الرئيسية » مقالات » الأحزاب العراقية بين سلبيات الماضي والحاضر ومتطلبات المستقبل

الأحزاب العراقية بين سلبيات الماضي والحاضر ومتطلبات المستقبل

تعد الأحزاب السياسية الأساس المتين لبناء الديمقراطية والضمانة الحقيقية لحماية الحقوق والحريات العامة في أي مجتمع سياسي. ولكن هذه المؤسسة المدنية التوعوية والتنظيمية المهمة تعاني في العراق من أزمة حقيقية على امتداد تاريخ الدولة العراقية الحديثة، كيف؟.
العمل الحزبي في العراق في العهد الملكي:
في كتابه القيم (تاريخ العراق السياسي الحديث، الجزء الثالث، ط 7، 2008)، الذي كتب في نهاية عقد الخمسينات من القرن العشرين، تطرق العلامة المرحوم عبد الرزاق الحسني في الصفحات 246- 248 إلى فقرة تخص الأحزاب العراقية في العهد الملكي، وبين أسباب فشل الحياة الحزبية – آنذاك -، وقد حدد هذه الأسباب بما يلي:
1- عدم قناعة زعماء الأحزاب بضرورة العمل على أساس التنظيم الشعبي.. بل كان هم الزعماء التحرر من القيود التي تقتضيها الالتزامات الحزبية.
2- عدم توفر قابلية التنظيم.. ولئن وجد بين الزعماء من توفرت فيه شروط الزعامة.. فان ذلك الشخص يعوزه روح التنظيم حتى في الأحوال التي اضطر فيها إلى العمل الحزبي.. ونرى هؤلاء الزعماء يركنون إلى مناورات وحركات مرتجلة، تمليها الظروف الطارئة على الوضع القائم، دون تفكير فيما تجره هذه التصرفات من مساوئ، وما تؤديه من أرزاء تصيب حياة الدولة في صميمها، معتمدين على قابلياتهم الشخصية في إجراء هذه المناورات.
3- إن عددا كبيرا من محترفي السياسة قد اتخذوا من هذه الحرفة وسيلة للعيش، وسبيلا للارتزاق، وهم لهذا لم يضعوا خطة لسيرهم، ولم يرسموا هدفا لإعمالهم، فهم بالطبع بعيدون عن النظم الحزبية، التي توجب تركيز فعاليتهم في حدود مبادئ الحزب، وإلزام أنفسهم بمقرراته. ولئن رأيتهم منخرطين في حزب من الأحزاب، فهم سرعان ما ينقلبون على حزبهم، إذا ما لاح لهم في غيره نفع أعم، أو مغنم أوسع، كما أنهم على أتم استعداد للتبري من الحياة الحزبية حين تعود عليهم بأقل الضرر.
4- ضعف ثقة الشعب في التنظيمات الحزبية..
5- إن الأحزاب السياسية في العراق كثيرا ما تتوقف عن أعمالها، أو تحل نهائيا متى حققت أوطارها، وقضت لبناتها، أي أن الأحزاب لم تعش إلا مدة يسيرة..
6- مساعي اليد الأجنبية، وعملها بكل قوة على إحباط كل مسعى توجيهي في البلاد، لأنها ترى فيه شبح المقاومة المنظمة التي تتعبها وتحول دون تحقيق كثير من أهدافها.
ولم تتغير هذه الصورة كثيرا في العهد الجمهوري منذ عام 1958 إلى عام 2003، بل زادت حدة وتعقيدا، لاسيما عند تسلط نظام الحزب الواحد البوليسي والعسكري في عهد صدام حسين.
العمل الحزبي في العراق بعد عام 2003:
عانت التجربة الحزبية في العراق بعد سقوط الدكتاتورية من سلبيات ومشاكل عدة منها ما هو امتداد لسلبيات العهود السابقة، ومنها ما هو جديد، وكما يلي:
1- إن كثيرا من هذه الأحزاب بلا برنامج سياسي واضح تلتف حوله الجماهير وتشعر انه يحقق مصالحها.
2- إن هدف هذه الأحزاب هو امتلاك السلطة لا خدمة الشعب فهي تجري خلف الكراسي، بدلا من أن تأتيها الكراسي كاستحقاق، وبصرف النظر عن من يمنح الكرسي أو كيف يتم الحصول عليه.
3- إنها أحزاب طوائف وقوميات ومناطق وفئات أكثر منها أحزاب وطنية واسعة الامتداد تجمع العراقيين من الجبل إلى البحر.
4- سيادة ثقافة الإقصاء والنبذ والتهميش وخلق الأزمات في الخطاب المتبادل بين هذه الأحزاب بدلا من ثقافة الحوار وتقبل الرأي والاجتماع على قواسم وطنية مشتركة.
5- سيادة نزعة الزعامة والقيادة الفردية في هذه الأحزاب، إذ تجد أنها تستمد وجودها من الانتماء لشخصيات محددة أكثر مما تستمده من برنامجها السياسي فهي قائمة على الولاء لهذه الشخصيات بدلا من الولاء للوطن.
6- إن بعضها يمثل أحزابا نخبوية وليست أحزابا جماهيرية، فيحاول تلافي هذا العيب بوسائل مختلفة لا تمت للعمل الحزبي بصلة.
7- أنها أحزاب قد تكون مسؤولة عن تحقيق الهدف الذي عجزت عنه كل المؤامرات الخارجية ألا وهو تقسيم العراق فعلا أو واقعا.
حاجات الشعب العراقي:
إن الصورة السلبية المؤلمة لواقع العمل الحزبي في العراق، يجعل الارتقاء بدور الأحزاب في هذا البلد بحاجة ابتداءاً إلى معرفة حاجات الشعب الذي تتحرك لكسبه وتمثيله سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، إذ تتمثل هذه الحاجات بما يلي:
– ترسيخ الهوية العراقية الموحدة من خلال تأكيد روح المواطنة وتغليبها على الولاءات الضيقة.
– حفظ سيادة واستقلال العراق وحماية وحدته الوطنية.
– تأهيل الدولة العراقية لتأخذ موقعها الطبيعي إقليميا ودوليا.
– النهوض بالواقع الاقتصادي العراقي، من خلال تطوير قطاعات الزراعة والصناعة والتجارة، ووضع نظام مالي صحيح يحقق توزيع عادل للثروة، والتخلص من آفة البطالة الموجودة في قطاع العمل.
– الارتقاء بالوعي السياسي للفرد العراقي، بشكل يقود إلى نبذ العنف والإرهاب، وتغليب الحوار والتسامح والقبول بالحلول الوسط.
– معالجة الفساد المالي والإداري الذي احتل فيه العراق مراتب متقدمة عالميا إلى جنب ماينمار والصومال.
– حماية حقوق الإنسان العراقي وحرياته، التي طالما كانت هدفا لانتهاك السلطة الحاكمة لها بمختلف مسمياتها.
اتجاه العمل الحزبي في العراق:
لكي تكون الأحزاب السياسية العراقية فاعلة ومؤثرة في تلبية حاجات شعبها، تحتاج إلى تركيز جهد القائمين عليها على ما يلي:
أولا: إعادة الاعتبار للأحزاب أمام الرأي العام العراقي
لا يخفى أن الأحزاب السياسية العاملة في الساحة السياسية العراقية اليوم – علمانية ودينية – فشلت فشلا ذريعا أمام الرأي العام العراقي، الذي لم يفاجئ بفشلها، بل كان يتوقع لها ذلك مسبقا، لأن الصورة النمطية المنطبعة في العقل السياسي العراقي عن الأحزاب سلبية، حتى صار الحديث عن فشلها وفسادها عادة لدى العراقيين يتندرون بها في مجالسهم ومنتدياتهم. إن بقاء هذا الانطباع الشعبي السلبي عن الأحزاب في العراق لا يصلح لبناء دولة حديثة أساسها الثقة المتبادلة بين الشعب ورجال السياسة والحكم، كما أن تغيير هكذا الانطباع لا يكون بشعارات رنانة وخطط تنموية مستعجلة، وإنما يحتاج إلى وقت، وجهد مخلص، ورجال أكفاء صادقين، وبرامج تأهيلية وتطويرية صحيحة. فالأحزاب السياسية القائمة أو التي ستقوم في المستقبل مطالبة بإقناع الرأي العام العراقي بدورها الايجابي في بناء الوطن، وخدمة المواطن، وتمهيد الطريق لبناء دولة حقيقية لا دولة كارتونية تتمجد بالماضي التليد بشخصيات سياسية لا رصيد لها في صناعة التاريخ وبناء الحضارة.
ثانيا: بناء دولة قوة لا دولة مدى
يميز فرنسيس فوكاياما في كتابه القيم (بناء الدولة) بين قوة الدولة ومداها، فيقول: إن مدى الدولة “.. يشير إلى الوظائف والأهداف المختلفة التي تضطلع بها الحكومات، (أما قوة الدولة فهي).. قدرة الدول على تخطيط وتنفيذ سياساتها وفرض القوانين بإنصاف وشفافية، وهو ما يشار إليه حاليا باسم قدرة الدولة أو القدرة المؤسساتية ” (فوكاياما، بناء الدولة، ط1، 2007، ص 50). وقد بين فوكاياما في كتابه الآنف الذكر مظاهر الدولة القوية فعلا، التي تتمثل بقدرتها المؤسساتية على ” صياغة وتنفيذ السياسات، وسن القوانين المختلفة، وعلى الإدارة الكفوءة بحد أدنى من البيروقراطية، وعلى محاربة الفساد والابتزاز والرشوة، وعلى الحفاظ على مستوى عال من الشفافية والمحاسبة في المؤسسات الحكومية، وقبل كل شئ آخر فرض وتنفيذ القوانين ” (فوكاياما، ص 52)، وما يميز الدول الضعيفة والفاشلة هو أن مداها اكبر من قدرتها، فهي تعجز عن تنفيذ المهام والوظائف التي تضطلع بها لكونها دول أحزاب وأفراد لا دول مؤسسات، فيضرب فوكاياما مثلا على ذلك دولة مصر التي ” تمتلك جهاز أمن داخلي بالغ الفعالية، لكن الدولة مع ذلك لا تستطيع القيام بمهام بسيطة، كالترخيص للمحال التجارية الصغيرة أو التعامل مع طلبات الحصول على سمات الدخول بشكل كفوء وفعال ” (فوكاياما، ص 52). فجهاز الأمن المصري على فعاليته لم يعزز قدرة الدولة الأمنية على التعامل مع قضايا التراخيص وسمات الدخول وغيرها بشكل كفوء يقلل الصعوبات والعراقيل على المواطن أو الوافد.
إن إسقاط هذه الحقائق على نظام الحكم في العراق يجعل المواطن العراقي البسيط يشعر بمزيد من الحنق والغضب لكونه سيكتشف أنه على الرغم من كل مظاهر التقييد والتعقيد والبيروقراطية التي يواجهها في حياته اليومية، فانه يعيش في دولة ضعيفة محدودة القدرة، وفاشلة في القيام بمهامها ووظائفها. كما يشعر- وقد لا يشعر- السياسي والمسؤول بالخجل من مواجهة شعبه بهذه الحقيقة وهو الذي يطلع عليه كل يوم بخطاباته المعهودة التي تعد ببناء دولة قوية مقتدرة دون أن يكون لهذه الخطابات أي رصيد على ارض الواقع.
أذا على الأحزاب العراقية تركيز جهدها الفكري والتنظيمي على بناء دولة قوة مقتدرة بمؤسساتها الفاعلة، لا يكون مداها متخلفا عن قوتها، دولة يمكن أن يعترف العالم بنجاحها، ويتعامل معها على هذا الأساس، ويشعر مواطنوها بهذه القدرة بقلة التقييد والتعقيد والبيروقراطية في مؤسساتها، علما أن بناء هكذا دولة سيقلل مشاكلها الداخلية والدولية بشكل كبير ابتداءاً من مشاكل الفقر والمرض وصولا إلى مشاكل الإرهاب والأمن.
آليات نجاح العمل الحزبي في العراق:
تحتاج الأحزاب السياسية في العراق، للنجاح في عملها السياسي، إلى اعتماد آليات أو ثوابت عمل صحيحة ومناسبة للظرف التاريخي الذي يمر به العراق، وقد حددنا في ورقة بحثية سابقة تكلمت عن الوعي الاستراتيجي لإدارة الحكم في العراق عددا من الآليات المطلوبة لإدارة إستراتيجية فاعلة، نجدها تمثل – أيضا- آليات وثوابت مناسبة لعمل حزبي ناجح يتسم بالديناميكية المحركة لعجلة التطور في البلد، وهذه الآليات هي:
أولا: اعتماد البعد الأخلاقي للسياسة
ينظر المهتمون بالسياسة إليها من منظارين مختلفين: الأول يعدها فن الحيلة والخداع والمكر للهيمنة والاستيلاء على السلطة من قبل فرد أو جماعة ما وفقا للمبادئ الميكافيلية التي محورها الغاية تبرر الوسيلة، فتصبح الأخلاق والقيم وحياة الناس ومصالحهم وحقوقهم ومستقبلهم أدوات يتلاعب بها السياسي للوصول إلى غايته ولا تكون المقياس على نجاحه وأهليته. أما المنظار الآخر فيفهم السياسة على أنها علم وفن إدارة الدولة هدفها النهائي خدمة الناس وتحقيق مصالحهم وضمان حقوقهم وحرياتهم، وهكذا فهم للسياسة ينسجم مع تعريفها الإسلامي الذي يقول: السياسة هي تدبير شؤون الأمة ورعاية مصالحها بما يصلحها، فالإصلاح بين الناس من خلال الحكم يمثل بوصلة عمل السياسي ومقياس نجاحه في دوره المناط به، ولخطورة تأثير السياسة في حياة المجتمعات عدها الأقدمون تاج العلوم. وقد عانى العراقيون على مر تاريخهم من سياسيين يفهمون ويمارسون السياسة بمنظارها الأول، ونتائج أعمالهم معروفة للجميع، فإذا أراد ساسة العراق بعد عام 2003 على اختلاف مشاربهم تحقيق هدف بناء الدولة المدنية الحقيقية، فأن عليهم الأخذ بالمنظار الثاني للسياسة، لأنه يشكل المعيار الأخلاقي الضابط لعملهم والمحفز على البناء والتقدم.
ثانيا: العدل السياسي والعدالة الاجتماعية
لا يمكن قيام نظام حكم صالح بدون التركيز على مبدأي العدل السياسي والعدالة الاجتماعية، فالأول يخلق الشعور بالمساواة الحقيقية بين الناس بصرف النظر عن قوتهم أو ضعفهم، غناهم أو فقرهم، علمهم أو جهلهم.. مما يولد الاطمئنان بينهم من خلال قناعتهم بعدم وقوع الظلم عليهم كون القانون كفيل بمنع ذلك من خلال نظرته المتساوية العادلة للجميع، ولأهمية العدل في الحكم نجد أن ذلك الملك الذي سأل فلاسفة عصره عن أيهما اسبق العدل أم الشجاعة، أجابوه بالقول: أيها الملك إذا استعمل العدل استغني عن الشجاعة، أما رسول الإنسانية صلى الله عليه وآله فقد جعل غياب العدل قاعدة لهلاك الأمم عندما قال: إنما اهلك من كان قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. نعم إذا ساد العدل بين العراقيين سيجد الساسة أن كثيرا من نفقات الدولة على القوى الأمنية والعسكرية لم يعد هناك حاجة إليها، وان كثيرا من الجرائم ستنخفض ولن تعود هناك حاجة أيضا إلى كم كبير من القوانين المسطرة في قانون العقوبات العراقي النافذ.
أما مبدأ العدالة الاجتماعية فلا تقل أهميته عن العدل في النتائج الايجابية التي سيتركها بين الناس لان العدالة في حالة شيوعها سوف تنتج ثقة وقناعة عالية من المجتمع بنظامه السياسي ككل، ونظام حكمه بشكل خاص، وستضيق الفجوة الهائلة بين الحكام والمحكومين في بلد كان ولا زال يشكو أفراده من اتساع هذه الفجوة، وسيندفع الناس نحو البناء والعمل بثقة وجدية وفاعلية بدلا من مشاعر الإحباط واللامبالاة والكسل والحنق التي تسودهم لإحساسهم بعدم العدالة والظلم الذي يتعرضون له من أنظمة حكم لم تفعل شيئا يذكر لمعالجة هذا الإحساس ورفع أسبابه، وبدون اعتماد هذين المبدأين فانه لا جدوى من عمل السياسيين وشعاراتهم المتعلقة ببناء الدولة المدنية، لأنهم سينحرفون عن هذا الهدف حتما ولن يصلوا إليه قطعا.
ثالثا: رجال دولة لا رجال سلطة
يختلف رجل السلطة عن رجل الدولة بكافة المقاييس، فغالبا ما تتقدم لدى رجل السلطة المصلحة الخاصة: الشخصية، الفئوية، الحزبية، الطائفية.. على المصلحة العامة لعموم الشعب، ويكون في بعض الأحيان متعثر في أداء عمله ويفتقر إلى المهارة المطلوبة، وتستحوذ عليه عقلية التآمر والتسقيط والصراع، ويغرق المجتمع في دوامة من الفوضى والإرباك واللايقين، ويوظف مؤسسات الدولة العامة: الجيش، الشرطة، الإعلام، المال العام.. لمصلحته بدلا من وظيفتها الطبيعية لمصلحة الناس.. أما رجل الدولة فهو يمثل مستوى أرقى في العمل السياسي يتجاوز كل سيئات رجل السلطة ويوظف أحكام وقواعد ومبادئ السياسة بمهارة وفاعلية لتحقيق غرض الخدمة العامة التي يقوم بها. إن رجل الدولة موظف من طراز خاص عالي الكفاءة، والفرق بينه وبين رجل السلطة كالفرق بين موظف مبتدأ كثير الأخطاء والمشاكل وموظف لديه خدمة طويلة عرف خلالها كل خفايا وأغراض ومتطلبات وظيفته، واهم ما يميز رجل الدولة شعوره بأنه يؤدي وظيفة عامة يخدم من خلالها شعبه لفترة معينة يعود بعدها ليكون فردا اعتياديا بين مواطنيه. ونحن في العراق نحتاج من اجل كفاءة إدارة الحكم وتحقيق أهدافه إلى مثل هكذا رجال ولا نحتاج إلى هواة جهلة بمتطلبات عملهم، يلحقون الأذى بشعبهم لضمان مصلحتهم الخاصة.
رابعا: اعتماد مبدأ الكفاءة في الإدارة
عندما سئل الحكيم الساساني (بزر جمهر) عن سبب سقوط الإمبراطورية الساسانية أجاب بالقول: لأنهم استخدموا صغار الرجال في عظام الأمور، وهذه الإجابة هي إشارة مباشرة إلى تلك النصيحة التي نسمعها دوما وهي (لا تضع الرجل غير المناسب في المكان غير المناسب)، والدول المعاصرة بما تنطوي عليه من تشابك وتعقيد في وظائفها الإدارية هي أحوج ما تكون إلى قيادات إدارية قادرة على فهم دورها، والنهوض بأعباء مسؤولياتها، وتفعيل إداراتها لتكون إدارات منتجة ذات قدرة تنافسية عالية. ولكي ينجح صناع القرار في العراق ويضمنون وصول العملية السياسية إلى تحقيق أهدافها عليهم الإيمان بهذه الحقيقة، فلا يغلبون الولاء والمحسوبية والمنسوبية على الكفاءة بأي حال من الأحوال، لأنهم في حال قيامهم بذلك إنما يحكمون على أنفسهم وأحزابهم وقواهم السياسية بالفشل، بسبب وجود أشخاص محسوبين عليهم على رأس إدارات لا يعرفون كيف يوفرون النجاح لها، لذا يجب جعل الكفاءة معيارا لتولي المناصب الإدارية، فمن خلال هذا المعيار يمكن ضمان وصول امن إلى أهداف النظام، وجعل إدارة الحكم في البلد رشيقة وفاعلة.
وإذا كانت كل مستويات الإدارة بحاجة إلى هذا الأمر، فان تلك المستويات ذات الطبيعة المهنية كالتعليم والقضاء والمالية والدفاع والداخلية والخارجية هي أحوج ما تكون إلى ذلك، لان الفشل فيها لا يغتفر ولا يمكن إصلاحه بسهولة، وله تأثيرات آنية ومستقبلية خطيرة جدا.
خامسا: بناء الإنسان قبل بناء العمران
مثلت العهود الاستبدادية السابقة، والأعمال الإرهابية الفظيعة، والعنف الطائفي المفزع في العراق صدمات اجتماعية عنيفة تركت تأثيرها الخطير على سيكولوجية الإنسان العراقي، فهو إنسان معقد، مأزوم، وخائف، وغير مطمئن للمستقبل، وغير واثق من الآخر، وهو بكل المقاييس إنسان محطم الذات، ولا يمكن لومه على حاله هذه فما تعرض له عبر تاريخه البعيد والقريب لا يمكن احتماله أبدا. أن هذا الواقع الاجتماعي العراقي يجب إدراكه بحكمة وتفهم من قبل الساسة في البلد وهم يتوجهون لبناء الدولة على أسس جديدة، إذ يحتاج مجتمعهم فعلا إلى إعادة تأهيل ليتجاوز مشاكله النفسية العميقة، من خلال برامج اجتماعية مناسبة يتم فيها الاستعانة بكل الخبرات الوطنية والدولية في هذا المجال، وخطاب سياسي جديد مغاير لما كان يسمعه الشارع من خطابات في العهود السابقة، وجعل كل إمكانات الدولة المادية تصب في تحقيق هذا الهدف الذي يجب إعطاؤه الأولوية على البناء العمراني، فمهما ارتفع العمران وزادت مظاهره لن تكون له قيمة إذا كان ساكنه غير مؤهل نفسيا له، ولنأخذ عبرة من حقائق الحضارة المعاصرة التي بات فيها الاستثمار في تنمية الموارد البشرية أكثر فائدة وإنتاجية من الاستثمار في الموارد المادية، إذ كما يقال وفقا لمبادئ هذه الحضارة أن إنسان جيد وكفوء واحد قادر على انجاز ما لا يستطيعه ألف إنسان.
إن تأهيل الإنسان العراقي وإعادته إلى إطاره السيكولوجي الإنساني الصحيح هو الضمانة الوحيدة لعلو العمران وتحسين مظاهره ودوام الحفاظ عليه وما عدا ذلك من أفكار ورؤى غير صالحة ألبته ولا يرتجى منها شيء.
سادسا: الإيمان بمرجعية النص الدستوري
عندما يتولى القادة السياسيون إدارة الدولة، فأنهم يستلهمون مبادئهم، وينظمون العلاقات المتبادلة فيما بين بعضهم البعض وبينهم وبين شعوبهم، ويحددون شكل الحكم القائم، ومن ثم الحكم على مقدار نجاحهم وفشلهم من خلال واحدة من مرجعيتين: الأولى هي المرجعية الثورية إذا تأسس نظام الحكم الجديد بواسطة ثورة على النظام السابق حيث تصبح المبادئ الثورية التي حملها الثوار قبل وبعد توليهم السلطة هي المرجعية الأساس والمرشد الوحيد لقناعاتهم ورؤاهم وممارساتهم. والمرجعية الأخرى هي المرجعية الدستورية إذا لم يكن العمل الثوري أساس قيام نظام الحكم، إذ تصبح عندها نصوص الدستور النافذ نصوصا مقدسة يحتكم إليها الساسة والأفراد، ويجعلونها المرتكز في مطالبتهم بحقوقهم أو دفاعهم عنها، والمرشد لتخطيط حاضر الدولة ومستقبلها، وتحديد نمط المؤسسات السائدة والعلاقة المتبادلة بينها. وطالما أن العملية السياسية الجارية في العراق منذ عام 2003 لا يمكن أن تستمد وجودها من المرجعية الثورية، عليه لم يبق أمام ساسة البلد إلا جعل المرجعية الدستورية المبنية على دستور عام 2005 الأساس الوحيد لبناء الدولة وتنظيم القوانين والتعليمات السائدة فيها، بل والفيصل النهائي للحكم على مشروعية خلافاتهم ومطالباتهم، وتحديد إدارتهم لمؤسسات الدولة وتنظيم العلاقة بينها، فما قاله الدستور فعلوه والعكس صحيح، كما يجب تطبيق نصوص الدستور بالكامل وتجنب الانتقائية في الأخذ بها أو تعمد خرقها، لان الدستور بني بإرادة شعبية سواء من خلال جمعيته التأسيسية المنتخبة أو من خلال القبول الشعبي العام به في الاستفتاء الذي جرى لهذا الغرض. أما إذا حاول الساسة نسف المرجعية الدستورية فإنهم حقيقة ينسفون العملية السياسية برمتها، وينسفون مشروعية وشرعية وجودهم السياسي، ويعرضون البلاد والمواطنين إلى دوامة من الفوضى والارتباك لا يمكن التنبؤ بعواقبها، ولن يتمكنوا من تحقيق تطلعات وطموحات الشعب في قيام دولة مدنية صالحة، وإذا كان لدى البعض من الساسة أو الأفراد والجماعات اعتراض أو رفض لبعض النصوص الدستورية، فان عليه أن يؤسس اعتراضه هذا على أساس النص الدستوري مستخدمـا آلياته للوصول إلى مبتغاه.
سابعا: ترسيخ مبدأ التعايش السلمي بين مكونات الشعب العراقي
إن الأنظمة السابقة التي حكمت العراق لم تترك تأثيرها السلبي فقط من خلال الخراب والدمار للبنية التحتية، والتعذيب والقتل لأبناء الشعب، والدخول في مغامرات عسكرية خاسرة.. بل إن من أكثر التأثيرات خطورة لهذه العهود هو ما تركته من شرخ كبير في النسيج الاجتماعي العراقي، وطبيعة العلاقة المتبادلة بين المكونات الاجتماعية المختلفة، حتى باتت هذه العلاقة يشوبها الكثير من التأزم والتنافر والشك وعدم الثقة مما انعكس على طبيعة الاندفاعات السياسية لديها. وللخروج من هذا الواقع الاجتماعي غير الصحي، وجعل التنوع بين مكونات الشعب العراقي عامل إثراء وقوة للفعل السياسي لابد من العمل المخلص والدؤوب من قبل النخب السياسية الممثلة لهذه المكونات لترسيخ وتعزيز مبدأ التعايش السلمي وخلق منظومة قيم معتدلة تكون بديلا للمنظومة الحالية المتأزمة في كثير من مفاصلها، وقد أثبتت السوابق التاريخية في البلدان التي عاشت نفس تجربة الشعب العراقي انه بدون ترسيخ مبدأ التعايش السلمي لن يكون هناك استقرار سياسي أو امني، ولن يكون هناك نهوض اقتصادي ومجتمعي، كما لا يمكن لطرف ما عد نفسه رابحا وغيره خاسر بل إن جميع الأطراف ستكون خاسرة في لعبة شد القوى بين الطوائف والقوميات المتنازعة.
ثامنا: معالجة الفساد الإداري والمالي بحزم وقوة
يعد الفساد الإداري والمالي آفة العصر والسوسة التي تنخر جسد المؤسسات الرسمية وغير الرسمية في الدول كافة، وقد عانى العراق منه كثيرا قبل عام 2003، ولا غرابة في ذلك، فأنظمة الحكم كانت استبدادية والحكام اغلبهم جهلة بمتطلبات الإدارة السديدة وتستشري بينهم الولاءات الضيقة على حساب الولاء للوطن والمواطن، فضلا عن اعتبارات المحسوبية والمنسوبية والاستهانة بالمال العام.. التي أنتجت إدارات هزيلة غير نزيهة تزخر بالفاسدين والمفسدين ومحط سخرية وتذمر الرأي العام العراقي. لكن استمرار وجود الفساد وتنامي معدلاته بعد التاريخ أعلاه يعد مشكلة حقيقية لا بد من تلافيها، لان بناء دولة مدنية صالحة في العراق يتطلب ابتداء معالجة مشكلة الفساد الإداري والمالي، إذ مهما كانت القيادات السياسية جيدة وحسنة النية وراغبة في الإصلاح، فإنها لن تنجح في مهمتها بدون وجود إدارة تنعدم فيها مظاهر الفساد أو تقل إلى حدودها الدنيا، فالفساد يشوه الإدارة، ويتلف المال العام، ويعطل مشاريع التنمية، ويضيع حقوق الناس، وينتقص من سمعة الدولة – داخليا وخارجيا – ويفرخ المتملقين والانتهازيين والخونة.. لذا لا بد من وقفة حازمة بوجهه من قبل صناع القرار من خلال تفعيل آليات المراقبة، والمحاسبة، والتنظيم القانوني الرادع، والاختيار الصحيح للكفاءات النزيهة والقوية ووضعها في موضع المسؤولية.
ثامنا: الحياد والتوازن في علاقات العراق الدولية والإقليمية
مما تقدم ذكره في البحث، فأن المنطقة والعالم تقف على مفترق طرق تاريخي خطير ومهم جدا لا يمكن توقع ما سيؤول إليه من نتائج سواء على مستوى التحالفات والصراعات أو على مستوى توجهات القوى الاجتماعية والسياسية الصاعدة، وإذا كان مبدأ الحياد والتوازن حسن للدولة في علاقتها مع الآخرين في الظروف الطبيعية، فما بالك عندما تكون هذه الظروف استثنائية وشديدة التعقيد. إذن يجب على صناع القرار في العراق أن يكونوا على مستوى الأحداث ولا يتورطوا في تداعيات التقلبات الدولية والإقليمية، ولا يكونوا طرفا في سياسة المحاور والاستقطابات السائدة في الوقت الحاضر، لان العراق في مرحلة بناء تحتاج توفير معظم جهودهم لها أولا، وقدراته ضعيفة وغير متكاملة وغير متناسقة مما يجعله من بين الأطراف الأضعف في التوازنات القائمة ثانيا، ولا يريد أن يكون ساحة تصفية للصراعات الدولية والإقليمية ثالثا، كما لم تكن تجاربه السابقة مع هكذا توازنات وتحالفات متصارعة ذات مردود ايجابي عليه رابعا. إن اعتماد مبدأ التوازن والحياد يتطلب اعتماد خطاب سياسي عراقي خارجي واحد، وخطاب سياسي داخلي متناغم، لان العراق في بيئة شد وجذب شديدة التعقيد وبدون هكذا خطاب سيكون أمنه الداخلي مخترقا مما سينعكس سلبا على استقراره السياسي، وتعطيل توجهه نحو بناء دولة المواطنة.
كلمة أخيرة:
أن أفضل الرجال ليسوا أولئك الذين يكتنزون الأموال أو يستحوذون على السلطان، أو يقودون الجيوش والأعوان، بل إن أفضلهم هم أولئك الذين يديرون الحكم في بلدانهم بحكمة ومعرفة ومهارة تسمح ببناء نظام سياسي صالح يحقق السعادة للشعب ويستمر في الوجود طويلا بعدهم، وان مشاكل وتحديات وآلام الجيل الحاضر ما هي إلا نتاج جهل أو طمع أو استبداد أو خيانة أو عجز أو عدم الاستعداد للتضحية والتغيير من قبل الأجيال السابقة، فعلى جميع أبناء هذا الجيل من المنتمين إلى الأحزاب أو غيرهم عدم توريث هذه المشاكل والتحديات إلى الأجيال القادمة التي يمثلها أبنائنا وأحفادنا الذين يستحقون محبتنا وجهدنا وعملنا الدؤوب لبناء مستقبل سعيد لهم.
** ورقة بحثية قدمها في مؤتمر هيئة التنسيق الوطني للأحزاب والحركات السياسية في محافظة بابل

بتاريخ 13-12-2012