الرئيسية » مقالات » البعد الانتخابي للازمة السياسية في العراق

البعد الانتخابي للازمة السياسية في العراق

التنافس سمة للتقدم تدفع المتنافس للحصول على ما يمثل طموحه ويميل إليه هواه، هو لا يحد بحدود ووجوده مع وجود الإنسان على الأرض، لكن التنافس الأقوى هو ما كان هدفه الوصول إلى السلطة والحكم والذي يمكن أن نطلق عليه بـ(التنافس السياسي)، والتنافس السياسي سمة العصر الواضحة في العمل الديمقراطي للوصول إلى أعلى سقف من المكاسب السياسية سواء على صعيد الفرد أو الجماعة (الحزب أو الكيان أو ما شاكل ذلك)، وهو حالة إيجابية شريطة أن تأتي ضمن مشروعٍ سياسي هادف وبناء، الغاية منه تقديم الأفضل والأحسن، وشريطة أن لا يكون هذا التنافس مدعاة لحدوث أزمة تصل بالبلد إلى حالة من الشحن والتأجيج التي تنعكس على استقرار وأمن المواطن وعرقلة حركة البناء والاعمار وتعطيل عجلة تقدم الحياة والجمود السياسي.
وما شاهدناه في المراحل السابقة أو نشهده اليوم من تنافس سياسي هو بعيد كل البعد عن ترسيخ جذور الديمقراطية والنهوض بالعمل السياسي إلى بناء مؤسسات الدولة، فقد تم تلوينه بألوان شتى وبالذات بـ(اللون الطائفي)، والنتيجة هي تعرض البلاد إلى هزات طائفية لا يزال بعض الفرقاء السياسيين يراهنون عليها ويعزفون على أوتارها بدافع الحصول على المناصب أو المكاسب السياسية، وللأسف الشديد هناك من يصدق تصريحات السياسيين بأن العراق يعيش أزمة طائفية وإن البلد يستعد لحرب أهلية تعصف به، والجميع يعلم إن الأزمات التي تعصف في الشارع العراقي ومؤسسات الدولة الرسمية هي أزمات سياسية تحاول بعض الأطراف السياسية توظيفها طائفياً، وهذا الأمر ليس بالجديد على المشهد السياسي العراقي، فقبيل كل انتخابات تقدم الكتل السياسية بمختلف ألوانها برامجها الانتخابية عن طريق الحشد الطائفي، وتكون هي المستفيد الأول من شحن الشارع العراقي طائفياً لإخلالها بانجاز الوعود السابقة التي أقسمت على تحقيقها في المرات السابقة.
انتخابات مجالس المحافظات المقبلة 2013م والانتخابات النيابية التي تليها، لها الحصة الكبيرة في تأجج الأزمة الحالية في الشارع العراقي، ومهما حاول البعض تلوين التظاهرات التي عمت بعض محافظات العراق سواء في غرب العراق وشماله أو في وسطه وجنوبه بالشعبية والعفوية أو المطلبية – سواء التي كانت مع أو الضد- لا يمكنه ذلك لأن الدوافع التي تقف خلف خروجها هي ليست كذلك، وليس بالضرورة أن تستفيد من هذا الشحن الجهات السياسية التي تقف خلف التظاهرات المناوئة للحكومة، فقد يكون المستفيد الأول والأكبر من شحن الشارع هو الطرف الخصم سياسياً لهذه الأطراف، لأن التجربة أثبتت إن السياسي هو آخر من يفكر في مصلحة المذهب أو الطائفة على حساب السلطة والمكاسب السياسية.
وقد يمرر الكثير من تحت أرجل المشحونين (طائفياً) دونما يشعرون بذلك، لأن تجربة السياسيين في العراق وخبرتهم التي اكتسبوها في السنوات الماضية منحتهم القدرة على تمرير ما يودون تمريره على عامة الناس بشحنهم وزجهم إلى الشارع مستغلين بعض المحسوبين على رجال الدين في تهيئة الأجواء للتعبئة الجماهيرية.
إن حل المشاكل السياسية في العراق، وبالخصوص الأزمة الحالية، لا تتم في شوارع المدن بل في الأروقة السياسية، وعلى المتظاهرين أن يحاسبوا ممثليهم السياسيين الذين خذلوهم قبل كل شيء، لأن إلتهاب الشارع العراقي سيعمق الأزمة السياسية والتي ربما سيؤدي لشق الصف الوطني بعد أن رفع المتظاهرون في مدن العراق المختلفة، في جنوبه وشماله وغربه، شعارات ومطالب تتناقض فيما بينها، إذ تعبر عن رؤى مختلفة عن شكل العراق كدولة وعن طبيعة النظام الحاكم فيه، ولكن، تلك الرؤى المختلفة يمكن أن تتفق على الحد الأدنى والخطوط العريضة في أروقة السياسة من قبل السياسيين الناضجين.
ولو خرج المتظاهرون فقط من أجل الخدمات المغيبة بكل أشكالها لخرج كل العراق من شماله إلى جنوبه بلا إستثناء، أما الانتخابات المبكرة التي يطالب بها السياسيون اليوم فإنها ستعيد المشاكل والأزمات نفسها مادامت العقلية الطائفية والفئوية والعرقية والطبقية راسخة في رؤوس السياسيين الحاليين.
حتى لو ذهب العراقيون إلى انتخابات مبكرة كطريق لتجاوز تلك الأزمة ولكن، ماذا بعد الإنتخابات، إن لم تأت إقامتها بشكل مبكر بشيء جديد، وطلت علينا نفس الوجوه السابقة بثوب جديد وشرعية راسخة، فهل أن الذهاب لإنتخابات مبكرة سيكون حلا مناسباً للأزمة السياسية العراقية أم لا؟ وماذا لو كانت هي الحل الوحيد، ومع ذلك لم يأت بشيء جديد؟
نستطيع أن نقول إن المستفيد الأول والأخير من إعادة الإنتخابات هم نفس الأطراف المتسببين بخلق الأزمة أو الذين يعملون على تفاقمها، أولئك الذين يرفعون الشعارات الطائفية ويخلطون الماضي بالمستقبل، أو يخلطون كل ما هو إجتماعي أو قانوني بما هو سياسي ويستغلون المظاهرات التي تطالب بمطالب حقيقية وواقعية لتمرير مشاريعهم السياسية.
من هذه النقطة يجب أن تعاد الحسابات بين القواعد الشعبية والسياسيين، إذا…(كان الشعب هو مصدر السلطة الفعلي)؟! كي لا تنطلي الخدع والاراجيف على المواطن في يوم التصويت أو تختلط عليه الرؤية الوطنية والرؤية السياسية في دوامة الشحن الطائفي الذي يُسَخّر للسيطرة على مشاعر الناخبين واذهانهم ساعة التصويت.
ففي نهاية كل دورة انتخابية أو نهاية عمر حكومة يجب وضع الأشياء موضعها الصحيح ويجب أن تفتح جميع الملفات للمحاسبة، نعم، جميع من تم منحهم الثقة وإنتخابهم كممثلين عن الشعب، ولا يمكن لأحد أن ينأى بنفسه للتخلص من المسئولة القانونية والأخلاقية التي سيواجه بها، فتتم المحاسبة وفقاً للسؤال التالي: ماذا قدمتم للبلد والمجتمع؟ والمحاسبة للجميع لأننا لم نشاهد كتلة سياسية أو جهة حزبية تصدت للعمل في البرلمان لتمثل المعارضة والمراقبة كحال برلمانات العالم الديمقراطية، والجميع طمع في الاشتراك بالسلطة رغبة بالحصول على منصب.
فحينما تتم المحاسبة (الشعبية) برؤية بعيدة عن الانفعال أو غير خاضعة للميول يمكن أن نتحدث عن رسم خارطة جديد لصياغة أسس متينة لبناء البلد بعيداً عن كل هذه التجاذبات والانقسامات ولكي يكون القانون هو الفيصل بين الجميع دونما تستأثر أية جهة أو جماعة بمصادرة رأي الآخرين وتعطي الحق لنفساها بالتحدث باسم (الشعب).
ولكي تكون الرؤية الجديدة تأخذ أثرها في تغير خارطة الطريق للسياسة العراقية الحالية والتي ابتعدت عن أحكام الدستور وأسس العمل الديمقراطي المتعارف عليه يجب على الأقل أن تراعي الآتي:
أولاً: الابتعاد عن سماع الأصوات المتشددة لأنها كما أسلفنا تخدم نفس وجوه الأزمة في العمل السياسي على حد سواء، والتي عجزت عن تقديم برامج سياسية تنهض بالبلد.
ثانياً: الاستفادة من تجارب العراق السابقة التي أعقبت سقوط نظام البعث في العراق بعد عام 2003م وما أفرزته من ويلات وكوارث أودت بحيات ألآلاف من الأبرياء واستنزاف مليارات الدولارات من المال العام نتيجة الإصغاء لكل ما يصرح به السياسي، والابتعاد عن السلبيات التي رافقت تلك الحقبة ومن بينها الشحن الطائفي الذي يصب في صالح المتنافسين السياسيين، ليكون معيار الاختيار هذه المرة مختلف تماماً عن المرات السابقة.
ثالثاً: الانفتاح على الآخر والتواصل معه مهما كانت هويته مادام يحمل صفة المواطنة، وطرح الأفكار البناءة لخدمة التحول الديمقراطي في العراق، حتى لو أخذ ذلك التواصل شكل المجاميع على شبكات التواصل الاجتماعي عبر الانترنت والرسائل القصيرة، إضافة إلى التجمعات والندوات الشعبية والجماهيرية البعيدة عن الأحزاب السياسية.
رابعاً: تعزيز ثقافة محاسبة المسؤول المنتخب شعبياً وعدم المجاملة أو التغاضي عن شيء أخذه دونما وجه حق وجعل القانون والقضاء هو الفيصل في جميع القضايا سواء كانت جنائية أو سياسية.
خامساً: تعزيز ثقافة الاحتجاجات السلمية البعيدة عن العنف وعدم السماح للسياسيين أن يتخذوا من التظاهرات والاحتجاجات منبراً للترويج لحملاتهم الدعائية.
سادساً: التفاعل مع دعوات رجال الدين المعتدلين الذين يدعون إلى تلاحم أبناء الشعب ووحدة الصف الوطني وترك جميع ما يفرق كي تفوت الفرصة على البعض من السياسيين الذين يلعبون على وتر التقسيم والطائفية.
فإذا وجد السياسي الذي تم انتخابه في المرة السابقة ان بوصلة التفكير قد أصبحت مختلفة عما كانت عليه في السنوات السابقة وان المعايير والمفاهيم التي يتم من خلالها التوجه لصناديق الانتخابات لا تعبأ بالأوهام وخلق الأعداء فإنه من المنتظر أن تتمخض الصناديق الواعية للانتخابات عن طبقة سياسية جديدة تضع بعين الاعتبار كلمة الشعب ومحاسبته نصب عينيها، كما تستطيع محاسبة كافة المفسدين والمسرفين في المال العام الذين يثيرون الأزمات للتغطية على فسادهم وفشلهم في بناء بلد يمتلك جميع مقومات البناء.