الرئيسية » مقالات » عمائم في خدمة السياسة !

عمائم في خدمة السياسة !

الوظيفة التقليدية للعمائم، او من يرتديها في العالم العربي والاسلامي، جلية ولاتحتاج للشرح والتفسير، فمن يضع هذه العمامة على رأسه هو طالب علوم دينية او عالم مختص بالدين ويعرف، أستنادا الى هذا التشخيص، وعلى نحو متباين بدرجة المعرفة ومستواها، المبادئ والاحكام الدينية والتشريعات والقوانين المتعلقة بها شأنه في ذلك ِشأن المختص في اي علم من العلوم الانسانية كالادب والفلسفة والتاريخ والسياسة أو العلوم الطبيعية، كما تسمى احيانا، كالفيزياء والكيمياء والجيولوجيا مثلا.

هذا يعني، بكل وضوح، ان العمائم والشيخ الذي يرتديها يعمل على خدمة الناس من خلال تعريفهم بدينهم ومعتقداتهم او يَخدم الدين عبر تقديمه وعرضه للناس على نحو، كما هو ما ينبغي ان يكون عليه، عقلاني منفتح متسامح قائم على اساس الاخوة والسلام والمحبة والقيم والعدالة والمنطق لا على اساس ” تنفيري” قائم على الحقد والكراهية والخرافات، ويجعل ممن يريد التعرف عليه يزدريه ويكره ماجاء في من افكار قد يقدمها صاحب العمامة بصورة رجعية لاعقلانية وربما مضحكة !.

ولكن يبدو من خلال ما نراه الان في وسائل الاعلام المعاصرة التي عرَّت الكثير من الظواهر وكشفتها للانسان البسيط، ان بعض هذه العمائم قد تناست دورها الحقيقي وشروط ارتدائها للعمائم والغاية والهدف الاصلي منها، وانحرفت عن هذا الهدف وانساقت الى مسارات اخرى فأمست لاتقوم بخدمة الدين الذي تدعو لها ظاهرياً من خلال ردائها ولا الناس كما هو مفترض لها، بل تخدم أجندة وبرنامج سياسي معين لحزب ما وتقوم بالدفاع عنه شأنه شأن الدين ومعتقداته.

يغدو صاحب العمامة، سوداء كانت أم بيضاء، شيعياً كان ام سنياً، في ظل هذه الحالة واعظا وداعية للحزب السياسي الذي أنخرط فيه، فتراه منافحاً عن معتقدات حزبه، مدافعاً بكل ضراوة عن ” ادبيات”ـــه والافكار الذي يقدمها والاطروحات التي جاء بها مستخدما جميع الاساليب التي يتقنها والذي تعلمها من خلال درسه وتعليمه في المدارس الدينية.

ولأن الأحزاب في العالم العربي والاسلامي تتجسد دائما في شخص واحد يمسي ويصبح زعيمها الاوحد ورئيسها الفريد، وتصبح تعاليمه واراءه وافكاره الممثل الحقيقي والتفسير الصحيح لمبادئ الحزب لذا يتحول صاحب العمامة، هنا، من الدفاع عن مبادئ حزب ما الى الدفاع عن “زعيم” هذا الحزب باشكال مختلفة وباساليب متنوعة.أذ نجد ان صاحب العمامة قد يدافع بصورة مباشرة عن كل مايقوله هذا ” الزعيم ” من اراءه أو مايتخذه من مواقف، ومرة اخرى يكون دفاعه بصورة غير مباشرة حينما يساند عن كل رأي يشابه راي زعيم حزبه ويقود الى نفس النتيجة.

هنا يرتكب صاحب العمامة أخطاء فادحة ويرسل رسالة سلبية بحق نفسه وحق الدين والطائفة التي يمثلها ناهيك عن الحزب السياسي نفسه الذي لن يكون في منأى عن النقد والاستهجان من قبل الاخرين ممن يؤمنون بخطورة توريط رجل الدين بالدفاع عن مواقف سياسية معينة لحزب ما او ايديولوجية معينة ترتبط بحزب سياسي.

قد يرد علينا معترض بان رجل الدين انسان اعتيادي يجب ان يكون له رأي سياسي وموقف من الاحداث الجارية شانه شان اي انسان اخر، وهذا رد مقبول ومنطقي ولانعترض عليه ان أعطى صاحب العمامة رأيه السياسي في قضية ما بصورة مستقلة وكما يراها هو، لكن ما ننقده هنا ونستهجن حدوثه هو ان تكون العمامة في خدمة حزب سياسي ما او تحت أمرة صاحب هذا الحزب يرسم لـ” العمامة” خريطة سلوكها ويُعبد لها طريق تصريحاتها ويضع لها حدود اقوالها، وبالتالي يقوم صاحب العمامة، وهنا الخطورة الكبرى، بتأييد اراء ونظريات الحزب بنصوص دينية واحاديث نبوية محاولة اضفاء مسحة تقديسية على هذا الحزب ومواقفه التي يتخذها.

آنذاك تصبح العمامة أداة رخيصة بيد السياسة والاعيبها ومصالحها غير النزيهة وتمسي النصوص الدينية اداة طيعة بيد صاحب العمامة لتقوية مواقف حزبه السياسي الذي منح هذه العمامة امتيازات لم يمنحها لغيره من المعممين المستقلين ممن لا يوافق هذا الحزب في أراءه او لديه موقف غير مرضي عنه من قبل هذا الحزب.

مهند حبيب السماوي