الرئيسية » مقالات » هل الحل في تقسيم العراق؟

هل الحل في تقسيم العراق؟

أوعدتُ في مقالي السابق الموسوم (العراق في مفترق الطرق )، أن أطرح حلولاً لما يواجهه الشعب العراقي من تصعيد غير مسبوق لأزمته الدائمة في صراعاته الطائفية والأثنية، إلى حد أن رفع الأخوة الأعداء شعارات وهتافات شتائمية بذيئة إلى كسر العظم كما يقولون. فما الحل الآن بعد أن وصل العراق إلى مفترق الطرق. أي طريق يسلك؟ هل الحل في تقسيم العراق إلى ثلاث دول، أو دويلات مستقلة، أو دولتين، واحدة عربية وأخرى كردية؟ أم فيدراليات، أو كونفيدراليات، أو التعايش مع هذا الوضع المزري إلى أن يجتاز العراقيون المراهقة السياسية ويبلغوا سن الرشد؟

بعد نشر المقال المشار إلمشار إيه أعلاه، استلمت جملة من الأفكار ومشاريع حلول، كما وقرأت العديد من مقالات لكتاب أكاديميين ومفكرين، وصحفيين، وكذلك تصريحات بعض السياسيين، وتعليقات ورسائل الكثير من القراء الكرام.
على العموم، يمكن تقسيم الآراء والمواقف إلى قسمين: الأول مع التقسيم، والثاني ضد القسيم… أحاول عرض البعض منها بإيجاز نظراً لأهميتها وقوة طرحها، ومناقشتها للوصول إلى استنتاج.

دعاة التقسيم
يرى دعاة التقسيم أن الشعب العراقي في هذه المرحلة غير قابل للتعايش في دولة واحدة بإرادته الحرة وفي ظل نظام ديمقراطي وفر لجميع مكونات الشعب حق الاختيار في العيش معاً أو افتراقاً. ويرى هؤلاء أن الوحدة الوطنية غير مقدسة، وأنها غير موجودة أصلاً لتكون مقدسة أو غير مقدسة لكي نحافظ عليها. فبعد كل هذا الطوفان من الحقد الطائفي الذي طفح على السطح مؤخراً، وصبه المتظاهرون في المثلث السني على الشيعة، فما الذي يجمع هؤلاء الأخوة الأعداء في دولة واحدة إذا كان البديل (الانفصال) ممكناً؟
وفي هذا الخصوص: “اعرب النائب عن التحالف الوطني، جواد البزوني في تصريح خطير ان حل الازمة التي يمر فيها العراق هو تقسيمه الى ثلاث دول، متهما ارادات وأجندات داخلية وخارجية بالعمل من اجل تقسيم البلد، مشيرا الى ان تقسيم العراق بات اليوم مطلبا سياسيا وشعبيا، حسب قوله، داعيا الشيعة في محافظتي نينوى وكركوك الى “الهجرة للجنوب”.

ففي عصرنا كانت هناك شعوب وقوميات موحدة في فيدراليات، مثل الاتحاد السوفيتي، ويوغوسلافيا، ولكن ما أن انهارت الأنظمة الشيوعية حتى وانفرط عقد هذه الفيدراليات، وانتهت بتكوين دولها القومية إما بالوسائل السلمية كما في جمهوريات الإتحاد السوفيتي سابقاً، أو عن طريق حروب إبادة الجنس، وتدخل دول أجنبية كما حصل في بلاد البلقان، أو عن طريق حروب طويلة المدى كما حصل في تقسيم السودان.

ومما يجدر ذكره، أن التقسيم ليس خاصاً بدول العالم الثاني والثالث، أو نتيجة التخلف الحضاري..الخ، بل ويحصل حتى في العالم الأول المتقدم كما هو المخطط في سكوتلاندة التي تطالب بالانفصال من المملكة المتحدة (بريطانيا) وتم ترتيب إجراء استفتاء شعبي في العام القادم، وكذلك مقاطعة كتالونيا تطالب بالانفصال من أسبانيا. ففي عصر العولمة يسير العالم في طريق ذي اتجاهين متعاكسين، اتجاه نحو التقارب بين الدول بتكوين فيدراليات اقتصادية بمحض اختيار وإرادة شعوبها، مثل الاتحاد الأوربي، واتحاد أمريكا اللاتينية، واتحاد أمريكا الشمالية، والوحدة الأفريقية، واتحاد جنوب شرقي آسيا…الخ، واتجاه آخر معاكس يقود إلى انفصال شعوب تنتمي إلى دولة واحدة تحلم بتحقيق دولها القومية، مثل كتالونيا وسكوتلاندا وكردستان…

يتكون الشعب العراقي من ثلاث مكونات كبيرة متصارعة فيما بينها، موزعة جغرافياً: العرب الشيعة (محافظات الوسط والجنوب)، العرب السنة (الحافظات الشمالية الغربي)، الكورد (المحافظات الشمالية الشرقية). إضافة إلى أقليات قومية ودينية أخرى، التركمان، والمسيحيين، والصابئة، والأيزيديين، والشبك وغيرهم.

فبالنسبة لإقليم كردستان، كتب لي صديق رداً على من يعارض التقسيم، قائلاً:
((هل العراق هو موحد حاليا؟ هل يمكن لشرطي عراقي أن يدخل كردستان؟ فحتى المواطن العراقي من المحافظات العراقية غير الكردستانية لا يسمح له دخول كردستان إلا بتأشيرة دخول (فيزة) كأي أجنبي. وهل وهل…الخ؟ بنظري أن العراق مقسم حاليا، فالأكراد مستقلون فعليا وعمليا في موطنهم التأريخي كردستان، و لا سلطة للحكومة الفدرالية على كردستان. وحق تقرير المصير مبدأ كفلته منظمة الأمم المتحدة، فلماذا لا تكون عندنا الشجاعة الكافية ونعترف بالواقع؟ أرى انه من الأفضل ان نفترق وديا وعقلانيا كما فعل الجيك والسلاف عبر مفاوضات مفصلة تعيِّن الحدود والصلاحيات والعلاقات، و نبقى اصدقاء تربطنا بهم علاقات ود و صداقة وتجارة واقتصاد الخ.. هذا هو الحل الحضاري لوضع العراق. و أرى انه أولى بالحكومة المركزية ان تبادر بالخطوة الاولى و تقترح ذلك على حكومة كردستان باستقلال كردستان، الدولة الصديقه التي تربطنا بها علاقات اقتصادية وثيقة سوف لا يكون للأكراد اي نفوذ أو وزراء، أو أعضاء في الحكومة المركزية، او البرلمان المركزي، و لا ندفع 17بالمائة…الخ من قوت ابن الوسط و الجنوب. هذا ما اراه صالحا للعراق و هذا ما اراه قادماً، اي انفصال كردستان عن العراق شئنا ام أبينا، و لكن ارجو ان يكون ذلك سلميا”- مع تحياتي القلبية)) أنتهى.

مناقشة: هذا الكلام سليم جداً، وأنا أتفق معه. فقد حرَّم الحلفاء (بريطانيا وفرنسا) في معاهدة لوزان عام 1923، الشعب الكردي من التمتع بحقه في إقامة دولته القومية أسوة ببقية الأمم. وقسموا كردستان على أربع دول: تركيا، وإيران، والعراق وسوريا. ومنذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921، لم يتوقف الاقتتال بين الحكومة المركزية والحركة الكردية إلا في بعض فترات الهدنة. وإذا كان الصراع قبل 2003 بين الحركة الكردية والحكومات العراقية المركزية المتعاقبة، فإن الصراع يهدد الآن ولأول مرة بالتحوَّل إلى ما بين الشعبين، العراقي والكردي، وحتى يرفض الكرد اعتبار أنفسهم عراقيين، ويفضلون عليه تعبير(مواطنو كردستان الجنوبية) وهذا من حقهم.

ومنذ تحرير العراق من حكم البعث الفاشي، لعب السيد مسعود البرزاني، زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، ورئيس الإقليم، دوراً فعالاً في عدم استقرار العراق، وتحت مختلف الحجج. فهو على الدوام ضد الحكومة الفيدرالية، وأياً كان رئيسها، وضد تسليح الجيش الوطني، وضد تحركات الجيش العراقي في المناطق الشمالية من العراق لملاحقة الإرهاب… الخ، ويقف مع أية حركة في بقية مناطق العراق من شأنها زعزعة الأمن والاستقرار في العراق كما تجلى ذلك في موقفه من تظاهرات المثلث السني الآن، حيث قام بتوجيه دعوة إلى الطائفي، الشيخ يوسف القرضاوي، العدو اللدود لشعبنا العراقي، ليزور كردستان وليستخدمه في دعم ما يسمى بانتفاضة “الربيع السني”، لإشعال الفتنة الطائفية في العراق. فهكذا وحدة بالتأكيد غير مرغوب فيها، وهي الضد من مصلحة الشعبين، العراقي والكردستاني. وإذا كان الشعب الكردستاني يختار الانفصال بدولته القومية المستقلة فبه، وليكن الانفصال سلمياً، وألف مبروك عليهم.

ولكن،
ولكن، يجب أن نضع في نظر الاعتبار، أن انفصال كردستان سوف لا يكون على طريقة الجيك والسلاف الحضارية والودية كما تصوَّر الصديق، ولا حتى على طريقة انفصال السودان الجنوبية عن السودان الشمالية، فهناك عشرات المناطق المتنازع عليها، ولا على طريقة دول البلقان بعد انهيار يوغوسلافيا، بل سيكون على طريقة الهند وباكستان. فالسيد مسعود برزاني هيأ من الآن قائمة طويلة من مشاريع لحروب مستقبلية لسفك أنهار من الدماء، وتبديد ثروات البلدين في حروب طاحنة بدلاً من صرفها على الإعمار والازدهار الاقتصادي لرفاه الشعبين المتجاورين. ففي رأي برزاني، صارت أجزاءً من الشريط الحدودي الشرقي من العراق تابع لإقليم كردستان يطلق عليها (المناطق المتنازع عليها) ابتداءً من شمال شرق محافظة البصرة مروراً بمحافظة ميسان (العمارة)، والكوت إلى أطراف شرق بغداد وصلاح الدين والموصل. (يمكن التأكد من ذلك بتنضيد عبارة: “خارطة كردستان الكبرى” في مساحة البحث في google)، بل وحتى بدأ الأخوة الكرد يستخدمون عبارة (المناطق المستقطعة) بدلاُ من المناطق المتنازع عليها.

فالوضع الراهن بين إدارة الإقليم والحكومة المركزية شاذ وغير مقبول مطلقاً بالنسبة للشعب العراقي، وعلى سبيل المثال لا الحصر، كان الإقليم يستلم من واردات النفط من الأمم المتحدة في عهد الحصار الاقتصادي زمن صدام نحو 12% من ميزانية العراق، وفي عهد بول بريمر، الحاكم المدني لقوات التحالف، صارت في حدود 13% ، ولكن في عهد تولي الدكتور أياد علاوي أبرم صفقة مع البرزاني فصعدت الحصة إلى 17%. بينما تفيد دراسة أن “في 12 حزيران 2012، نشر تقرير لبرلمان كردستان عن إحصاء حديث لسكان الإقليم جاء فيه: “عدد سكان اقليم كردستان يبلغ 4 ملايين و189 الف شخص، ويشكلون 12.6% من مجموع سكان العراق”. حسبما نشرته أكنيوز.” (من مقال للكاتب السيد صائب خليل، نشر يوم 11/11/2012 على مواقع الإنترنت).
ولكن الإقليم يستلم 17% بدلاُ من 12.6% وهذا يعني أنه يستقطع من حصة المحافظات الأخرى دون وجه حق، إضافة إلى استحواذ حكومة الإقليم على واردات كمارك الحدود، والتي تبلغ مئات الملايين من الدولارات شهرياً.

نفهم مما تقدم، أن حكومة الإقليم الكردستاني مستقلة ولا نفوذ للحكومة المركزية عليها مطلقاً، و أن حكومة الإقليم هي التي لها حصة الأسد في حكومة المركز. وعليه فهذا الوضع لا ينسجم مع نظام فيدرالي عادل وفق الدستور الذي صوت عليه الشعب. لذا يجب على الحكومة المركزية أخذ المبادرة بالمطالبة باستقلال كردستان ضمن حدود قبل 9/4/2003. أما إذا كانت حكومة الإقليم لا تريد الانفصال الآن لأن الظروف الداخلية والدولية لا تساعدهم على ذلك، ففي هذه الحالة يجب على القيادة الكردستانية أن تراعي مصالح الشعب العراقي وتلتزم بالدستور، وتعترف أن كردستان جزء من الدولة العراقية الفيدرالية، وأن لا تتصرف وكأنها دولة مستقلة وتهيمن على دولة أخرى، ولا تقف عقبة أمام بناء مؤسسات الدولة العراقية الديمقراطية من قوات مسلحة ومحاربة الإرهاب، وأن تحل جيشها الخاص بها (البيشمركه)، أو تضعه تحت تصرف الحكومة المركزية كجزء من الجيش الوطني. وكذلك الحال في التصرف بالثروات الوطنية والعلاقات الخارجية وإبرام الاتفاقيات الاقتصادية وخاصة النفطية، تكون من شأن الحكومة المركزية فقط.

وفي حال اختيار الكرد للإستقلال، يجب تحل قضية المناطق المتنازع عليها، بما فيها كركوك وجلولاء والسعدية وبدرة وجصان، وعشرات المناطق الأخرى غيرها، بالوسائل السلمية، وذلك بتطبيق المادة 140 من الدستور، أي بإجراء إحصاء سكاني عام لسكان العراق في ظروف أمنية ملائمة، ومن ثم إجراء استفتاء لسكان المناطق المتنازع عليها تحت إشراف الأمم المتحدة فيما إذا يريدون البقاء مع العراق أو الالتحاق بجمهورية كردستان. ويجب على جميع الفرقاء احترام نتائج الاستفتاء والتعامل معها بطرق حضارية.

التقسيم الشيعي- السني
في الوقت الذي أرى فيه إمكانية، بل وضرورة، استقلال كردستان سلمياً وبمساعدة أمريكا، والوحدة الأوربية، والأمم المتحدة، ولكن في نفس الوقت أرى استحالة التقسيم بين الشيعة والسنة،لأسباب كالآتي:
العلاقة بين السنة والشيعة أكثر تعقيداً وتشابكاً، حيث تتداخل فيها أمور كثيرة، وليس هناك حل سحري لهذه المعضلة العصيبة المعقدة. قد يبدو أن الحياة المشتركة في دولة واحدة شبه مستحيلة الآن، ولكن لو تأملنا المشكلة بإمعان نرى أن الجهة المهيمنة على القرار السني حالياً هي فلول البعث وحلفاؤهم من أتباع القاعدة، مستخدمين التحريض الطائفي ضد الشيعة، يحاولون إسكات الأصوات السنية العاقلة والمعتدلة بالبلطجة. وقد بات من المؤكد أن هؤلاء ينفذون أجندات أجنبية لإشعال حروب طائفية على مستوى المنطقة تمتد نيرانها من إيران إلى لبنان، ووراءها بعض الدول الكبرى ولا نستبعد دور بعض المؤسسات الأمريكية، والشركات النفطية الغربية تقوم بنفس الأدوار التي لعبتها في الستينات من القرن الماضي والتي قامت بانقلاب 8 شباط 1963، وإنقلاب 17-30 تموز 1968. فحزب البعث هو الأداة الضاربة الشرسة للمؤسسات الغربية، تدعمها اليوم بعض الدول الخليجية وتركيا لتقدم خدماتها للأسياد على حساب شعوب المنطقة وبالأخص الشعب العراقي، وبالتالي سيكون العرب السنة هم من أكثر المتضررين.

فعرب العراق خليط من السنة والشيعة، وليس في العراق عشيرة عربية ليس فيها سنة وشيعة، كذلك هناك مدن في الشمال، غالبية سكانها شيعة محاطة بمدن غالبية سكانها من أهل السنة. ونفس الكلام ينطبق على التركمان في الشريط المحصور بين كردستان والمناطق العربية السنية شرقي دجلة، مثل طوزخرماتو، إضافة إلى تلعفر شمالي الموصل. أما مناطق الوسط والجنوب ذات الأغلبية الشيعية، فهناك مئات الألوف من العرب السنة اختلطت دماؤهم بدناء أخوتهم الشيعة بالمصاهرة. فكيف يتم حل هذه المشكلة؟ هل بالتطهير الطائفي؟ هذه جريمة ومأساة بشرية كبرى. كيف تحل قضية بغداد وديالى والبلد والدجيل وغيرها من المدن والقرى المختلطة؟
كذلك كان صدام حسين، وبعقليته الاجرامية الخبيثة، زرع مشاكل مستقبلية وكأنه كان يخطط لمثل هذا المصير فقام بإعادة ترسيم حدود المحافظات، فاستقطع مساحات واسعة من محافظة كربلاء وألحقها بمحافظة الأنبار (الرمادي)… وغيرها من المشاكل.

ومن الجانب الآخر، نعتقد أن هذه الموجة الجنونية في الشحن الطائفي لا تمثل مواقف الغالبية العظمى من أهل السنة. فليس بين الشيعة والسنة خلاف ديني جوهري يستوجب الاقتتال أو التقسيم، وإن وجد فلا يدعو إلى هذا الصراع، مع التأكيد أن السياسيين المتصارعين غير مهتمين بالخلافات الفقهية المذهبية ولا يفهمونها وغير معنيين بها أصلاً، بل كل همهم هو تحقيق أكبر قدر ممكن من النفوذ والمصالح السياسية على حساب الطرف الآخر. ولو تأملنا جيداً لتأكد لنا أن أهل السنة هم محبو أهل البيت، وتأريخياً كل أهل العراق، سنة وشيعة، كانوا من أتباع الإمام علي ضد معاوية كما أوضح ذلك فضيلة الشيخ أحمد الكبيسي في لقاء تلفزيوني، الأمر الذي أثار غضب الوهابيين ضده، والذين هم وراء إشعال الفتنة الطائفية في العراق. وكذلك الشيعة هم من أتباع السنة النبوية، إذ كما نقل عن آية الله السيد السيستاني قوله: “السنة هم أنفسنا”!
والجدير بالذكر، أن معظم الباحثين في قضية (الطائفية السياسية)، وأنا منهم، استنتجوا أن الصراع ليس دينياً ولا فقهياً، وإنما هو سياسي، حيث يستغل السياسيون الطائفيون أبناء طائفتهم لأغراضهم السياسية. ولو لم يكن هناك انقسام مذهبي لاخترعوا سبباً آخر لهذا الغرض مثل الانقسام المناطقي، أو الجهوي: شمال وجنوب…الخ

فالجهات التي تساعد على إشعال الصراع السني- الشيعي بغية إلحاق الضرر بالشيعة، وفيما لو نجحت الأجندات الأجنبية في تقسيم العراق وإقامة ثلاث دول، يجب أن يعرفوا، وخاصة أبناء المحافظات الغربية أنهم سيكونون من أشد المتضررين بالتقسيم إلى دولة سنية ودولة شيعية، لأن التقسيم سيضع الأكراد والعرب السنة في مواجهة دموية مباشرة، كما وسيضع الكرد في مواجهة مماثلة مع تركيا. إذ كما نقل لنا الأستاذ سالم المشكور: «يوحي أردوغان اليوم بالانفتاح غير المحدود على كردستان لدرجة انتهاك السيادة العراقية والتعامل مع الاقليم ككيان مستقل عن العراق، لكن مسؤولاً في الخارجية التركية انتفض بشدة عندما أخبره سياسي عراقي بان الشارع العربي في العراق بات يدفع باتجاه استقلال الاقليم. نهض من كرسيه بغضب قائلا: “هذا خطر كبير عليكم وعلينا ونحن لن نسمح بذلك “.»
إذنْ، لا نتحاج إلى عبقرية خارقة لنعرف أن تركيا تستغل الأوضاع لصالحها وضد مصالح مكونات الشعب العراقي.

وربما سيكون الشيعة في المحافظات الوسطى والجنوبية من أكثر المستفيدين بالتقسيم، حيث 80% من ثروات العراق من البصرة والعمارة، وهما محرومتان من الاعمار، إذ أخبرني مطلع أنه يتم إعادة نحو 80% من الميزانية المخصصة لإعمار البصرة إلى الخزينة المركزية، لأن وزارة المالية ترفض المصادقة على الصرف. لذلك فباستقلال المربع الشيعي سيستفيد الشيعة من ثرواتهم دون مشاركة غيرهم فيها، إضافة إلى كونهم سيتخلصون من كل مشاكل الشمال بين العرب والكرد وتركيا.

ولكن مع ذلك نلاحظ أن الشيعة هم أشد المعارضين للتقسيم. فقد أثبتت الأحداث التاريخية ان الشيعة قد يكونون سذج وبسطاء معرضين للخديعة طوال تاريخهم، إلا إنهم ليسوا طائفيين بمعنى العداء لأهل السنة أو لأتباع الأديان الأخرى بدليل أنهم رغم اضطهاد الدولة العثمانية لهم لأربعة قرون، واعتبارهم فرقة منحرفة، إلا إن شيعة العراق، وليس غيرهم، هم الذين شنوا حرب الجهاد وثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني للذود عن الإسلام والدولة الإسلامية، ودفعوا الثمن باهظاً فيما بعد، بينما وقف قادة أهل السنة مع الاحتلال البريطاني، ولقبوه (أبو ناجي) لأنه أنجاهم من الترك، وحصدوا الفوائد.

ويا للمفارقة، أنه حتى إثناء حرب تحرير العراق بقيادة أمريكا من الفاشية البعثية قاومت المحافظات الشيعية “السوداء” لثلاثة أسابيع، بينما سلمت محافظات المثلث السني “البيضاء” بدون أية مقاومة.
كما ونؤكد أن غالبية أهل السنة هم ليسوا طائفيين ولا مع التقسيم، ولكن لسوء حظهم أن معظم فلول البعث هم من السنة، وهم الذين نشروا المقابر الجماعية، وطرحوا أنفسهم بعد التحرير كمدافعين عن أهل السنة مستخدمين السلاح الطائفي، ومن ورائهم بعض دول المنطقة. فالشيعة تخندقوا بالمذهب لأنهم عانوا من ظلم حكم البعث الصدامي بسبب انتمائهم الشيعي. والسنة تخندقوا بالطائفة اليوم خوفاً من التهميش من قبل الشيعة، وهو وهم بثه البعثيون وحكومات المنطقة. لذا فالشعب العراقي يحتاج إلى فترة زمنية لاستعادة الثقة بنفسه.

هل التقسيم السني- الشيعي ممكن؟
بات واضحاً لكل ذي بصيرة إن ما يجري في المثلث السني من تظاهرات واعتصامات واستخدام الشحن الطائفي، هو مؤامرة قذرة وراءها حكومات ومؤسسات خارجية، الغرض منها إسقاط الدولة والدستور، وبالتالي تدمير العراق وتحويله إلى دولة طالبانية. وهذا السلوك ناتج عن القصور في التفكير السليم من قبل قادة هذه التظاهرات. فصدام حسين منع العراقيين من التفكير واستخدام عقولهم لخمسة وثلاثين سنة، وصار هو وحده يفكر نيابة عنهم. وفي الطب نعرف أن عدم استخدام أي عضو في الجسم يؤدي إلى ضموره (disuse atrophy)، وكذلك عدم توظيف العقل يؤدي إلى ضموره وتوقفه عن التفكير السليم. إضافة إلى دور حكم البعث في التضليل، وتفتيت النسيج الاجتماعي، والتجهيل المتعمد، ومحاولة القضاء على الشعور بالوطنية، وتكريس القبلية والطائفية.
لذلك، نعتقد أن هذه الأزمة السياسية والفكرية والعقلية والطائفية والأخلاقية هي مؤقتة، وعلى أبناء شعبنا، وخاصة القادة السياسيين ورجال الدين، ورؤساء العشائر أن لا يسقطوا في الفخ، بل أن يصمدوا ويقاوموا هذه الموجة الجنونية بالصبر والحكمة، فهي ستفشل إن عاجلاً أم آجلاً، وقريباً سينتبهون من غفلتهم ويندمون كما ندم أغلب الذين ساهموا في تنفيذ مؤامرة 8 شباط 1963، و17-30 تموز 1968، وبعد أن دفعوا الثمن باهظاً.
لذا، فثقتنا كبيرة بأبناء شعبنا أنهم لن يسمحوا للمتآمرين بتمرير أجنداتهم هذه المرة، فتقسيم المحافظات العراقية العربية إلى كانتونات سنية وشيعية له نتائج كارثية لا توصف. ولحسن الحظ لا يمكن تحقيقها لسبب مهم، وهو أن التقسيم السني- الشيعي غير ممكن عملياً إطلاقاً. فالعراقيون، شيعة وسنة محكوم عليهم أن يتعايشوا معاً في السراء والضراء، في دولة واحدة إلى أن يبلغوا سن الرشد والنضج السياسي، وعندها سيتذكرون تصرفاتهم المخجلة هذه بندم شديد.

abdulkhaliq.hussein@btinternet.com  
http://www.abdulkhaliqhussein.nl /