الرئيسية » الآداب » هي غرغرينا الوقت!!

هي غرغرينا الوقت!!


“لقد كنت مضطرا لفعل ما فعلت؛ فلم أحتمل أكثر عذابا طاحنا يقتلني كل ثانية ويسري فيحيل دمي رمادا منثورا في قارعة الانتظار مركونا كقطعة أثاث بالية لا يلتفت إليها صاحبها، ويتمنى لو يأتي أحدهم ويحملها إلى مكبّ النفايات، فتحترق وتذهب بسرها وبشرها، فلم يكن وجودها خيرا لصاحبها على ما يبدو”.
هذا ما قاله لنفسه عندما أخذ يتفقد بريده مرات ومرات، ولكن لا جدوى، إنها ما زالت تمارس اللعبة نفسها من الإهمال وعدم الاكتراث، يقرر أن يكتب لها نصا يودعها أو يعاتبها، أو يقتلها حبا ويخرجها من دمائه، فتابع فقرته الأولى، بعد أن حسم أمره في أن لا تكون من أصدقائه على الفيس بوك، فيختار حظرها، لكي لا يرى ما يثير حفيظته من تجوالها عبر صفحات الأصدقاء، فتعلق وتشارك وتنفعل، وتخاطب هذا بصديقي، وذاك بدون ألقاب، فقد شعر أنها تتعمد إهانته وإذلاله، فأكمل قائلا:
“لقد كنت مضطرا اضطرارا فاض عن حد الاحتمال لفعل ما فعلت، فليس لي من قدرة لأصمد وأقف أطول، وأنا أعرف أن القطار لم يأت ليحملني إليك؛ لأنك لم تكوني على استعداد لحجز المقعد الذي كان يليق بي وأنا أخلص لك بكل جوانحي، فلقد أحببتك وما زلت ولن يذوب الحب أو يتلاشى، فهو ليس قطعة جليد تشرق عليها الشمس فتسيح وتصبح كأنها لم تكن، ولم يكن قلبي قطعة من الشكولاتة أو حبة من البوظة رخيصة الثمن لتستلذي بها وقت ما تشائين، إن قلبي أثمن وأغلى ما تتوقعين، إنه ليس له ثمن إنه قلب تفجر وتفتت وهو مشتعل الحنين لتعودي إليه ولكن لا فائدة”.
شعر بغصة تملأ حلقه، إنه يكتب وجعا تفجر مرة واحدة كبركان يريد أن يحرق الأخضر واليابس، أخضرها وبهاءها اللذين لم يكونا له ولم يحظ بنصيب منه، ويابسه المتحجر، أراد أن ينتقم من كل شيء في هذا الوجود، محاولا استرداد كرامته، فهو ما زال يرى نفسه “رجلا غير مدجن”، كما قال في رسالته الوداعية مضيفا: “ولا أحب الشراكة، ولن أستوعب أن تكوني لغيري أبدا، فإما لي وإما فالموت، فهو أهون علي من أن أتابع وأسمع وأرى ما يجعل النار شريانا يسحق أبجديتي ويشلّ حركتي ويعطل أفكاري”.
كان في كل مرة وهو يضيف فقرة على رسالته لها، كأنه يحاول أن يمنع عن روحه النفس، ليشعر بالاختناق، يتمنى لو أنه يستطيع أن يستل روحه ويرمي بها، إنه لا يحاول أن يخدر أعصابه، يريد لها أن تحترق أكثر وأكثر:
“كنت مضطرا أيها العذاب الأبدي لأقطع جزءا من ذاتي وأطحنه وأميته وأتخلى عنه لأن الغرغرينا قد أصابته فتعفن، لقد تغلغلت الغرغرينا في الوقت، فصار يلزمها البتر لا محالة، لقد أصبتُ بعدوى الانتظار فلم أجد من يشفي جراحي ويبلسمها، انتظرت بلا أمل وبلا فائدة، فكان البتر أهونها طريقة على شدة الألم الذي خلفه وراءه، وعلى شدة النقص الذي أحدثه في الروح والقلب والجسم معا، ولكن لا حل سوى ما فعلت، فلا تلوميني ولومي غرغرينا الوقت، إن لم توافيك الشجاعة للوم نفسك، جراء ما صنعت يداك”.
لم يرد أن يتحنن لها أو يتودّد وهو يشعر أنها تسبح في فلك آخر، وتصبّ في بحيرة غير بحيرة قلبه، أراد فقط أن يلسعها بالكلمات لعلها تدرك كم كانت قاسية معه، وهي تتركه هائما، بلا روح وبلا عقل، فقد حولته إلى مجرد شيء تافه، وربما لا شيء بالنسبة لها:
“كنت مضطرا بأن أموت، وأحاول الخروج إلى غير رجعة، رحلت من هناك فلتطمئني، فلا تحاولي البحث عني أو التفتيش في الذكريات، فليس لها أي نفع سوى زيادة الألم، أودعك الوداع الأخير، وأعلم أن حياتي مدبرة ومقبلة، مدبرة في فرحها، مقبلة على خريف قاس، وأدرك أن حياتك مقبلة ومدبرة، مقبلة على حياة جديدة مليئة بالفرح والحياة والحيوية، فأنت ما زلت في عمر الزهور، فاستمتعي وتمتعي ولتواصلي الشدو والغناء مع من أردت، ومدبرة من محطة الحب الذي فاض فأغرق الكون بأجمعه، مدبرة من رحاب القلب الذي أحبك دون أمل، وأحبك مستعدا ليكون لك وحدك، فأشحت القلب عنه، فصارع الموت، فماذا تظنينه أن يفعل بعدها، لقد كنت مضطرا لأموت من على شواطئ الإهمال لعلني أترك مقعدي، فيجلس عليه من هو أولى مني وأقرب إليك نفسا وروحا”.
يستشعر مرارة الهزيمة القاسية التي أثقلته بكل التفاصيل، يسترجع كل ما حدث معه، لا يكاد يصدق أنها هي من تفعل معه كل هذا، اغرورقت عيناه بالدموع، شعر بوخزة في قلبه، شهق ولكنه لم يستطع أن يعيد النفس، شعر بالاختناق لدرجة أنه خشي على نفسه من الموت قبل أن يكمل رسالته:
“أعلن أنني قد فشلت، والفشل ليس قرارا سهلا، إنه إعلان الهزيمة والرضوخ والاستسلام لغير ما كانت نفسي تتوق وتشتاق، أسامحك على كل ما فعلت من استدراج ومكائد لتصيدي قلبي الرهيف، لقد نجحت في إيقاعي في المصيدة، ولكنني كنت أرجو أن أظل أسيرا في قفص تصنعينه لنكون فيه، ولم أكن أتوقع أن تتلذذي بقتلي، وتقطعي أشلائي واحدا تلو الآخر، ثم تغادري طقوس الصيد تلك، وقد تركتني جثة هامدة في صحراء الخواء والرياح تصفعني في كل وقت”.
وصل أخيرا للجملة التي لم يكن يجرؤ على كتابتها، ويخاف أن يرى دلالتها في حياته وواقعها، عبّ نفسا طويلا، حرّك أصابعه عدة مرات، ليمرنها لتستمر في الكتابة، أغمض عينيه، وكتب سطره الأخير:
“نامي بحضن من اخترت فليس لي مكان سوى التلظي في شقائي ما تبقى من بعض أيامي، ولعلها أقصر مما تتخيلين”.
ظلت رسالته هناك تعاني من الفقدان والمرارة، ولم تجد أحدا يوصلها، فقد أخذته الغفوة ونام، وهو يصارع آلاما تكاد تقضي على كل حياة محتملة أو كائنة في هذا الوجود!! 

———————-
فراس حج محمد/ فلسطين نابلس