الرئيسية » الآداب » قصة قصيرة – المتلصصة

قصة قصيرة – المتلصصة

“بتّ أخشى منك أيها العالم الافتراضي”، كتب ذلك معبرا عما يعانيه من قلق.
بات باستطاعة أي شخص في عالم الفيس بوك، أن يخترق كل الحدود، ويحطم كل الحواجز، لقد أصبح الفيس بوك عالما مليئا بالمتفجرات والأسلاك الشائكة والمكائد. لا ينفك هذا الوهم يلاحقه، منذ أن طلبه جهاز المخابرات للمقابلة، ليكتشف بأن صورة وضعها على صفحته هي كل ما أثار هؤلاء الذين يتعقبونه، ويكادون يحاصرونه، ويحصون عليه أنفاسه، ويدخلون بأسماء مستعارة، “يا لتلك الأسماء المستعارة، كم كانت وبالا” خاطب نفسه، مضيفا: “هل كان ذلك جبنا أم قوة أن تختفي وأنت تتابع الآخرين؟”
هذه المرة يلاحظ أن إحداهن تلاحقه، تعلق على كتاباته وتعجب بها أولا بأول، وتعمل لها مشاركة، حدث ذلك مرارا وتكرارا، لم يستطع التخلص من وهم المخابرات، كما أنه أبعد فكرة أن تكون مجرد معجبة بما يكتب، تسيطر عليه فكرة أن تكون لها علاقة بالمخابرات. لكنه لم يعد يكتب في السياسة شيئا، لقناعته أن التغيير الحقيقي لا بد له من فعل على أرض الواقع، وبأن وجع الرأس لا يفيد كثيرا، لاسيما وأن المسكنات أضحت لا تجدي نفعا.
يبادر ويضيفها صديقة فتستجيب له على الفور، يبعث لها برسالة، ولكنها لم ترد عليه. انتظر ردها ثلاثة أيام، تعرف عليها، وحاول أن يكشف عن سرها، وهي في كل مرة تبدي إعجابها بما يكتب، وأن ما دفعها لذلك هو أن كتاباته كما قالت “تدخل العقل والروح”، “يا لتلك الكتابات المؤرقة” قال في نفسه. لم يقتنع، حاول أن يجري معها حديثا، لعله يظفر بالحقيقة، كانت ترفض أن تقول شيئا مفيدا يسكن أوجاعه ويسكت الوهم المعشش في ذاكرته.
– هل لي أن أراك إذن؟
كانت تظن أنه ربما يريد أن يعمل معها علاقة، فأجابته:
– هكذا بهذه السرعة، تريد أن تراني وأن تتعرف عليّ. لقد صدمتني.
– لا، ليس صدمة، نتعرف أولا.
– لي الشرف أن أتعرف على حضرتك، ولكني أراك مستعجلا.
– أستطيع أن أقول أنك موافقة من حيث المبدأ على اللقاء. أليس كذلك؟
– أرتب أموري، وأخبرك إن شاء الله.
– الأمر لا يحتاج إلى ترتيب أمور، لقاء تعارف ليس أكثر! على كلٍّ، أنت حرة لو رتبت أمورك سنتفق على مكان اللقاء وموعده.
– إن شاء الله، أخبرك لاحقا.
شعر بأنها تتهرب من لقائه، وهذا قد عزز شكوكه التي أقلقته. بات مقتنعا أكثر من ذي قبل أن وراءها سرا، حاول أن يعرّفها أن مقصده بعيد عما هي تفكر فيه، فهو لا يريد منها أي شي سوى أنه يريد أن يطمئن بأن ما فكر فيه بالنسبة لها لم يكن سوى أوهام، لعله يرتاح ويهدأ. تبادره بسؤال أجاب عليه بطريقة أشعرها بأن السؤال ليس في محله، فهو لا يريد أن يعمل معها علاقة أبدا، فأعاد عليها الطلب نفسه:
– نتقابل أولا وبعدها لكل حادثة حديث.
– ألم تر إنك على عجلة من أمرك!
– ليست قضية عجلة، عندما أراك سأقول لك ما هو هدفي من المقابلة.
– لماذا؟ ماذا لو أخبرتني الآن؟ كأنك تبحث عن شخص معين؟ اطمئن أنا لست ذلك الشخص.
صدمة أخرى، تعزز من شكوكه، فلماذا تقول: “أنا لست ذلك الشخص”. غدا شبه متأكد أن وراءها سرا ولا بد من أن يعرفه، فأخبرها بتلك الشكوك، وباحتمالاته التي أزعجته:
– أنا شاكّ بأحد أمرين إما أن تكوني ذلك الشخص الذي أبحث عنه، أو أنك تعرفينه جيدا، وتتابعينني من أجل أن تخبريه عني وعما أكتب، وربما مخابرات.
تنفي من هذه الاحتمالات اثنين، وأخبرها بأنها إذن تعرف ذلك الشخص وهي على علاقة معه، وبأنه غير مقتنع بما قالته نهائيا. تعوّل هي على الصدفة، وتتعلل بأنها فقط معجبة بما يكتب، ولكنه مع كل مرة يزداد شكه، ويقترب من اليقين، على الأقل في الاحتمال المتبقي، بأنها تعرفها، وتعرفها جيدا.
تطلب منه أن يهدأ، وأن يسمعها جيدا، فقد شعرت بأنه يتحدث معها بعصبية بدت فيما يكتبه من ردود على رسائلها. يخبرها بأن أوهامه لن تجد لها حلا إلا بأن يراها، وبأنه مصرّ على رؤيتها. ويَعِدُها أنه بعد أن يراها لن يتحدث معها نهائيا، تاركا لها حرية أن تظل صديقة له تتابع ما يكتب، وبأنه لن يحظرها. تطلب منه أن يمهلها قليلا، يؤكد لها هدفه من اللقاء:
– هذا كل ما أفكر فيه لا أكثر ولا أقل، ليس لي أي غاية أخرى، وعليك أن تحسمي الأمر الآن.
شعرت بما يعاني من أرق، يتفقان على المكان والزمان، ولكنها اشترطت عليه أن لا تتحدث معه، ولكنها ستدخل إلى المكتبة، وتشتري كتابا معينا، وتنظر إليه حينها ليتأكد أنها هي من كانت تقرأ له وتتابعه. شعر بأنها أذكى منه بكثير، حاول أن يلتفّ على الأمر:
– ولكن، ربما دخلت إحداهن واشترت الكتاب نفسه، فكيف لي أن أعرف أنك أنت من اشترى ذلك الكتاب؟
– سأخبرك مساء أنني أنا من اشترى ذلك الكتاب، وسأعيد لك ما سمعته مني، وأنا أساوم صاحب المكتبة، لا عليك، ستكون متأكدا أنك رأيتني ساعتئذٍ.
أسقط في يده، لقد حاصرته بدلا من أن يحاصرها، لم يكن لقاؤها ليزيل أوهامه، يبقى الاحتمال الثالث قائما: ربما كانت على صلة بها، وتنقل لها أخباره ومضمون كتاباته، وربما تقرأ من خلال صفحتها ما ينشره، بقيت هواجسه على حالها، بل وتكبر يوما بعد يوم، وبقيت هي تتابع ما يكتب، وتتلصص عليه، دون أن يتحدث معها، وبقي سؤاله معلقا: لمصلحة من كانت تفعل كل ذلك؟!!

———————-
فراس حج محمد/ فلسطين نابلس