الرئيسية » الآداب » جيورجي ديمتروف – 1882-1949: كتاب في حلقات – الحلقة 17

جيورجي ديمتروف – 1882-1949: كتاب في حلقات – الحلقة 17






جيورجي ديمتروف
1882-1949



القسم الخامس

الفصل الرابع


– نحو البناء الاشتراكي الشامل-

أن التغييرات الاقتصادية والسياسية العميقة التي حصلت في بلغاريا بعد أنتصار الثورة الاشتراكية ، جعلت الشعب البلغاري في مواجهة المهمات العملية الملحة للسير نحو البناء الاشتراكي الشامل . لذا توجه انتباه ديمتروف واللجنة المركزية للحزب على الجوانب النظرية والعملية في بناء بلغاريا الاشتراكية . وإنصب اهتمام ديمتروف على حل المشاكل المتعلقة بالاقتصاد والثقافة الاشتراكية واعداد الخطط الاقتصادية للبلاد .

وفي نهاية عام 1948 ، ساعد الوضع الداخلي والخارجي للبلاد على البناء الواسع للاشتراكية في بلغاريا ، لذا قررت اللجنة المركزية للحزب عقد مؤتمرها الخامس وعُهد الى ديمتروف اعداد تقرير اللجنة المركزية الى المؤتمر .

وفي ايلول ( سبتمبر ) 1948، أُصيب ديمتروف بمرض السكري وعجز اوعية القلب وأرسل الى موسكو للعلاج . ورغم عدم قدرته للعمل ، الا انه وبمساعدة المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب ، قام بإعداد التقرير ووثائق حزبية اخرى . وبعد عودته الى بلغاريا نهاية تشرين الثاني ( نوفمبر ) من العام نفسه ، كرًس ديمتروف كل طاقته للتحضير للمؤتمر الخامس .

وافرزت المرحلة الجديدة من تطور بلغاريا ، مشكلات صعبة ومعقدة ، لكن ديمتروف استطاع يبدي رأيه في كل قضية . فأوصى بعدم التسرع وعدم القفز فوق المراحل الحتمية لتطور البلاد ، وعدم جلق الوهم بأن الخطة الخمسية ستبني الاشتراكية في بلغاريا دفعة واحدة . واشار ديمتروف “ على الحزب ان ينطلق من المبدأ الحقيقي القائل بأننا في مرحلة بناء اسس الاشتراكية وخلق الظروف الاساسية والضروريةلبناء المجتمع الاشتراكي في بلادنا . ” ( 1 )

وإنعقد المؤتمر الخامس للحزب في صوفيا للفترة  من 18 ــ 25 كانون الاول ( ديسمبر ) 1948 ، وكان حدثا تاريخيا هاما وبارزا في حياة الشعب البلغاري . وجاء إنعقاده في ظل اجواء سياسية جياشة ونشاط إنتاجي عم البلاد . وتركز اهتمام المندوبين على التقرير السياسي للجنة المركزية ، الذي اعده ديمتروف . فقد قدًم التقرير تحليلا نظريا شاملا لنتائج التقدم البطولي للحزب في نضاله ضد الاستغلال الرأسمالي والطغيان الفاشي . واوضح ديمتروف المراحل الرئيسية لنضالات الحزب وقدًم مداخلات تاريخية قيمة تخص حياة الحزب السابقة ، وتحليلا شاملا لسياسته الخارجية وقال : ” إن الحزب قادر على تقوية مشاعر امتنان الشعب البلغاري نحو محرره ، الاتحاد السوفيتي ، وتحويل الصداقة البلغارية السوفيتية الى حجر الزاوية في سياسة الحزب الخارجية وسياسة جمهورية بلغاريا الشعبية . ” ( 2 )

واولى التقرير السياسي اهتماما كبيرا للجانب النظري لانتفاضة التاسع من ايلول ( سبتمبر )، والتحولات اللاحقة في الحياة العامة والاقتصادية للبلاد ودور السلطة الديمقراطية الشعبية المستقبلي .. الخ . و وصف ديمتروف إنتفاضة التاسع من ايلول ( سبتمبر ) بأنها “ عمل ثوري راديكالي لتثبيت الثورة الاشتراكية في بلغاريا وتمهيد الطريق ببناء الاشتراكية . ” ( 3 )

كما قدًم ديمتروف تناولا جديدا وخلاقا لشرح التحولات الجذرية التي حصلت في بلغاريا منذ التاسع من ايلول ( سبتمبر )1944 . واظهر قدرته على تحليل التغييرات التي حدثت بعد الحرب في ميزان القوى الطبقية والسياسيةعلى المسرح العالمي وبلغاريا ، وتطبيق النظرية الماركسية ــ اللينينية في البناء الاشتراكي على اوضاع جمهورية بلغاريا الشعبية بمهارة .

إن الدور التاريخي للاتحاد السوفيتي في دحر الفاشية والنهوض اللاحق للمنظومة الاشتراكية على نطاق عالمي بفعل هذا الانتصار ، جعل بالإمكان قيام الديمقراطية الشعبية كشكل جديد لديكتاتورية البروليتاريا ، واشار ديمتروف الى ان سلطة الدولة التي كانت بأيدي الطبقة الرأسمالية لإضطهاد الطبقة العاملة ، قد “ اصبحت اداة لتصفية الرأسمالية وتحرير الشغيلة من كل اشكا ل الاستغلال . ” ( 4 )
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 1 ) ارشيفات الحزب المركزية ، ف. 146 ، 221 ، د 1765 ص 186 ـ 187
(2 ) ج . ديمتروف ، الاعمال ، المجلد 14 ص 308
( 3 ) المصدر السابق ص 271
( 4 ) المصدر السابق ص 295


الإنجاز الناجح لوظائف ديكتاتورية البروليتاريا في ظروف البناء الاشتراكي ، فإن الحكم الديمقراطي الشعبي يعني تحقيق الديمقراطية الشاملة والكاملة مثل الديمقراطية الاشتراكية السوفيتية . ويتجسد حكم الشعب في ظل قيادة الطبقة العاملة ، فإن النظام الديمقراطي الشعبي  ويجب عليه ان يقوم بوظائف ديكتاتورية البروليتاريا بنجاح في ظل بيئة تاريخية معينة كما قد تجلى من قبل في التجارب السابقة .

لقد مكًنت التجربة الثورية الغنية وآفاق الماركسية ــ اللينينية ، ديمتروف من رسم اتجاهات تطور الدولة الديمقراطية الشعبية ، وبهذه الرؤية الاشتراكية ، اوضح ديمتروف طرق واساليب بناء الاشتراكية ليس في بلغاريا وحسب ، بل وفي كل النظم الديمقراطية الشعبية ، وبهذا ساعد في معالجة المشكلات النظرية التي تتعلق بالنضال من اجل الاشتراكية .

وفي التقرير السياسي اكًد ديمتروف قائلا : ” إن الشكل المحدد للانتقال من الرأسمالية الى الاشتراكية في بلغاريا لا يمكن ان يغير القوانين الاساسية التي تتحكم بالمرحلة الانتقالية من الرأسمالية الى الاشتراكية والتي تكون عامة لجميع البلدان . ” ( 1 ) واشار الى ضرورة إتقان استخدام خبرة الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي في بناء الاشتراكية والتي ترئم ظروف بلغاريا وجعلها نموذجا لبناء الاشتراكية في بلغاريا والبلدان الديمقراطية الشعبية الاخرى . ( 2 )

واعطى ديمتروف اهمية كبيرة للوضع في البلاد وحذًر من القفز فوق المراحل المختلفة في بناء الاشتراكية . واشار الى ضرورة بناء الاسس الاقتصادية والثقافية ثم السير في بناء صرح الاشتراكية .وقد وضع المؤتمر في برنامجه الشامل الاسس العامة لبناء الاشتراكية ، وذلك بإعطاء الاولوية للصناعة الثقيلة واعادة البناء الاشتراكي في الزراعة والتوسع في الثورة الثقافية ــ وفي المؤتمر قال ديمتروف : ” من خلال تصنيع وكهربة البلاد ومكننة الريف ، وفي غضون 15 ــ 20 عاما بالإمكان انجاز ما انجزته بلدان اخرى في ظروف مختلفة على مدى قرن كامل . ” ( 3 )

وفي التقرير الذي قدمه ديمتروف الى المؤتمر الخامس للحزب ، اكًد جيورجي ديمتروف على اهمية التعاونية الزراعية بإعتبارها الشكل الاكثر ملائمة لظروف بلغاريا ، من اجل التحول الاشتراكي للزراعة دون تأميم سابق للارض ، مستندا في ذلك على المباديء اللينينيةوالخبرة الغنية للكولخوزات السوفيتية . كما اكًد ديمتروف على ضرورة الاخذ بالقاعدة اللينينية في المشاركة الطوعية ومنح الحوافز المادية . وبهذا وضع ديمتروف سلاحا آخر بيد الحزب لتمكينه من حل مشكلات التحول الاشتراكي للزراعة .

وناقش ديمتروف في التقرير السياسي الدور القيادي للطبقة العاملة والحزب في البناء الاشتراكي واشار الى ضرورة رفع مستويات العمل الحزبي والسياسي بين الجماهير ، واكًد بأن تطوير عمل الحزب التنظيمي يكمن في تقوية وحدته ومراعاة المباديء اللينينية في القيادة الحكومية والحزبية الجماعية ، وفي توسيع الديمقراطية داخل الحزب وممارسة النقد والنقد الذاتي .. الخ

وفي ختام تقريره ، اطلق ديمتروف شعار “ الى الامام نحو الاشتراكية ونحو الشيوعية ، ودوًت القاعة بالهتاف والتهليل وانشدت الوفود نشيد الاممية ــ واظهر الجميع إيمانهم الثابت بالمستقبل المشرق الذي رسمه ديمتروف ، وثقتهم في بناء الاشتراكية في بلغاريا رغم كل الصعوبات .

وبعد إنتهاء التقرير السياسي للجنة المركزية ، استمع المندوبون الى تقرير لجنة الطعون المركزية وتقرير حول التدريب الماركسي ــ اللينيني للكوادر والنضال على الجبهة الايديولوجية ــ وتحدث الرفيق تيودور جيفكوف ، السكرتير الاول للجنة الحزب في مدينة صوفيا وقال : ” إن تقرير جيورجي ديمتروف ليس تقريرا عاديا ، بل برنامجا لتعبئة ملايين الشغيلة للانجازات الجديدة . ” ( 4 )

والقى ديمتروف خطابا ختاميا ، اكًد فيه على ضرورة العمل الحزبي الجاد والمنظم من اجل تعبئة جهود الشغيلة لتنفيذ الخط العام الذي رسمه المؤتمر .

وصادق المؤتمر الخامس للحزب عل عدد من القوانين والاجراءات الجديدة وتغيير اسم الحزب الى الحزب الشيوعي البلغاري ، وتمً إنتخاب اللجنة المركزية ومكتبها السياسي ، وإنتخاب جيورجي ديمتروف سكرتيرا عاما لها . وبعد المؤتمر ، إنهمك ديمتروف واعضاء الحزب في العمل السياسي والتنظيمي والاقتصادي والايديولوجي النشيط لتحقيق قرارات المؤتمر التاريخية .

لقد تميزت حياة ديمتروف بقدرته البارزة على العمل , وعمل دون كلل من اجل إنتصار الشيوعية .ولم يتوقف عن العمل حتى وهو على فراش المرض . فكان يقرأ النشرات الاعلامية والتقارير وارسائل .. ألخ ويقدًم نصاحه لحل هذه المشكلة أو تلك . إن العمل المتواصل وآثار الفترة التي قضاها في سجون النازية ، قد نالت كثيرا من صحة ديمتروف . ففي بداية عام 1949 ، ساءت صحته وبدأت علامات الاجهاد والاعياء تظهر عليه بوضوح ، وإنتقلت اجتماعات المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب ومجلس الوزراء الى بيته .

وفي السابع من آذار ( مارس ) 1949 ، تمً إعفاء ديمتروف من مهامه الحزبية والحكومية ليُرسل الى العلاج في الاتحاد السوفيتي ، ورغم مرضه الخطير ، لم يتوقف ديمتروف عن المساهمة في قيادة الحزب والدولة وخدمة شعبه .

وقد اثار مرض ديمتروف الخطير ، حزنا عميقا في قلوب جميع ابناء الشعب البلغاري ، وتدفقت الرسائل والبرقيات المفعمة بالحب والامل من جميع انحاء البلاد الى مصح بوروفايكا حيث يرقد ديمتروف . إن الارتباط الحيوي بوطنه وشعبه قد منحه قوة ورفع معنوياته وساعده في التغلب على الالم والمعاناة .

ورغ كل الجهود التي بذلها الاطباء السوفيت ، لم يستطيعوا ان ينقذوا حياة جيورجي ديمتروف من قبضة المرض الخطير ( السكري ومرض الكبد وعجز اوعية القلب ) . ففي الثاني من تموز 1949 ، توفي رئيس وزراء بلغاريا والسكرتير العام للحزب الشيوعي البلغاري .

إن نبأ وفاة ديمتروف قد اثار الحزن العميق لدى الشعب البلغاري وملايين الشغيلة في كل انحاء العالم .وشعروا انهم فقدوا واحدا من ابرز قادة الحركة الشيوعية العالمية ومناضلا فذا من اجل إنتصار قضية الشيوعية وفقدت بلغاريا قائدا ومعلما عظيما ورجل دولة مستنير بعيد النظر .

ونعت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي البلغاري ومجلس الوزراء والمجلس الاعلى للجبهة الوطنية في بيان مشترك جاء فيه : ” إن وفاة جيورجي ديمتروف ، الشيوعي الملهم والتلميذ الوفي للينين ، الذي إرتبط اسمه بحياة الحزب الشيوعي البلغاري وتحت قيادته امسك الشعب البلغاري بزمام السلطة وسار على طريق الاشتراكية ، خسارة لا تُعوض للحزب والشعب وجمهورية بلغاريا الشعبية ــ وبوفاته فقد الحزب قائده المحبوب ورجل الدولة العظيم ومؤسس جمهورية بلغاريا الشعبية . كما فقدت الطبقة العاملة مناضلا بارزا ضد الفاشية والامبريالية ، ناضل من اجل التقدم والديمقراطية . ” ( 5 )

ونشرت اللجنة المركزية تقريرا ثمًنت فيه الدور العظيم الذي لعبه ديمتروف في حياة الحزب . وذكر التقرير بأن موقف ديمتروف في محاكمة حرق الرايخستاغ ، شجًع ملايين الشغيلة للنضال ضد الفاشية . وذكر التقرير بأن الشغيلة في كل انحاء العالم فقدت في شخص جيورجي ديمتروف مناضلا صلبا كرس كل حياته لخدمة قضية الطبقة العاملة وقضية الشيوعية و “ تُعد وفاته خسارة كبيرة لكل العمال والحركة الشيوعية العالمية وكل المناضلين من اجل السلام والديمقراطية . ” ( 6 )

ونُقل جثمان جيورجي ديمتروف من موسكو الى صوفيا بقطار خاص وإحتشد الروس والاوكرانيين والرومانيين والبلغار في محطات القطار للاعراب عن حبهم وتقديرهم للرجل الذي كرس حياته من اجلهم .

ووُضع جثمان ديمتروف في قاعة الجمعية الوطنية البلغارية كي تتمكن جماهير الشعب من إلقاء النظرة الاخيرة عليه .

وفي العاشر من تموز 1949 ، ، عُقد اجتماع حداد في ساحة التاسع من ايلول ( سبتمبر ) في صوفيا ، وعلى سلم الضريح الفخم الذي لم ينجز بناءه بعد ، وفقت وفود ثلاثة وعشرون حزبا شيوعيا وعماليا ، للتعبير عن تقديرهم لبطل لايبزغ والمناضل البارز في الحركة الشيوعية العالمية .

وصرًح الشكرتير العام للحزب الشيوعي الفرنسي موريس توريز قائلا : ” سيبقى جيورجي ديمتروف نموذجا للثوري البارز وقائدا بروليتاريا ومناضلا فذا من اجل شعبه والمباديء اللينينية العظيمة . ” ( 7 )

وقال العضو البارز في الحركة الشيوعية البريطانية والعالمية ، هاري بولت : ” على هدى ماركس وانجلس ولينين ، إختط ديمتروف طريقا ساطعا في تاريخ الحركة الثورية العالمية ولن يقوى الزمن ان يمحوها قط . ” ( 8 )

وفي هذا الاجتماع التاريخي عاهد الحزب الشيوعي البلغاري والشعب البلغاري بالحفاظ على الارث العطيم الذي خلفة ديمتروف وإتباع وصاياه لخدمة القضية التي كرس حياته لها ومن اجل بناء الاشتراكية والشيوعية في بلغاريا .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) المصدر السابق ص 243

( 2 ) المصدر السابق ص 347

( 3 )المصدر السابق 314

( 4 ) المؤتمر الخامس للحزب الشيوعي البلغاري 18 ــ 25 كانون الاول ( ديسمبر ) 1948 صوفيا 1949

( 5 ) في ذكرى الابن العظيم للشعب < . ديمتروف صوفيا 1950 ص 8 ــ 9

( 6 ) المصدر السابق ص 5 ــ 6

( 7 ) في ذكرى الابن العظيم للشعب ، ج . ديمتروف ص 183

( 8 ) المصدر السابق ص 215