الرئيسية » الآداب » القهوة جاهزة والورد ما زال يغني لفيروز

القهوة جاهزة والورد ما زال يغني لفيروز


 



 


فنجاني اليوم بطعم حكاية ليست كالحكايات، تستهدي بركب حلم جميل، فلم يكن ذلك اللقاء عابرا، كان لقاء ممتدا عبر زمن يسعى للوصول إلى مقعده المنتظر، حيث أنا وأنتِ نحتسي صبابة الفرح النديّ، يأتي إليك القلب بكل ذكرياته وآماله وأحلامه لينظر إليك وأنت هناك بعيدة، ربما شاردة الذهن تفكرين وتتذكرين، فليس لذكرى حدود، ولن يستطيع شيء أن يوقف سريانها في عقولنا، لتسرقنا مما حولنا.


تتحفزين لصناعة جملة تليق بالموعد المرتقب، تفتشين عن ذلك الطيف الهارب أين يكون، لعلك تعلمين أنني هنا أراك كاملة بهية بعيون قلبي، تكتملين في مساءات الورد الناطق عبيرا مستعارا من طيوب عطورك المرهفة.


لا أريد مع قهوتي سوى أنتِ، فأنا من اختارك قلبي لتكوني وطنا لروحي، وأنت من ستكونين عاصمة العقل من جنون التشتت، وأنت من سيكبر الضوء فيك ليعم الحضور وتتلاشى أقنعة السواد المربدة الحزينة، فامنحيني تأشيرة للدخول لأكون سيد قلبك، ولنكمل إعداد فنجان قهوتنا الذي ما زال متلهفا لاكتمال السر فينا.


لست أدري كم قافية ستصوغ رائحة القهوة وهي تتسامى إلى المطلق حاملة أرواحنا لنكون معا هناك حيث السعادة التي ما زلنا نحلم بكأس خمرتها، لنعبّ من الوصال كؤوسا مترعة، حلالا زلالا طيبا، لا حرج ولا تأثيم، فليس يسري على المحبين في طقوسهم غير القوانين الخاصة التي تمنحهم حق الذوبان ليصنعا فرحا طال انتظاره.


لست أدري كم من المسافة التي ستصنعها دلة من القهوة لنكون ممسكين بها معا ونحن نسكب بعضها في بعضنا لتبوح وتبوح في ليل لا نعرف له نهاية، ولا نحب لفجره أن يبزغ، يا لله كم يكون قاسيا لو باغتتنا أشعة الصباح لتقول لنا ها أنا قد خرجت لكم، فتهيئوا إلى أعمالكم، لن نترك لتلك الأشعة منفذا ليتسرب عبر زجاج النوافذ الفائرة باشتياق اللقاءات، سنتجاهل مجيئها، ونعلن العصيان، لندخل في طقوس الطاعة العاطفية لنظل في عناق دائم لا يفرقنا صباح أو مساء، لا نريد من دنيا الناس شيئا، نريد أن نكون أنا وأنت وقهوتنا وطقوسنا لنظل هناك تشتعل اللحظة من شوق اللهفة التي لا تنطفئ بل إنني أراها تزداد اشتعالا كل حين، لتؤتي أكلها ثمرا ناضجا مستويا على سوق القلوب لنكون جميعا أنتِ متوحدين في رهافة حسك وإحساسك، وتنعش أرواحنا جميل أنفاسك المرسلة كفوح المسك المعطر لأجواء الزمان والمكان.


إن هذا ليس حلما جميلا، فلا تخافي أن تصطدمي بواقع يفرق الجسد عن الجسد، إنها حقيقة اتحاد القلب بالقلب والروح بالروح، فقد صرت هنا قلبي النابض وروحي العابدة المتعبدة، وصرتُ هناك قلبك المورق بالأمل، هذا هو ما يجب علينا أن نعيشه، لا أن نخاف تشتتا وفرقة وتشرذما في مكانين ذات زمان يغير علينا بعقارب الوقت، علينا أن نقتل الوقت، ونميت كل عقارب تسعى لنكون ذاتين متباعدتين، علينا أن نستعد لذلك الفنجان الأنيق المنتظر شوق أنفاسنا، لتدب في جسده الحياة، وتسري في خلاياه رياح دافئة، ليحافظ على حرارة قهوتنا التي لن يبرد شوقها وهي تنتظرنا بكامل استعداداتها، لقد تأنقت وتألقت لتكون هناك وتجمعنا، فثقي بأن الوعد قريب والقهوة جاهزة، والورد ما زال يغني على أنغام فيروز أغنية الصباح:


حبيتك والشوق إنقال وليلات الحلوة عالبال


حبيتك وسع الغابات اللي حدودا حدود اللفتات


فانتظري قدومي، ولن تتركي الهمّ يغطي على أبصارنا، فأنا ما زلت أراك بقربي وبجانبي، فاستحضري الروح، فأنت هنا الآن معي!!




فراس حج محمد/ فلسطين نابلس