياة. هذه المثالية تكشف نفسها في الانسجام أو التناغم الاقتصادي، والمساواة الاجتماعية والحرية الدينية للفرد. ورباط الوحدة النهائية سوف يكون ديناً عالمياً للحب والأخوة، مستنداً الى معرفة الله.
تمر الانسانية في مسيرتها نحو الهدف النهائي بثلاثة مراحل أو حقب رئيسية، ويصفها هيس مستخدماً تعابير رمزية : الله الآب ، الله الابن، الله الروح القدس. ويقسم هيس الحقب الثلاثة الى 14 فترة، لكل منها قيادتها الروحية التي يقوم بها شخصيات كبيرة وعظيمة. مؤسس المسيحية هو الشخصية السائدة للمرحلة الأولى : الفكرة الأساسية المسيحية التي استندت اليها حضارة العصور الوسطى، وهي وحدة الطبيعة والروح.
ثم سبينوزا الابن العظيم للشعب اليهودي الذي افتتح المرحلة الثانية، المتمثلة بالحضارة الحالية، التي ركزت على فكرة الوحدة الله ـ الارض والطبيعة.
والمرحلة الثالثة التي تتعلق بالمستقبل، وهي المرحلة المسيانية، والتي فيها: وحدة الله والروح ستنكشف في حياة الجنس البشري.
إن استخدام هيس للتعابير والمصطلحات المسيحية لا يتعدى أكثر من وسيلة تعبيرية لفكرته اليهودية التي هي الحافز أو السبب الرئيسي في عمله هذا. مثل العديد من الكتاب في الحقبة الرومانتيكية، يلعب هيس مع الأفاهيم الثيولوجية ـ اللاهوتية ـ المسيحية، يستعملها بطريقة رمزية بالمعنى الفلسفي والأخلاقي، من دون القبول بأسسها العقيدية ـ الدوغماتية. في نفس الوقت يتنكر هيس لسلطة الشريعة اليهودية وينفي أي مستقبل لليهودية (القديمة) كديانة حية.
في وقت كتابته تاريخ اليهودية المقدس يظهر هيس مثلما ذكر متأخراً بأنه “دُفن في قلبه الى الأبد”. لم تكن المسيحية بالنسبة له إلاّ مقدمة لدين مستقبل عالمي من النوع البانثيوني. لاحياء الفكرة الأساسية لليهودية بهيئة جديدة مقبولة لكل البشر.
اعتقد هيس بأن اسرائيل التي لعبت دوراً حيوياً في تاريخ البشرية، لم تعد موجودة كأمة حية من أجل أن يصبح ارثها قوة اثراء وتسميد للحياة الروحانية لانسانية جديدة. “إن شعب الله أصابه التحلل لكيما يظهر في نوع حياة أعلى من موته. تحوي شريعة موسى عنصراً أبدياً للحقيقة : إنه يوحّد الحياة الداخلية للانسان مع هيئة الحياة الخارجية. هذه الشريعة لا تترك فارقاً بين الدين والسياسة، بين الواجبات نحو الله والواجبات تجاه القيصر. انها كانت البذرة والنموذج (بروتوتايب) لدستور مقدس للجنس البشري ” .
هيس يتحدث حول دولة الشعب القديمة التي تم تدميرها منذ زمن طويل، لكنها تعيش الآن في قلب أعضاء الشعب المشتت. الشعب كان مدعوّاً منذ بدايته ليحتل العالم : ليس بالقوة مثل الرومان الوثنيين، لكن بواسطة الفضائل الداخلية لروحه. هذا الروح الذي يحوم في كل العالم، وأعداؤه لم يتمكنوا من تدميره، لأن هذا الروح لا يمكن التغلب عليه أو صراعه inattaccabile. هذا الروح قد تغلغل في العالم، والعالم في توق (شوق) الى ولادة الشريعة (القانون) الأساسي، ومن تستحق أن تكون أمّه هي الشريعة القديمة (اليهودية). دستور جديد مقدس لابدّ أن يبزغ : انه الشريعة القديمة التي سوف تعود للحياة مرة أخرى ـ متحولة transformed.

ايمان هيس الاشتراكي :
إن كتابات هيس المبكرة كانت اعترافاً لايمانه المتقد: إن النظام الاشتراكي المقدس سوف يمنح الحق المتساوي (العدل) للمجتمع وللفرد، الحرية المثلى والمساواة المثلى، محو الملكية الفردية، وسوف يوائم (ويحدّ) من تصارع المُثل conflicting ideals.
إن غموض المفاهيم الأساسية هو سمة مشتركة في أعمال هيس وغيره من المفكرين الاشتراكيين الأوائل، الذين لم يروا بوضوح الصعوبات في تجسير (سد الفجوة) بين الفردانية والجماعية individualism and collectivism,، وبين الأناركيزم الفوضية والشيوعية.
في كتابه، يوضح هيس رؤيته للمستقبل المثالي لكن من دون أن يحدّد (ويُعرّف) وجهة نظره الأساسية، فهو لا يرسم خطاً فاصلاً بين الاشتراكية والشيوعية: وانه لا يستخدم حتى هذه العبارات، ربما يعود هذا لأسباب تقع في خانة التحسّبات الأمنية ـ السياسية ؟!
وبالمقابل فهو يتحدث حول دستور مقدس جديد كأساس لدولة الشعب المقدسة ـ من دون وعي يكشف هيس المشاعر الدينية التي تُحفّز فكره. انه كتب كتابه مدفوعاً بنوع من الرغبة النبوية، فهو لم ير في عمله الجدارة أو الاستحقاق الشخصي، لكنه ينظر اليه على أنه مظهر من مظاهر نعمة الله. فيقول هيس ” إن روح الرب عليّ ، مثلما يمكنه أن يُسكب على أي مفكر من الجنس البشري”، انه يعتقد بأنه أعاد اكتشاف المعنى الحقيقي المنسي للديانة: ” الديانة، معرفة الله، الخير الأسمى للجنس البشري، الذي فقدته البشرية” وهل يمكن للباحث أن يخجل من الاعلان ” ها هوذا هنا من جديد”. “ان ضميري يرفض أن يقدم هكذا نوع من التواضع. نحن لا نتردد في المجاهرة، بقدر ما منحت لنا، للكشف والاعلان عن الفكرة التي نوضحها في كتابنا هذا، ونحن نعتبر أنفسنا أداة بسيطة في يد العناية الالهية التي استخدمت دائماً الرجال الذين يعيشون في الظل والوحدة”.
بعد 3 سنوات من طباعة كتابه التاريخ المقدس، تزوج هيس فتاة ألمانية غير يهودية ذات سمعة سيئة، اسمها سيبيل بريش، التي عاش معها في حب وسعادة لغاية وفاته. وهذا التحدي الذي يعتبر سافراً للأخلاق وللشريعة اليهودية التقليدية أدام الانفصال بين هيس ووالده، حيث لم ير أحدهما الآخر مرة ثانية.

الترياركية الأوربية:
كان “التاريخ المقدس للجنس البشري” المحاولة الأولى في المانيا لتفسير التاريخ من وجهة نظر الاشتراكية، وتقديم عرض للنظام المثالي للمجتمع في المستقبل، وفي المجلد الثاني الذي صدر في عام 1841 بعنوان “الترياركية الاوربية”، الذي تعامل فيه هيس مع الواقع السياسي المعاصر له.

هيس رائد فكرة توحيد اوربا : كان هيس الرائد الأول لفكرة توحيد اوربا كوسيلة لخلاص الحضارة الغربية. وكخطوة اولى نحو هذا الهدف اقترح هيس حلفاً بين الدول الأوربية الأكثر تمدناً : المانية، فرنسا وانكلترا.
هذه الفكرة التي سيطرحها مرة ثانية في كتابه روما واورشليم، يلتزم بها هيس لأسباب تاريخية وبسيكولوجية (نفسية) وفلسفية. انه يعتقد بأنه من أجل تقدم البشرية، يجب على العبقرية الفائقة للألمان التعاون مع الروح المعنوية أو الاخلاقية للفرنسيين ومع الروح الاجتماعية للانكليز. وأن ارتباط هذه الشعوب الرائدة الثلاثة سيعزز من قضية الحرية والسلام:
المانيا تساعد على حرية الروح، فرنسا ستعمل من أجل الحرية الحقيقية في فضاء أخلاقي، وانكلترا “نور بيت المستقبل” سوف تقوم بتأمين وضمان أسس الحرية السياسية. وان وجود هكذا حلف قوي سوف يحسن ويطور فكرة السلام الأبدي.
وهنا أيضا يبدو هيس مستعملا للمفردات المسيّانية : فتصوره لمملكة أو ملكوت السلام كبداية لملكوت الله المستقبلي، لأن الدين بالنسبة لهيس هو الحب بمعناه الأشمل والشامل. خاصة أن هيس يرى لاحقا في انهيار الامبراطورية الرومانية وفي الثورة الفرنسية، حدثان حاسمان في تقدم البشرية نحو الوحدة والمصالحة العالمية من خلال الحب. دين الحب العالمي، يعنى ضمنياً بالغاء الخلافات المذهبية. في عصرنا الحاضر (مرحلة ما قبل المسيانية) لم يعد من تأثير للمؤسسة الكنسية والشعب ليس بحاجة اليها من بعد. وبالرغم من أن الدولة الحديثة لا يمكنها أن تعمل شيئا مع الكنيسة، لكن هذا لا يعني انفصال الدولة عن الدين، بل على العكس كما يعتقد هيس، لأن الدولة تهتم بالانسان بشكل شامل ككائن اجتماعي وككائن سياسي يجب أن يرتبط برباط وحدة مع الدين.
في الترياركية الأوربية يعارض هيس بشدة المثالية الهيغلية الميتافيزيقية، ويضع أزاءها وضدها مبدأه في “المثالية العملية” أو فلسفة العمل philosophy of action. بالرغم من أن هيس يستمر في استخدام مفردات لاهوتية مسيحية، لكنه ينكر وبقوة الثنائية بحسب الأفهوم المسيحي للحياة، ويعتبرها هيس على أنها تكمن في جذور الفلسفة المثالية الألمانية. وهنا أيضا يقوم الكاتب من خلال بعض الاشارات باظهار تقديره الكبير لايمان الآباء (آبائه اليهود) واسهامهم الكبير في الحضارة الانسانية. فيصف اليهودية بأنها “المبدأ الأساسي للتطور التاريخي للجنس البشري”، ” الشعب الذي احتضن الكتاب المقدس في التاريخ البعيد وكذلك يحتضنه في المستقبل البعيد”. وحتى الآن. ” اليهود ينبغي وجودهم كمهماز في جسم الانسانية الغربية. انهم خميرة العالم الغربي، ومقدر لهم أن يطبعوه بطابع الداينميكية”. ومع ذلك فان هيس الليبرالي الراديكالي والاشتراكي يستمر في تجاهل البعد الوطني لليهودية وأهميته التاريخية. وفي هذا الصدد فهو يتوافق مع وجهات نظر اللاهوتيين المسيحيين ويعتقد مثلهم بأن اليهود قد رفضوا رسالة مؤسس المسيحية، وأصبحت تبعا لذلك ديانة محنطة : ان لعنة الثبات (الجمود) تقع على بني اسرائيل، فهم يهيمون على وجوههم مثل شبح في العالم الحي المتحرك بقوة من روح الله، فهم لا يمكنهم أن يموتوا ولا أن يحيوا من جديد”.

هيس المفكر والقائد الاشتراكي :
خلال العقدين التاليين لنشر”الترياركية الاوربية” سيكرس هيس كل طاقاته في توضيح وجهات نظره حول الاشتراكية وتطبيقها العملي. انضم الى الايديولوجية المعارضة لليسار الهيغلي، انجذب الى وجهات نظر شتراوس وفيورباخ وماركس، لكنه في نهاية المطاف سينفصل عنهم، لأنه لم يتمكن من الاتفاق مع المذهب أحادي الجانب، الطبيعي والمادي. وفي الحين الذي تعزز فيه نفوره من “الثنائية” المسيحية بمساعدة الانتقادات الراديكالية التي وجدها في كتابات شتراوس وفيورباخ، لكنه لم يتخذ موقفاً سلبياً تجاه الدين.
ومن جانب آخر، كان لماكس شتايرنر ( 1806 ـ 1856م) الفيلسوف الألماني، الذي يعتبر أحد مؤسسي الفلسفة العدمية (والوجودية واللاسلطوية) الدور المهم الذي ساعده في تحديد الفرق بين الحرية الحقيقية للفرد واللاأخلاقية، وبين الاشتراكية والأناركية. فبقي هيس ثابتاً في موقفه وقناعته بأن الأخلاق الاجتماعية هي الأساس للعمل الاجتماعي والهدف الحقيقي من الفلسفة.
في كتيب نشره هيس في عام 1845 بعنوان “آخر الفلاسفة The Latest Philosophers”، ينكر العدمية الأخلاقية لبرونو باور وماكس شتيرنر، متهما اياهما بأنهما تبنّيا واعتمدا النظرة الثنائية للمسيحية وللمثالية الميتافيزيقية بفك الارتباط بين : الفكرة والواقع، النظرية والتطبيق، المجتمع والفرد.
إن فكرة الحرية، المجردة والنظرية البحتة، تحرم الحرية من معناها الاجتماعي، فيعتبرها هيس على أنها : “لا تعتبر أي شيء ـ بالنسبة لي ـ أكثر من تمجيد للغرائز الحيوانية ، الأنانية والجشع”.
الحرية الحقيقية للفرد ترتبط بوظيفته الاجتماعية. الحرية تعني غياب العنف وغياب القيود، لكنها تتضمن تقيد الفرد بالأخلاق، والتي ينبغي أن يُظهرها الفرد في أنشطته ووظيفته المجتمعية. إن الحرية ليست إلغاءاً لقرار الارادة وليست اللامسؤولية اللاأخلاقية، لكنها إقرار عن ارادة الفرد وفقاً وبموجب طبيعته بوصفه عضواً في المجتمع البشري.
بعد عام 1841 كان هيس من محرري صحيفة الراين، ونظرا لاسهاماته وكارل ماركس، أصبحت وسيلة أو جهازا رئيسيا لليبراليين الألمان.
وفي عام 1842 ذهب هيس الى فرنسا كمراسل للصحيفة، لكن بعد سنة من ذلك تم حظر صحيفة الراين من قبل الحكومة البروسية، فعاد هيس الى كولونيا، واستمر في العمل من أجل القضية الاشتراكية كصحفي مروج لها ـ دعائي ـ وأكسبته حماسته في هذا المجال بين رفاقه في العمل لقب “الرابي ـ أو الحاخام ـ الشيوعي”.



هيس وماركس :
في عام 1845 تعاون هيس مع كارل ماركس في “الآيديولوجية الألمانية” وبعدها بسنتين يذهب هيس الى بروكسل للعمل معاً مع ماركس في المساهمة في المطبوعات والمنشورات الاشتراكية وفي التنظيم الشيوعي. ويبدو أن هيس قد لعب دوراً ملحوظاً في التأثير في فكر ماركس في الفترة الحرجة من الانتقال من الراديكالية الليبرالية الى الاشتراكية. وفجأة نرى هيس قد سقط تحت تأثير سحر مؤسس “الاشتراكية العلمية” واقترب من وجهة نظره. وبالرغم من ذلك، فان الصداقة بين الرجلين، اللذين يختلفان أحدهما عن الآخر بشكل كبير في المزاج والنظرة الاجتماعية، كانت قصيرة الفترة.
وماركس، من جهته، كره المثالية المتحمسة (الحماسية) لهيس، ونهجه الأخلاقي في مقاربة اشكاليات (مشاكل) الحياة الاجتماعية. في البيان الشيوعي (1848) يصف ماركس أفكار هيس حول “الفلسفة في التطبيق” و ” الاشتراكية الحقيقية” بأن لا معنى لها (هراء فلسفي) وأنها خيوط العنكبوت التي تم إلباسها وتطريزها (بالورود) بجميل الخطابة . كان خطأ هيس وفقا لماركس: أنه لا يمثل مصالح البروليتاريا كطبقة، بل كمصالح الطبيعة البشرية للانسان بشكل عام، الذي يوجد فقط في عالم ضبابي في الخيال الفلسفي.