الرئيسية » مقالات » سلموهم للقضاء في الانبار وليس لغيره

سلموهم للقضاء في الانبار وليس لغيره

لم يكن ظهور عزة الدوري بالحدث البعيد عن باقي التداعيات الخطيرة في الساحة العراقية وليست التصريحات والأصوات التي تستبعد وجوده داخل العراق تملك شيئا من الحقيقة أو اليقين في مثل هذا الأمر، لا بل العكس فأن وقائع السنوات العشر الماضية أشار لوجود حواضن للإرهاب تنتشر في أرض العراق أكثر من الإرهاب ذاته، ووصل الحال من الرخص والابتذال بتلك الحواضن أن قدمت نسائها للنكاح الطارئ قربانا وتقربا من رجال العمليات الإرهابية الذين يأتون لذبح العراقيين . ومن ينكر وجود عزة الدوري في العراق فليذهب ويستمع لهتافات المتظاهرين وقادتهم المحتشدون منذ أسابيع وبإصرار غريب تحت راية صدام حسين ذات النجوم الثلاث وكلمة الزور الله اكبر، فكل شيء يشير هناك لوجود حقيقي وبزخم عالي لتنظيم حزب البعث، وما محاولات بعض قادة القائمة العراقية أبعاد العلاقة بين التظاهرات وحزب البعث غير محاولة إعلامية مقصودة أعد لها أعدادا جيدا وفق توقيتات وسياقات و تبادل ذكي للأدوار، وكل ذلك يأتي مترافقا مع مجريات الوضع في سوريا وهو عمليا جزء من الحشد والإعداد الذي تقوده أمريكا وأذرعها تركيا وقطر والسعودية لتغيير وجهة وسياسات حكومات الإقليم لصالح الأخوان المسلمين والسلفيين لتشتعل المنطقة في نهاية المطاف بحروب مذهبية على خلفية تقسيم عرقي وطائفي يضمن على المدى البعيد اختفاء أي نوع من أنواع التهديد للمصالح الغربية وأمن إسرائيل.

في هذا المشهد نرى إن المرتبطين بحزب البعث يمثلون اليوم قوة ذات شأن بين رجال السلف وبالذات منظمة القاعدة وذراعها دولة العراق الإسلامية وعلاقتهم مع تنظيمات الحزب الإسلامي باتت في أعلى درجات وثوقها، كذلك لهم الكثير من التأثير على رؤساء عشائر وشخصيات دينية ومدنية وتتوفر لهم سطوة على الشارع السني من خلال قادة الجيش العراقي السابق من أبناء تلك المناطق، لذا فإن مظاهرات واعتصام الجماهير في المناطق الغربية سبقتها تحركات واسعة وفعالة لحزب البعث ومثله لرجال دين وتجار حروب في خارج العراق وداخله من المرتبطين بالإخوان والسلف، وتؤشر لهذه الصلة الهتافات الطائفية الاستفزازية والإصرار على رفع علم البعث وكذلك قيادة رجال الدين للتظاهرات ودعواتهم الطائفية المبطنة، وقد نجح قادة البعث ومرتزقتهم ورجال الدين باستدراج الأبرياء والسذج والعاطلين عن العمل وكذلك استغلال سوء تصرف سلطة السيد المالكي وعماها السياسي والإداري مع نقص الخدمات ليكون كل ذلك وقودا لتلك التظاهرات ومن ثم العمل من خلال ذلك لتمرير أهداف المؤامرة القادمة لا محال وهي إسقاط العملية السياسية الكسيحة ومن ثم تفتيت العراق بحرب طائفية أو بفعل أخر.
لقد اجتمعت قوى الشر لتحيط بالعراق من كل حدب وصوب وهي ساعية لإسقاط العملية السياسية في العراق مهما كان نوعها أو طبيعتها، وما شجعها على ذلك علل وقصور وتخبط سلطة المالكي وحلفائه، وغاية هؤلاء الأوباش أن يكون العراق حاضنة عربية سلفية ليس فيه اثر لمشاركة أطراف لا تربطهم وشائج بالإخوان المسلمين أو السلفيين وما عاد رجال هذه المهمة وفي سعيهم الحثيث لتغيير الخارطة السياسية والجغرافية للمنطقة يخفون توجهاتهم أو نواياهم، فنجدهم يشهرون أهدافهم بشكل صريح وواضح وهم يمتلكون شبكة إعلام محلية ودولية واسعة تقدم لهم العون في تمرير الكثير من الأكاذيب والخطب والشعارات المنافقة لاستدراج الأخر وطمأنته ومن ثم إخضاعه، ولهذا وجدنا الكثيرين من الذين وقعوا في حبائل هؤلاء باتوا لا يعرفون أين يضعوا أقدامهم وهي الحالة التي تسعى لها قيادات الأخوان والسلفيين كذلك رجال البعث للنفاذ نحو أهدافهم وتغيير خارطة القوى عبر خلخلة الأرض من تحت أقدام قاصري التفكير ومراهقي السياسة.
واتضحت الكثير من أبعاد المؤامرة من خلال مشهدين أو حالين، الأول امتناع قادة الاعتصام عن قبول التفاوض مع السلطة وأيضا تشكيكهم بنتائج اللجنة التحقيقية ونأيهم عما تحقق من نتائج قدمتها تلك اللجان خوفا وتوددا قربانا لمطالبهم، كذلك عزوفهم عن تلبية النداءات العقلانية بعدم رفع الشعارات الطائفية الاستفزازية وإصرارهم على رفع شعارات البعث والسلفية الجهادية والسعي لتصعيد المواجهات بالإصرار على عدم فك الاشتباك لحين تلبية مطالبهم بإطلاق سراح جميع المساجين دون استثناءات وإلغاء قانون المسائلة والعدالة ومثله قانون مكافحة الإرهاب وتقنين مداهمة البيوت، وتلك أهداف واضحة الغايات لا لبس فيها، إما المشهد الثاني فقد تمثل بواقعة المواجهات بين الجيش والمعتصمين حيث قتل من الجانبين عدة أشخاص كانوا في اعتقادي كبش فداء أريد من مقتلهم تصعيد في حدة المشهد وقد نفذت الواقعة بتوجيهات معروفة وبإياد خبيثة. فالمعتصم أو المدني الذي رمى الحجارة واختطف الهمر أو حاول اقتحام المعسكر أو نقطة التفتيش وقتل الجنود وهي حادثة تريد قيادات التظاهرات ومنهم رجال القائمة العراقية إخفائها وأبعادها عن التحقيق، ومثله العسكري الذي أطلق الرصاص على المتظاهرين، كانوا مدفوعين من قبل قادتهم الذين أمروهم لتنفيذ المهمة ، والعسكري ذاته أما أن يكون مرتبط بحزب البعث وهذا ليس مستغربا مع حال الجيش العراقي الحالي وكثرة من قادته ومنتسبيه على ارتباط بشكل أو أخر بحزب البعث، أو أن العسكري الذي ظهر وهو يوجه غدارته نحو صدور الجماهير مرتبط بتنظيمات الحزب الإسلامي ومليشياته من مثل حماس العراق وغيرها.وفي كل الأحوال فإن العسكري الذي وجه رصاصاته إلى صدور المعتصمين بتلك البرودة والوحشية ومثله من المدنيين الذين وجهوا قاذفاتهم نحو الجنود، لم يكونوا غير أشخاص مدفوعين لتنفيذ مهمة أريد منها تصعيد الموقف ودفعه نحو فتنة كبرى. وإذا أرادت سلطة المالكي كشف مثل هذه المؤامرة القذرة فلتسارع وتسلم هؤلاء الضباط والعسكريين للقضاء في محاكم محافظة الأنبار وليس سواها وهناك سوف يتضح كل شيء وتتكشف وتتعرى المواقف ، إن كانت سلطة المالكي حقا بريئة وبعيدة عن ما حدث في الفلوجة، وهو اتهام له ما يبرره مع سعي القوى السياسية لتقسيم العراق عبر إيصال الناس إلى حالة من الإحباط والمحن والأزمات ودفعهم لليأس والتذمر ليجدوا في نهاية المطاف أن عملية تقسيم العراق هي الأفضل والأكثر جدوى ونفعا لهم من عراق موحد.