الرئيسية » مقالات » إحتمال المواجهة … مستمر

إحتمال المواجهة … مستمر

لقد كان إحتمال المواجهة قائماً منذ البداية ، إلا إنه تأخر قليلاً بفعل أن كلا الجانبين ، القوات الأمنية والمتظاهرون ، يدرس تحركات الأخر ويمتحن مقدرته على ضبط النفس والإنضباط بوجه الشعارات التي ترفع ويحاول الوصول بالمظاهرات الى بر الأمان ، إلا إن الإحساس المتولد لدى المتظاهرون بأن لا شيء ملموس وكبير تحقق على أرض الواقع من جانب وعدم خبرة القوات الأمنية في التعامل مع مظاهرات بهذا الحجم وعدم مقدرتها على إمتصاص زخم الغضب المتولد يومياً من جانب آخر ، كانت المواجهة الدامية لمتظاهري مدينة الفلوجة أمراً حتمياً ومتوقعاً ، فمع الشحن الروحي المتواصل والذي أحدث تركيزاً كبيراً بالحرمان لدى المكون العراقي السني أصبحت حتمية المواجهة قائمة اليوم ، وما حدث في الفلوجة من تصادم مميت راح ضحيته عدداً من المتظاهرين وجرح آخرون إلا البداية التي تنذر بمستقبل مؤلم .
كان على القيادة العسكرية أن تتمكن من قراءة الأحداث وتتوقع ما سيحدث مسبقاً وأن يكون أمر الإنسحاب من مواقع المظاهرات جاهزاً ومفعّلاً دائماً في جعبة القادة المحليين وأن لا يعتبر هذا الإنسحاب هزيمة فأنت لم تنسحب أمام جيش العدو الذي يغزو وطنك ، أنت تنسحب أمام مجموعة من ابناء وطنك أغلبهم من الفتية المراهقين من طلاب المدارس الذين تركوا مقاعد الدراسة ليلتحقوا بركب المتظاهرين والإنسحاب أمامهم ليس سوى نصراً على النفس ونصراً على من يحاول أن يشعل كل البلد ليحقق غاية سوداء في نفسه ولنبطل مفعول سحره الأسود بتعويذة الحكمة والوطنية .
شبابنا اليوم يحملون في مخيلتهم صوراً من “البوم” الربيع العربي الذي يجول في الوطن الكبير من .. مظاهرات وقنابل دخان وازيز رصاص وحجارة وملثمون يطوفون في الشوارع يحرقون إطارات العجلات ويقطعون الطرق ويحرقون العجلات الحكومية وجُمع ترفع شعاراتها كل اسبوع ، كل جُمعة لها أسم ، لا تخادع ، مستمرون ، الجمعة القادمة ” جُمعة إرحل” ولا نعلم ماذا ستحمل الجمع المقبلة إذا لم نتوصل الى حلول مرضية للطرفين .
كل شيء يستنسخ حرفياً كما حدث في تونس ومصر وليبيا واليمن .. ولكنها حكومات وأنظمة قد تغيرت ، فماذا سنغير نحن اليوم بعد إرتفاع سقف المطالب التي بدأت بإطلاق سراح المعتقلات البريئآت وحتى إسقاط الحكومة وإسقاط العملية السياسية برمتها ، والشحن مستمر أحدهما يشحن الأخر المتظاهرون وقادتهم والغد ، بعد أحداث الفلوجة ، ينذر بشؤم كبير ، علينا تدارك الموقف والحيلولة دون سقوط المزيد من الشهداء من كلا الطرفين لأننا بذلك سنكون ، أضحوكة ، على أقل تقدير في نظام ديمقراطي ، يقتل المتظاهرون !
لم يكن هناك أي مسوغ من الإبقاء على الجيش داخل هذه المدن ، ولديها حكومات محلية وليس على الحكومة سوى أن تسحب جيشها منها وتطوع أبناءها لخدمة مدينتهم وتقدم الحكومة المحلية ضباطها التي ترغب بهم قادة لأولئك الجنود ونكّون لهم لواءاً او فوجاً من أبناءهم ونلحقهم في وزارة الدفاع ، التي تشير إحصاءأت غير رسمية عن عدم التوازن الطائفي في إنتماءآت منتسبيها ، نعمل لاحقاً على تطوير قابلياتهم ليتحملوا مسؤلية حماية مدينتهم … لا نرى أي عيب في ذلك أو مثلبة في حق الحكومة .. بل إن ذلك العمل سوف يخفف من حدة التوتر ويجنبنا الإنزلاق الى هاوية لا يحمد عقباها .
نعم ، من مسؤولية الحكومة الفيدرالية أن تحافظ على أمن كل المحافظات ، ولكن هذا الأمن لايتحقق إلا برضا الشعب في تلك المحافظة ، أي أننا لا يمكننا أن نفرض جيشاً لا تقتنع به تلك المحافظة فعلينا أن نمنح سكان تلك المحافظة جزءاً كبيراً من تلك المسؤولية وأهلها أدرى بشعاب مدينتهم وكي نخلي مسؤليتنا ، وقتياً ، من أمن تلك المناطق ويبقى دور الحكومة حينها في الإرشاد والتوجيه والتثقيف بخطورة المرحلة ،فأذا فشلت تلك القوات في إدارة الملف الأمني لمحافظاتها ، لاسمح الله ، فنحن قريبون جداً منها في الدعم اللوجستي وسيكونون هم من سيطلبوه ، وإذا نجحوا فهذا جُلَّ غايتنا في الحفاظ على أمن البلد .
سوف لن يتوقف إحتمال المواجهة عند هذا الحد ، بل أن المواجهة مستمرة وستستمر بوتيرة متصاعدة وزخم المظاهرات مستمر بالتزايد ولن تسكت أصوات المتظاهرين حتى تتحقق مطالبهم وأعتقد أن من الذكاء اليوم على الحكومة تحقيقها وترتقي بهمتها مع ارتفاع سقف تلك المطالب .. حفظ الله العراق وأهل العراق ..

زاهر الزبيدي