الرئيسية » مقالات » المفكر اليهودي الألماني موسى هيس ـ 1

المفكر اليهودي الألماني موسى هيس ـ 1

يقدم جوزيف هيلر كتيباً يبحث في حياة وشخصية وفكر وكتابات موسى هيس الذي يعتبر من مفكري القرن التاسع عشر الذي مرّ في مسيرة حياته بتغيرات عديدة وأحيانا كبيرة، كانت جذرية بتغيرها والتي أثرت في نموه الفكري تماماً. فمن اليهودية الى الهيغلية فالاشتراكية فصديقا ومؤثرا في ماركس وانجلز ويؤلف كتابا بالاشتراك مع ماركس، والى اليهودية أخيراً . كل هذا لم يمنعه من العودة الى الروح القومية والى شعبه اليهودي وفكره الديني مع بقائه اشتراكيا أمينا لها.. الى أن تم اعتماد افكاره وكتاباته كمرجع من المراجع الرئيسية في فكر الحركة الصهيونية وتاسيسها.
ربما عرض هذا الكتيب لمؤلفه جوزيف هيلر حول هيس يسلط ضوءاً يستطيع التعريف به كانسان ودوره كمفكر في صناعة التاريخ برؤيته عبر رحلته وتجربته في مدارس فكرية متعددة.

ألمانيا في النصف الأول من القرن 19 وتأثيرها في الشعب اليهودي:
في النصف الأول من القرن التاسع عشر، كانت ألمانيا مقسمة الى ولايات عديدة، كانت ضعيفة بسبب حروب نابليون. لكنها ما لبثت أن مرت بمرحلة جديدة حيث استلهمت القوة من الثورة الفرنسية وبالخصوص في صفوف المثقفين والمفكرين والشبيبة الالمانية التي كانت تسعى نحو الوحدة في ألمانيا، فقامت فيها عمليات التحول الاجتماعية واعادة التنظيم السياسي.
هذه التحولات كان لها التأثير الخاص في المكانة والحالة المدنية لليهود في ألمانيا وفي أسلوب حياتهم. حيث كانت فرصة أخرجت اليهود فيها من حالة العزلة، واهتزت (نسبياً ) أسس وقواعد وحدة اليهود بسبب رياح الأفكار الثوروية. وكان من نتائج ذلك أن تصارعت (بل تعارضت) حالة اليهود ونمط حياتهم القرونوسطية والتي تميزت في حياة الكيتوات المغلقة ذات الحكم الذاتي الديني تقريباً. أقول تعارضت مع النموذج الألماني المدني الجديد (في حينه)، فالأسيجة التي أحاطت بالتقاليد اليهودية داخل الكيتوات لم يعد بامكانها الصمود أمام التأثيرات الاجتماعية التي تدعو الى الانفتاح الى مرحلة جديدة، الى التماثل والتشابه مع التحولات إن لم تدعو أيضاً الى الانصهار في الجديد.
ونتيجة لذلك التجأ بعض من اليهود الى التحول الى المسيحية حيث وجد فيه هذا البعض طريقاً ربما تكون قصيرة وسريعة باتجاه التخلص من التعاسة (أو سوء الحظ ) الاجتماعية التي شعروا بها، وبذلك اعتقدوا أنه سيكون بامكانهم الحصول على المساواة في المجتمعات الأوربية.
وبعض آخر من اليهود، استيحاءاً من عصر التنوير ومبادئه الذي بدأت تعيشه المجتمعات الأوربية، ركزوا وعلقوا آمالهم على القوة الفكرية والعقلية واعتقدوا، بل آمن بعضهم بأن المستقبل والانتصار سيكون بجانب الحركات الانسانوية التي ستعمل على تحقيق الحرية والمساواة والأخوّة بين البشر.
جاهد قادة الاصلاح الديني اليهودي من أجل التخلص من المتمسكين بالجزئيات الوطنية لليهودية، ومن أجل تكييف تعاليم السيناغوغ مع المباديء التحررية، ومواءمة متطلبات الشريعة الدينية لظروف العصر الجديد. وكان من بين الحوافز الرئيسية هو التماثل بأكبر قدر ممكن مع الشعب الألماني ليتمكنوا من استحقاق منافع حركة التحرر المدنية . كما أن الرغبة في الحصول على الحقوق والحريات المدنية حفّزت أيضاً الاورثوذكسيين المعارضين للاصلاح، الذين حاولوا الربط بين التمسك بالشريعة (التوراه) مع المشاركة بالثقافة العلمانية المعاصرة.
إن موجة الحرية التي حملتها الحروب النابليونية ليهود ألمانيا كان لها تاثيراً محدوداً في فترة قصيرة. حيث قوبل نابليون بمقاومة ورد فعل دام لفترة 30 سنة.
لكن فيما يخص التطورات في أوضاع اليهود في هذه الفترة التاريخية، لا يمكن تجاهل الأثر الكبير لحوادث دمشق ضد اليهود في عام 1840 في الرأي العام الأوربي والأميريكي بخصوص اليهود، ويمكن اعتبارها حقبة جديدة في تاريخ اليهود الحديث. خاصة أنها أعادت الى الأذهان المعاناة الكبيرة لليهود في القرون الوسطى المظلمة، وأعادت بروز ونمو روح التضامن بين اليهود في أميريكا وفي أوربا، وأيقظت من جديد الفكرة القديمة ـ الجديدة والأمل اليهودي بالعودة الى وطنه والى الفكرة اليهودية القومية، لتظهر وتنكشف بقوةٍ الأرضية الصلبة والتاريخية لهذه الروح القومية. وساعدت مسارات الأحداث في أوربا في تعزيز الفكرة المبدئية اليهودية. فبذور الوطنية الديمقراطية التي بذرتها الثورة الفرنسية، حملت ثمارها بعد الحقبة النابليونية ووصلت الى حدها الأقصى في عام 1848. فكفاح الشعوب المقهورة الصغيرة من أجل استقلالها رفع من حماس اليهود الذين انضموا الى حركات المناضلين الأوربيين من أجل الحرية والمساواة.
هذا التأثرأعلاه طال العديد من المفكرين اليهود، والذي أثر في أسُس البحث في تاريخ اليهودية وآدابها التي أصبحت علمية وأطلق عليها علم اليهودية أيضاً. فقام الرواد في هذا المجال بدراساتهم وبحوثهم للبرهنة والتأكيد للعالم على قيمة مساهمة اليهودية في الحضارة العالمية وعلى نبل الأفكار اليهودية، إنْ كان في المجال الديني أو في المجال الأخلاقي أو غيرهما. منطلقين من معتقد وفكرة أن تحرير الذهنية والعقلية سيقود الى التحرر المدني. ومع بعض الشكوك في أن تكون انجازاتهم في هذا المجال البحثي العلمي قد لعبت دوراً أساسيا في التحرر المدني، لكن لا يمكن إنكار دورهم في رفع الحجاب والكشف للجماعات لليهودية عن روحية وعظمة الكنز الذي يملكه الشعب اليهودي وأهمية الثروة التي يكتنزها الماضي اليهودي، وبذلك خلقوا الظروف المساعدة في إعادة تقوية الوعي القومي اليهودي.

البيئة الفكرية التي ولد وترعرع فيها موسى هيس :
الزمن الذي ترعرع ونما فيه هيس، كان فترة الحياة العقلانية الفكرية intellectual في ألمانيا التي طغى عليها الصراع بين التنويريين والرومانتيكيين.
على عكس عقلانية التنويريين ، يؤكد الرومانتيكيون على العواطف والغريزية والميزات العضوية في تطور الفرد والمجتمع. فالفلسفة الألمانية بمختلف أشكالها، في الوقت الذي كانت مستندة فيه على المفاهيم الأساسية للمنظومات ذات المنظور العقلاني، اتجهت الى الافادة واستيعاب الأفكار القائدة والمسيّرة للحركة الرومانتيكية. وبلغت ذروة هذا الاتجاه في منظومة “المثالية المطلقة” الهيغلية.
حاول هيغل باستخدامه للمنهج الجدلي، القيام بالمصالحة بين عقلانية التنويريين مع عواطفية الرومانتيكيين. اعتبر الأضداد الواضحة كتعبيرات جزئية مكملة للنمو الذاتي في الارتقاء لتبني الفكرة العقلانية. ومع هذا ، فشل النظام الهيغلي في توفير حلّ للمشاكل الروحية والاجتماعية لأوربا في مرحلة ما بعد نابليون.
بعد وفاة هيجل (1831)، حدث أن فصلت عناصرُ فلسفته السياسية والدينية مدرستَه الفلسفية الى جناحين : يمين ويسار.
ديفيد شتراوس يمثل قائد جناح اليسار الهيغلي، الذي فسّر الدوكما ـ العقائد المسيحية كميثولوجيات نقية، محولاً فلسفة هيغل الى نوع من وحدة الوجود الطبيعي.
وتلميذ آخر من تلاميذ هيغل، وهو فيورباخ، الذي رفض فلسفة معلمه هيغل معتبراً إياها لاهوتاً مقنعاً، واعتبر الدين اسقاطاً وهمياً لمثاليات الانسان وأنجب نوعاً من الميليشيا (القوى) المادية أو المادية المسلحة التي سرعان ما أصبحت سائدة في المانيا.
في نفس الوقت الذي تبرأ فيه كارل ماركس من مثالية هيغل، اعتمد عناصر أساسية من فلسفته للتاريخ. بتجريده للمنهج الجدلي من المثالية الهيغلية. وادعى أنه في غنى عن المثالية الرومنتيكية التي اتسم بها مفكري الاشتراكية المبكرين، ومطهراً الفكرة الاشتراكية من أوهام الطوباوية، ووضع الأسس العلمية لحركة اشتراكية جماهيرية، عن طريق تكييف الدوافع الرئيسية لعصر التنوير: مذاهب العقلانية والنفعية والانسانوية، لمتطلبات الصراع الطبقي للبروليتاريا. النظرية الماركسية تهدف تبرير الصراع من أجل خلق مجتمع الطبقة الواحدة (ايكاليتاريان)، التي أصبحت خميرة قوية في حياة أوربا الحديثة. ولكن سرعان ما وجدت لها منافساً يتمثل في القومية الديمقراطية الناشئة.
في القرن التاسع عشر يبدو أن الدوافع والأفكار أو المثل الاشتراكية والديمقراطية كانتا في تعارض فيما بينهما. فبينما أصبحت الاشتراكية الماركسية في اوربا الغربية حركة ثورية، مستوحاة من العقلانية البحتة، ظلت القومية المثالية ـ الأقرب لعصر التنوير المبكر ـ مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالأفكار الرومانتيكية. سعت الاشتراكية الى نظام اجتماعي، يتجاوز الانقسامات الجغرافية و العرقية، بعدم الاهتمام بالتقاليد التاريخية وبالتقليل من أهمية المشكلة القومية الوطنية.
الحركات القومية الوطنية الديمقراطية في القرن التاسع عشر، من ناحية أخرى، استمدت قوة لها من الروابط العاطفية مع الاثنيات العرقية لكي تبقيها على التقليد التاريخي: تشترك مع الاشتراكية في ايمانها بمباديء الثورة الفرنسية، لكن قوة أرضيتها كانت الشعور بالقرابة والانتماءات العرقية والقومية، والوعي بالمصير المشترك والمجد الرومانتيكي للماضي المشترك.
القومية الديمقراطية ـ من طبيعتها ـ لا يمكنها التوفيق بينها وبين المادية الطبيعية (الخام)، التي تتجاهل أهمية الروح والثقافة الوطنيتين كعامل مستقل في التاريخ، ولا مع ماركسية الجدلية المادية التي تعتبر الظروف الاقتصادية كعامل حاسم ووحيد في الحياة الاجتماعية.
الصراع بين المادية والمثالية أصبح نقطة ارتكاز لموسى هيس في مسعاه الفكري. كانت رغبته في تحقيق العدالة أو العدالية بين الجوانب الروحية والمادية للواقع وللجمع بين العدالة الاجتماعية مع حرية الفرد والأمة. وهذا هو ما قاد هيس الى اعادة اكتشاف المعنى الاجتماعي لليهودية وفكرة القومية اليهودية.

حياته وأعماله:
ولد هيس في بون (بروسيا) في عام 1812، اربعة سنوات بعد احتلال القوات النابليونية للمدينة والغاءها لكيتو المدينة اليهودي. كان والده تاجراً ماهراً، يحضى باحترام الجماعة اليهودية التي يعتبر عضواً فيها. والدته تنحدر من عائلة رابيين وعلماء يهود بولنديين. فبالتوافق مع هذا، أعطي له اسماً ألمانياً، موريس، والذي سيغيره فيما بعد بنفسه الى اسم موسى.
في سن التاسعة ذهب مع والديه الى كولونيا (كولن)، وهنا تربى في بيت جده لأمه، كان جده رجلا تقياً ورعاً ودارساً لليهودية، سوف يكون لصلابة ونبل عقل الجد انطباعا كبيراً في الصبي، فبعد سنوات عديدة، موسى هيس ذي الخبرة الجيدة والمكافح من أجل الاشتراكية، سيتذكر بعواطف عميقة القصص التي سمعها من جده حول تدمير الهيكل، التي اعتاد الجد قراءتها لحفيده.
في سن الرابعة عشر سيفقد هيس والدته. بعدها بأربع سنوات يدخل هيس الى جامعة كولن، ولم يقم باختيار دراسة في حقل العلوم التجريبة، لأنه كان مولعاً بقراءة الكتب التاريخية والفلسفية والدينية، وكان متأثراً بروح الليبرالية الراديكالية والأفكار الرومانتيكية التي كانت رائجة في الأدب الألماني.
القطيعة مع ديانته اليهودية، وضعته في حالة صراع واختلاف مع والده. ومحاولة للاعتماد على نفسه مالياً، ترك المانيا واتجه نحو انكلترا. ففشل هناك في التمكن بالقيام بأي شيء، فذهب الى باريس، فعاش لبعض الوقت في عوز شديد، وبعدها عاد سيراً على الأقدام الى ألمانيا. وقام بالتصالح مع والده، ونتيجة للصلح وجد له أبوه عملاً معه في البزنس الذي كان يقوم به في كولن. قيامه في هذا النوع من العمل أثبت بأنه معاكس لطموحه واهتماماته : انه يحتقر الروح التجارية لأصحاب التجارة والمتاجر. كان يشعر هيس بأنها تخنق له عقله.
تحدث بعض الخلافات والجدالات بينه وبين والده، أدت به في الأخير أن يقرر إنهاء عمله مع والده.
سوف يكرس هيس بعدها وقته للعمل كصحافيّ يعمل في السياسة والصحافة.
على الرغم من المصاعب والحرمان الذي عانى منه، لكنه تمكن من ايجاد الوقت ليتعرف على التيارات الرئيسية للفكر السياسي والمدارس الفلسفية الرئيسية.
اكتشف في سبينوزا الفلسفة المتجانسة مع عقله وفكره. وجهة النظر الأحادية الحقة، التي تتغلب على ثنائية المادة والروح، من دون الاستهانة بأي منهما واقعياً، ويمكن اعتبارها كأساس من أجل الوصول الى حلول للاشكاليات الاخلاقية والاجتماعية.

يتبع