الرئيسية » الآداب » لا أريد أن أكون حجرا!!

لا أريد أن أكون حجرا!!


لا أحد يستطيع أن يفهمك، الكل يسعى لأن يفهمك بشكل خاطئ جدا، هكذا هي الأمور تسير عكس ما نشتهي. يا ليت لي لغة أخرى تستطيع إيصال كل ما أريد قوله لتلك العقول الناقمة علي ولكل تلك القلوب التي انقلبت علي في لحظة عين.
لا أسعى لأن أعزي نفسي وأنا أشعر بالمرارة القاسية، أستفسر عن السر، أحاول التفسير فأفشل في كل مرة، أختار، وأختار في الاختيار، على الرغم من أن البدائل غير متاحة، ماذا عليّ أن أفعل وقد باتت لغتي مصدر إزعاج للآخرين.
أفكر بطريقة مناسبة للتخلص من الحيرة فلا أجد، أتكور على نفسي وأحاول أن أغمض عينيّ عن كل تفسير لا يليق بما أشعر فيه، أتمنى لو كان بوسعي أن أمتلك وردة أو نرجسة أو فنجان قهوة هذا الصباح، أتمنى لو أستطيع الكتابة بوضوح دون أن تظلل السحب الكثيفة مسامات الجمل النازفة بالذكريات القاتلة.
لا أحد يتقرب مني إلا وهو يريد أن ينال مني قدر استطاعته ليفك غموضا بدا يغلف معاطف الروح فيحجب بهاءها ونضارتها اليابسة، أجرب أن أستقل مركب الجنون، فلا أجد مجدافا لأعبر فيه مساحات شاسعة تطوقني من الغرق في لجة الضياع. لا أمان ولا شاطئ في هذا الخواء المتلاطم، لن أكون سوى ريشة تتقاذفها الأعاصير القادمة.
أحاول أن أصرخ. فأكتشف أن الآذان صماء مثقوبة بالعبث، أستفتح شيئا من تصاوير بدت كالدخان المنبعث من سيجارة رخيصة الثمن تقتلني بسمها المجبول بعرق الأحلام الواهية. هي دائما هكذا لمسافات شاسعة بين الواقع والخيال، لا حيلة ولا شبه وهم يتراءى لي في هذا السكون المنذر بعاصفة هواء تقلب مراكبي فأتلاشى في ضياعي المستمر.
أحاول أن أقول شيئا واضحا، فتخونني اللغة، وتخدعني الجمل، وتصفعني الكلمات الساخرة، أستميت لأكون معنى بارزا كورقة تتدلى من شجرة آيلة للسقوط المدوي. رحمة بي أيتها الريح القابعة في دمائي فقد أوشكت على التلاشي والتفتت.
أريد أن أهدأ وأستكن أصافح عقلي، فلست أجدا منه أي ظل، أين ذهبت أيها الجبان لماذا ترحل بعيدا وتخلفني في المعركة بلا أي سلاح، تحاول أن تسلمني إلى السقم اللامتناهي. تمدد ما استطعت أيها الراحل المقيم في شرايين السفر، لن تجدني غير ظل باهت على جدار اعشوشب سطحه وبدا ناتئا وقميئا. إنك تشبه نفسي المنثورة في مسارح صحراء لا ماء فيها ولا ظل.
أريد أن أفهم سر تحولي إلى شخصية عبثية؛ غير محكومة بقانون الاتزان، لماذا إذن أحاول أن أبرر هزيمتي الأخيرة؟ عليّ أن أشرح للريح أسراري وللرعد صوتي لعله يعطيني بعض الذبذبات لأقول ما عجزت عنه النفس، أستميحك عذرا أيتها الشمس، فالليل خانق وحارق، والفجر أخرق وسارق، أين أفر من حصارها؟ لا بأس سأكون جذع شجرة ناخرة، وأستقبل الديدان التي تتقن عملها الدؤوب.
أغادر السطوح الغادرة، وأتلفع بقيعان الجهل المطبق لعلني أرى سوادي بياضا في عتمة الليل المدلهم، أتمنى أن أجد أحدا يفهمني كأغنية كلاسيكية بعيدا عن المجون والعذاب المستمر، أتمنى لو كنت شيئا مهملا بلا أعصاب، فلست أريد أن أكون حجرا!!