الرئيسية » الآداب » الطريق إلى هولير

الطريق إلى هولير

في الصباح وعند الساعة التاسعة ونصف كانت السيارة الحمراء تنتظرني أمام باب المنزل في دومييز، حيث مكثت هناك ثلاثة أيامٍ بلياليها وكنت في ضيافة عائلة مهاجرة أيضاً ولكن منذ زمن بعيد. نهضت من الفراش على أثر صوت أحدهم في المنزل وهو يردد اسمي ويقول بإننا يجب أن أجهز نفسي بسرعة لأن السيارة التي ستوصلني إلى هولير تنتظرني منذ ساعتين أمام باب المنزل وكان السائق يهاتف صاحب المنزل ولكن هاتفه كان صامتاً.
ودعت الجميع وقبل أن أصعد إلى السيارة قال لي ابن العائلة التي أقمت عندهم بأن أنتبه على نفسي جيداً أثناء الطريق وأن أتصل به كلما رغبت في ذلك لكي يطمئن علي..
في طريق الذهاب إلى دهوك خطر لي أن أتعرف على وجه السائق الذي ظل ساكتاً طوال الطريق، وأول شيء لاحظته في وجهه هو حواجبه التي قلمها كما تقلّم الفتيات المراهقات وتلعبن بتفاصيل وجههن لكي يبدون بالغاتٍ ويلفتن الأنظار أكثر..
أدرتُ وجهي عنه وكدتُ أن أريهِ ابتسامتي وأن أنصحه بألا يفعل هذا بوجهه مرة ثانية. تذكرتُ فيما بعد أنني وحدي معه في هذه السيارة وأنها هي المرة الأولى التي أركب فيها عربةً مع شخص لا أعرفه من قبل، وكم تألمتُ حين أرجعتني ذاكرتي التي اختفت منذ أن استيقظت من النوم مفزَعةٌ بأنني سورية الأصل وأنني الآن في بلد آخر ولا أملك خياراً بالرجوع عن قراري في الذهاب إلى هولير عندما يزعجني ذلك السائق بردة فعله، فاستمريتُ بالصمت كما كان يفعل هو، وكم أحسستُ أنني مخلوقٌ ضعيف وأن كل ما يحصل في العالم يوثر فيَّ ويضطهدني، فهي المرة الأولى التي أنتقل فيها من مكان إلى آخر بطريق غير شرعي وهي المرة الأولى التي ألتقي مع هكذا أشخاص..
وصلنا إلى منطقة سكنية بعيدة عن “دومييز” حيث وقفت السيارة أمام منزل وخرج السائق لمناداة صاحبه وليوقظه هو الآخر ولكن لحسن الحظ أنهم كانوا واقفين وراء الباب تماماً منتظرين قدومنا. خرج رجل نحيف ذو هالة لطيفة ومسكينة وحوله يركض طفل صغير وتلحق بهما امرأة بهيئة ديكٍ رومي وتلبس شيئاً صوفياً على أكتافها، غير مبالةٍ برجُلِها، وأول وصولها إلى السيارة احتجت على مكان جلوسها في السيارة حيث أنها تريد أن تجلس جانب الشباك لسببٍ ما عرفتُه فيما بعد وهي أنها تشعر بالغثيان.
انطلقت السيارة بنا مسرعةً إلى قلب “دهوك”، وبعد بضعة كيلو مترات وصلنا إلى مفرق مغلق وبدأ السائق بالاتصال عبر هاتفه ويبدو أنه قد أضاع سيارة صديقه الذي ينتظره هناك وأخبره بأن يلاقينا في المفرق الثاني وفعلا رأينا سيارة تنتظرنا جانب الطريق المحدد حيث أشار له السائق لكي تلحق بنا. في حارة شبه خالية من السكان أمرنا سائق سيارتنا بأن نغير السيارة ونصعد إلى تلك السيارة الأخرى التي هي من نوع ” بيك آب” ببابين، وفعلا انتقلنا إلى سيارة البيك آب الحمراء القرمزية، ولكن الغريب أن السائق لم يبالي بحقائبنا واضطر الرجل النحيف إلى أن يحمل حقائبي مع أغراضه ويضعها في البيك آب بينما هما أي السائقين انشغلا بحديث جانبي بعيداً عنا بضعة خطوات..
انطلقت بنا سيارة البيك آب والآن نقطع الشوارع بسرعة قصوى وكأننا سنكون الوحيدون في هذه السيارة وأننا نستطيع أن نتصرف وكأن السيارة مُلك لنا، وبعد أن قطعنا مسافة لابأس بها توقفت البيك آب مرة أخرى وكان هناك ثلاثة شبان يجلسون على قارعة الطريق وعندما رأونا هرعوا إلى السيارة وتوقفت السيارة وخرج السائق لمحادثتهم وبعد جدال طويل حول موضوع أجرة الطريق إلى هولير صعد إلى السيارة شابٌ واحد فقط من هؤلاء الثلاثة وكان ذلك لحسن حظنا لآنها لا تستوعب أكثر من أربعة أشخاص.
كان الطقس مرعباً.. في ذلك اليوم تحديداً، تارةً تهطل الأمطار بغزارةٍ وتارة أخرى تغضب الغيوم أكثر فأكثر على الأرض وكأنها تريد أن تجرف بمياهها السيارة معها ومَنْ فيها، أحسست أنني لم أعُدْ أرى شيئاً سوى مساحات السيارة كانت تروح هنا وهناك بانتظامٍ وكنت أراقبها لا إرادياً وكأنني أخمن أن السائق كان يعاني من رؤية الطريق أمامه من خلال حركتها، وخلف رأس السائق وقبعته الفضية المزعجة وتلك المرأة وجلوسها الغير مستقر لعمودها الفقري حيث أنها ترتكز على نصف زوجها ونصفها الآخر على ركبتيَّ وفوق ذلك لايُسمح لنا بإغلاق النوافذ باعتبار أنها حامل وتشعر بالغثيان..
عالمٌ من الفوضى في الخارج وآخرٌ أكثر فوضى داخل السيارة وفي رأسي أيضاً ولا أستطيع أن أفهم ماذا ولماذا يحصل كل هذا!!….ولمَ أنا مضطرةٌ للسفر بالطريق الغير الشرعي بين مدينة وأخرى في بلدٍ واحد..
نمشي في طرقٍ وعرة وبسرعة قصوى نقطع جبالاً شاهقة تنزل فوق رؤوسنا وكأننا وصلنا إلى قعر الأرض ونسير باتجاه الصخور والمياه، وأشجارٌ تصفع واجهة سيارتنا وهي مبتلةٌ وغاضبة وتارةً تطير السيارة بكافة الاتجاهات وغير مبالية بحمولتها وكأن الشياطين تطاردنا والأشباح تلحق بنا وتريد أن تبتلعنا. ياإلهي ما هذا الغضب الذي نزل علينا فجأةً, كنت راقدةً في تلك الغرفة الداخلية الدافئة لا شمسَ ولا بردَ ولا هواء يلامسني، أحلمُ بقريتي الصغيرة الدافئة في إحدى ضواحي منطقة عفرين الكبيرة. قريتي التي غادرتها منذ فترةٍ وجيزة مازلت في رقادي أعيش لحظاتها وأجثو على ركبتي عندما أرى طفلاً صغيراً أمام باب منزلنا المتواضع لأقبل وجنتيه وأسأله عن اسمه، وفجأةً أصبحت مُلك السماء والأرض وهذا الطفل الذي بدأ يتخبط هنا وهناك وصراخه يشق السماء مستنجداً بأبيه طالباً الخروج من هذه السيارة اللعينة..
آهٍ يا أمي لمَ أنا هنا؟ ماذا أفعل في هذا اليوم العصيب في هذا المكان الظالم ومنْ هؤلاء؟.. أكادُ أصرخ من مكاني الضيق وشعوري بأنني غريبة وأن أنفجر بالبكاء…..
أبطأت السيارة شيئاً فشيئاً حتى ركنت جانب كومةٍ من الحجارة الممزقة والحشائش المبعثرة بشكل منظم بفعل عجلات ربما سلكت نفس الطريق، وبعد بضعة ثوانٍ أحسسنا أننا هنا على قارعة الطريق منذ ساعاتٍ طويلة وكل ثانية تمرّ علينا في تلك السيارة القذرة وكأنها ساعةٌ أو ساعتين، داخلها موحشٌ وحزين ومقزز ومظلم وغريب، مقاعدها غير أليفة بالجلوس، ربما كان يجب أن نصعد إلى سيارة أكثر أناقةً من تلك أو ربما كانت هي أنيقةٌ ولكنني لم أألفها.
الساعة الآن تقارب الواحدة بعد الظهر والسائق يهاتف صديقه في القرية المجاورة التي لا نرى منها غير بيتين أو ثلاثة، إنه اتصاله الأول بعد انتظار لمدة ساعة ونصف تحت الأمطار الثائرة، وذلك ليتأكد من موعدٍ له مع هذا الصديق. يريده أن يسرع بالقدوم إلينا ليقلنا وقد كَثُرت أسئلتنا وبدأنا نضجر من الانتظار. ظهرت جرارةٌ تأتي من بعيد وأشرطة سقفه تلتحق بها وبفعل الرياح القوية فقد كانت تروح بكل الاتجاهات، تقربت مننا كثيراً وعند إمعاني النظر في سائقها وجدته يرفع يده اليسرى إيماءاً منه بوصوله، أتاني إحساس أننا موعودون مع هذه الجرارة لتكمل معنا مسيرنا إلى هولير، ولكنني كذّبت إحساسي وقلت في نفسي أنه من غير المعقول أن نركب سيارة في مثل هذا الطراز لنذهب إلى مدينة كبيرة مثل هولير. ولكن عندما وقفت تلك الجرارة التعيسة خلف سيارتنا نظر سائقنا بهدوء إلى أعيننا واحداً تلو الآخر عبر المرآة الصغيرة وتمتم بأن نخرج من السيارة ونركب في تلك الجرارة التي تقف هناك بانتظارنا وأنها الوحيدة التي يمكن أن توصلنا بأمان إلى هولير في مثل هذا الطقس الممطر، وفوق كل ذلك فهي مستعجلة والسائق لايستطيع الانتظار طويلاً تحت الأمطار..
لم أصدق ما سمعته، فقد كان إحساسي صحيحاً.. بدأت المرأة بالمشاجرة مع السائق أولاً ثم التفتت إلى زوجها وصرخت في وجهه بأعلى صوتها ونعتته بكل ما تعلمته من شتائم في صغرها وهددته بالرجوع إلى سوريا في حال قبِل بإكمال الطريق مع تلك الجرارة. بدأت الجدالات والمشاجرات بين الكل هذه المرة وإلى أن خرج السائق بقرارٍ بإرسالنا مع صديقٍ له يملك سيارة تشابه سيارته ولكنها أكثر تحملاً لهكذا طقس.. وبعد صراخٍ وتوسل أحياناً من قبل السائق وحديثه الطويل مع صديقه عبر الهاتف الجوال صعد إلى السيارة وهو غاضبٌ تمتم قائلاً بأننا سنرجع أدراجنا لأننا بعيدون كثيراً عن السيارة التي ستقلنا إلى هولير ولأن سائقها لايعرف نحن في أي نقطة بالتحديد. عند المرور بجانب الجرارة التي كانت واقفة وهي تتربص بنا مستغربة، رفع السائق يده ملقياً التحية على سائق الجرارة التي ودعناها ونحن ننظر إليها نظرة أخيرة ونودعها وانطلقت السيارعة مسرعة، ووصلنا إلى طريق بات مألوفاً لدينا وهدأت السيارة قليلاً عند وصولنا إلى المكان المحدد لملاقاة تلك السيارة التي ستقلنا إلى هولير وهي تركن شيئاً فشيئاً وتحاول الوقوف في مكان آمن وتتجنب الأنهار التي تشكلت حديثاً.
بدأت أصوات الخارج تصبح لطيفةً بعض الشيء بعد أنها كادت أن تثقب آذاننا وتقسم دماغنا إلى نصفين بلا مناسبة. تأخرت السيارة كثيراً.. وما زلنا ننتظر داخل السيارة، حاولت إزاحة قليلٍ من البخار المتجمع على زجاج النافذة لكي أميّز مافي الخارج ولكن الأمطار الغزيرة كانت تحجب كل شيء، النوافذ نصف مفتوحة كما أمرتنا تلك المرأة التي تجلس ونصفها على ركبتيّ، لم أعد أحتمل لا برودة الطقس ولا حرارة جسدها الثقيل المزعج.
تذكرتُ أن لديّ هاتف جوال وخطه عراقي، حاولت أن أتذكر أرقام أصدقائي الموجودين في هاتفي لكي أحدّثهم وأضيّع القليل من الوقت الذي لم يعدْ يمرّ ولكنني لم أفلح، وفجأة أتاني اتصال من صديقي الذي استضافني في منزل عائلته في ” دومييز” وعندما فتحت الخط صرخ قائلاً أين وصلتم ولماذا هاتفك لم يكن يعمل منذ أربع ساعات؟… لم أكن أدري أن هاتفي لم يكن يعمل، ربما انشغلت بالطريق وربما لأنه لم يتسنى لي الوقت لأن أرى هاتفي… قلت له أننا ننتظر سيارة أخرى ستقلنا إلى هولير، استغرب صديقي مما قلته له وقال لي بأن الاتفاق لم يكن هكذا.. وأنا بدوري لم أفهم ما قاله لي وما هو الاتفاق الذي تم بينه وبين هؤلاء المهربين..
بدأ الطقس يزيد برودةً والسيارة لم تأتِ بعد، والسائق لا يعطي أي اهتمام لانزعاجنا من الانتظار الطويل، ويبدو وكأنه مطمئنٌّ بأن السيارة ستصل في أي وقت..
الرجل النحيف يمازح زوجته كل مدةٍ وهي بدورها تتهجم عليه بالكلام البذيء وهي غاضبةٌ وتلحقه باللكمِ على كتفه معبّرة عن غضبها منه، وهو الآخر سعيد ويضحك لأن زوجته فهمت وأخيراً أن زوجها قد خدعها عندما رسم لها العالم الجديد الذي ينتظرهما وأنهما سيقضيان وقتا ممتعاً أثناء طريق سفرهما إلى هولير وأن الطبيعة خلابة هناك وهي سترافق زوجها الذي جهز لها بيتاً جميلاً وأنه لديه عمل ثابت ومريح ويجني أموالاً لا بأس بها لحياةٍ أفضل مما كانت تعيشها تحت القصف في سوريا وأنها وأخيراً ستعيش حياةً طبيعية وستضع مولودها بصحةٍ وسلامة..
ما زلنا ننتظر تلك السيارة التي لم تأتِ بعد، والسائق بدأ يهاتف صديقه السائق للمرة الثانية منذ أن التقينا به ليطمئنه أننا ما زلنا ننتظره، وأخيراً وصلت السيارة ووقفت إلى جانب سيارتنا وكان هناك شخصين في داخلها، وكانت أيضاً من نوع بيك آب وتبادلت السيارتين حمولتيهما الحقائبية والبشرية ولم نتردد في جمع أكبر عدد ممكن من الانفلوانزا الطائرة أثناء انتقالنا إلى السيارة الأخرى لنحتفظ بها فيما بعد وانطلقت بنا تلك السيارة البيضاء مسرعةً إلى نفس الطريق الذي سلكناه منذ قليل.. وبعد مسافة قصيرة بدأ الرجل بالجدال مع طفله هذه المرة بعد أن تخلص من زوجته التي تخطّت حدود القوة على الكلام والصراخ وبدأت تغفو شيئاً فشيئاً وكأن صراخ الطفل لم يعنِ لها شيئاً.. كان الطفل بحاجة إلى قليل من الماء ولكن السيارة كانت تفتقر لأي مادة غذائية، وعندما زاد صراخ الطفل سأل السائق عما به فأجابه الأب بأنه يحتاج إلى الماء، فسارع السائق بالقول أنه سيمرّ على محل للحاجيات على طريقنا وأنه سيجلب له الماء وفعلا وبعد عدة دقائقٍ مررنا بمجموعةٍ سكنية متلاصقة نوعاً ما حيث توقفت السيارة ونزل منها السائق وبعد لحظات أتى بقنينة ماءٍ واحد تزن نصف ليتر تكفي حاجة الطفل وناوله عبر النافذة وصعد بصعوبةٍ إلى سيارته ليفرش دهونه على أجزاء المقعد الخلفي للقيادة وانطلق بنا مسرعاً.
لم أكن أدري أنّ الطريق إلى هولير سيطول إلى هذا الحدّ وعند سؤالنا للسائق عن الوقت الذي سنصل فيه إلى هولير أجابنا إننا سنصل بعد ثلاث ساعاتٍ ورددنا وراءه بـ ” إن شاء الله” وسكت السائق..
مرتْ ساعتين ونصف ونحن نقطع كل أنهار العالم، وكل أنواع الصخور الزلقة والفسيفسائية والمنكسرة والحادّة والصاعدة والنازلة وهذه السيارة الغير مبالية للطريق الوعر تدور حول نفسها أحياناً وأحياناً أخرى تطير كحصانٍ أو كثورٍ غاضبٍ وتحطّ لتحطم عظامنا وتفرّغَ مافي معدة تلك المرأة النبيذ وحامضية… لم يكن يوماً عادياً ولم أكن في وعيي، ولم يتفوّه أحدٌ بكلمةٍ طوال ذلك الطريق المحاذي أحياناً لوادٍ عميق ويكسر الرجل السمين الاتجاه لترتجف عجلات سيارته عند حافةٍ وحلة لتدور في الفضاء وتنطلق وترجع لطريقها متجنبةً الانزلاقَ مرةً أخرى.
وصلنا لشبه طريقٍ وتقابلنا مع سيارةٍ أخرى تقلُّ مجموعةٌ أخرى من السوريين وكانوا خمسة شبانٍ في مقتبل العمر، أتوا ليضعوا هم أيضاً مصيرهم تحت أقدام الرعب والظلم والقوانين واللاقوانين… توقفت السيارتين جانب بعضهما ليتم التبادل من جديد بين السيارتين وهو سيكون الأخير..
هذه المرة صعدنا إلى سيارة ربما كانت ذات عجلتين فقط لأن هذه السيارة ربما كانت حديثة الصنع منذ بضعة قرونٍ مضتْ ولم تكن تحتاج لتصليح وتنفيخ العجلتين الأخريتين إلى أن يتم تآكلها بشكلٍ لا بأس بها ليتم التخلص منها فيما بعد..
هذه السيارة الأكثر برودةً والأوسع شريانياً قد لازمتنا حتى نهاية مسيرنا إلى هولير ولم تردْ أن تبادلنا بركّابٍ جدد إلى أن غيرتِ تلك المرأة رأي السائق فيما بعد و أراد التخلص من حمولته هذه واستبدالها بغيرها وذلك عندما صرخت تلك في وجهه عندما علمت منه أن الطريق سيطول أكثر من أربع ساعاتٍ وأنه بعد تلك المدة سنكون في قلب هولير نشرب قهوتنا، كيف ومنذ ثلاث ساعاتِ ونصف زميله سائق البيك آب البيضاء قد قال نفس الكلام؟؟!!!…
كانت الساعة تقارب السابعة والنصف مساءاً والطريق مازال بعيداً ووعراً وضَحِلاً ومظلماً وخالياً من الدومري.قطعنا مسافات كبيرة ولم نكن نصل إلى أي ضوءٍ أو إشارةٍ أو حكومة..
وبدأتُ أفقد الإحساس بقدميَّ وبأصابع يديَّ، كانت شهاداتي التعليمية وغيرها في كيس محكم لألا تصلها المياه وأيضاً حقيبة يدي بين ذراعيّ أخفي يديّ تحتها علّها تقيها قليلاً من اللفحات الثلجية التي تدخل باستمرار إلى السيارة عبر النوافذ، لبرهةٍ تخيلتُ أنني وصلتُ إلى إحدى القطبين وأن هناك جروحٌ بكل جسمي والرياح القوية والبرودة تلفحني وتمنعني من الحركة تماماً، كانت عيوني تدمع لا إرادياً بفعل الرياح القوية التي تدخل من نافذة الشبه سيارة، وكدتُ أنسى كيف هو شكل وجهي أو منْ أُشبه وكيف هو لون شعري وكيف يبدو صوتي إن تحدثت!!.. هل لديّ صوت؟.. وأنفي.. هل سأشتمّث رائحةً غير هذه الرائحة المقززة من السيارة؟.. أحسستُ أنني انطفأت، ياإلهي أنقذني ممّا أنا فيه.. أريد أن ينتهي هذا اليوم وبأسرع ما يمكن.. أريد مطفأتي أريد غرفتي وطاولتي وأنا راضية بأقل ما كنت عليه تحت النيران التي تأتي من حيث لم نكن ندري.. فقط أرِحني من هذه الساعات القليلة المقبلة ولِينتهي هذا الطريق..
أصبحت الآن خارج العالم تماماً وخاصة أن شاحن هاتفي الجوال قد انطفأ منذ مدة وأنا بأمسّ الحاجة الآن إلى الهاتف لأنْ يعمل…. وصلنا إلى طريق جبلي آخر بعد أن قطعنا سهولاً لا بأس بها وهي لم تكن سهولاً بالفعل وإنما في الحقيقة أرضٌ ضحلة وزلقة وبضعة تلالٍ من الطين والوحل… توقفت سيارتنا لتلحق بنا سيارةٌ أخرى وعندما وصلت إلينا تلك السيارة، توقفنا مرةً أخرى ونزل سائقنا وتمتم وهو ينزل بأنه ينتظر صديقاً آخر في الجهة الأخرى من الطريق وأنه يريد أن يوصل له أمانةً وسيرجع بسرعة.
ذهب سائقنا مع تلك السيارة ووصلوا إلى سيارة صديقهم التي لم نكن نرى منها إلا أضواءها..
انتظرنا لأكثر من نصف ساعة ونحن منهمكين في النظر إليهم من بعيد محاولين تمييز أجسادهم وهم يتبادلون الأغراض ولم نستطع في الحقيقة رؤية شيء، وظللنا ننتظر الرحمة وانتهاء هذا اليوم داخل السيارة والبرودة بدأت تعدُّ أجزاءنا الداخلية قطعةً قطعة وتصنع موسيقىً من الأصوات التي تصدر من أسناننا التي لم تعد ملكنا. وبعد مدة لا بأس بها تحركت أضواء تلك السيارة وأخيراً وبدأنا نشتاق نحن لسائقنا ونريده أن يظهر سريعاً وينطلق بنا، لأننا في الحقيقة مستعدون لتحمل البرودة ونحن نمشي على أن نتحملها ونحن واقفون لا نتحرك.
وصل السائق ذو الرداء المحلي وأخيراً ولم يعتذر عن تأخره ولم نبالي نحن للأدبيات لأن المهم الآن هو أن ننطلق. فجأة وهو يحاول تشغيل سيارته اكتشف أنها قد تعطلت، ويبدو أنه كان يعلم من أين هو العطل، فقد نزل من السيارة وهو يحمل شيئاً حديدياً ويقول للشاب الذي كان يجلس بجانبه بأن يحرك مفتاح السيارة لكي يساعده في تشغيلها.. وبعد مدة وجهود في تصليح السيارة نجح السائق في إصلاح سيارته وبدأ بالانطلاق بها من جديد في طريق مظلم ومجهول ولا ينتمي للجغرافية…
حاولت أن أغفو في الطريق قليلاً لكي أنسى الجوع والعطش ولكنني لم أستطع وطوال الطريق وأنا أنظر إلى ساعة الشاب الذي كان يجلس جانب السائق لأحسب المدة الزمنية التي توصلنا إلى هولير… مع كل الوسائل الممكنة في تذكر المواقف المضحكة أو العادية أو استرجاع حدثٍ ما حصل معي سابقاً لكي أضيع الوقت قليلاً فلم أستطع. عندا أنظر ما حولي وأرى التعاسة مبعثرةٌ في المكان الذي يحتويني الآن أكادُ أفقد بقية صوابي الذي بقي لديّ في ذلك اليوم الموحش…
وأخيراً وصلنا إلى طريقٍ مدنيٍّ محاطٍ بالأضوية على جانبيه، وصرتُ أقرأ اللافتاتِ الطرقية وأحاول أن أحفظ بعضاً منها لكي أعرف أين وصلت وأخبر أصدقائي الذين ينتظرونني في هولير ويأتوا إلي لأخذي إلى بيتي في عنكاوه..
قبل وصولنا إلى بوابة هولير عند البوليس توقفت السائق وطلب من الشاب الجالس بجانبه بأن نستبدل أنا وهو أماكننا.. وبعد تردد طال عدة ثوانٍ ترجّل الشاب من السيارة وبدلنا أماكننا وجلست أنا في المقعد الأمامي وجلس هو في الخلف، وأدركتُ أنا من جهتي أن السائق يرمي لشيءٍ من جلوسي في المقعد الأمامي بجانبه وذلك عندما عبرنا بعد بضعة دقائقٍ بوابة هولير حيث البوليس واقف وكانوا أربعة منهم وأجسادهم مغطاةٌ بأشياء مثل الأكياس المطرية مصنوعة من النايلون لتقيهم من الأمطار الغزيرة التي كانت تحجب الرؤية حتى عن رؤية لون السيارة التي نزل السائق وحاول إزالة بعض من كتل الطين التي كانت تلونها وأيضاً أذكر أنه عندما رجع إلى السيارة أَخرجَ لفحةً جديدة من صندوق السيارة وربط بها قبعة رأسه.. لم توقفنا البوليس إلا ثانية واحدة وطلبت منّا العبور فور رؤيتهم امرأة ترتجف من البرد القارس إلى جانب رجل إقليمي يقود سيارةً خصوصية ربما كانت تخصّ هذه العائلة التي كانت في رحلة خارج هولير وتريد العودة أدراجها بعد أن منعتها الأمطار من إكمال مسيرها.
أخبرت أصدقائي عبر الهاتف الخاص بالسائق بأنني وصلت وأنني الآن في طريق مؤدي إلى عنكاوه وأنني أنتظرهم.. وبالفعل بعد بضعة دقائق وصلوا إلي بسيارتهم ولكن قبل نزولي من السيارة سألت السائق عن ثمن التوصيلة التي كانت مدتها ما تقارب العشرة ساعات ونصف فأجابني وبلهجةٍ أقرب ما تكون أننا التقينا منذ مدة لا تتجاوز العشر دقائق وطلب مني مئة دولار وعشرين ألف دينار عراقي وكأنه يعلم أن مدة إقامة وجودي في إقليم كوردستان هي أيامٍ خمسة وأنني أحمل النقود العراقية منذ بضعة أسابيع، وضعت النقود في يدهِ وطلبت منه إنزال حقائبي التي تحولت إلى كتل من الطين والوحل ووعاءٍ للماء.. ووصل أصدقائي إليّ مرحبين بي وهم لا يصدقون أعينهم وأنني ما زلت حيّة وابتسامتي لملاقاتهم محاولةً تدارك موضوع رحلتنا الشاقة لم تقنعهم حيث أن ثيابي الحمراء والزرقاء التي تلونت بألوان الطين لم توحي إلاّ بكارثةٍ لن أحكيها بعد أن وصلت إلى هولير .