الرئيسية » شؤون كوردستانية » (تركيا) ….. الى أين؟ (25)

(تركيا) ….. الى أين؟ (25)

تنظيم و إدارة شؤون الكوردستانيين القاطنين خارج الإقليم الشمالي

1. الكوردستانيون القاطنون في “تركيا”

أ. اللغة

في الحقيقة أن الإستراتيجيات التي أقترحها هنا و آليات و وسائل تحقيقها، لتمكين الكورد الشماليين القاطنين في “تركيا”، خارج إقليم شمال كوردستان للتواصل مع الشعب الكوردستاني و الحيلولة دون إنسلاخهم عن شعبهم الكوردستاني و ذوبانهم في المجتمع التركي، يمكن تطبيقها بالنسبة الى سكان إقليم الشمال أنفسهم و كذلك لكافة بنات و أبناء كوردستان، سواء الذين يعيشون داخل كوردستان أو خارجها. إن هذه الدراسة مخصصة ل”تركيا” و كذلك شمال كوردستان التي محتلة من قِبل “تركيا” و بذلك تفرض مسألة شمال كوردستان نفسها على هذه الدراسة و وضع خارطة طريق لتحرير هذا الجزء من الإحتلال، و إلا فأن هذه الإستراتيجيات موضوعة لشعب كوردستان في كافة أرجائها و يجب أن تُشرف عليها و تنفذها مؤسسة واحدة على نطاق كوردستان كلها.

يعيش في استانبول وحدها حوالي 7,5 مليون كوردي و يعيش عدة ملايين من الكورد في كل من أنقره و إزمير و قونية و مناطق و مدن أخرى في “تركيا”. من هنا يتبين بأن أعداد الكورد القاطنين خارج إقليم شمال كوردستان في “تركيا” قد تبلغ حوالي 12 مليون نسمة، أي ما يعادل حوالي نصف سكان الإقليم. قسم من هؤلاء الكورد الذين يعيشون في “تركيا” يعيشون هناك قبل مجئ الأتراك الى المنطقة، بينما القسم الأكبر منهم تركوا كوردستان بسبب التهجير القسري الذي قام به النظام التركي أو هاجروا بسبب ظروفهم المعيشية الصعبة في كوردستان، طلباً للحصول على العمل لإعالة أنفسهم و عوائلهم أو أنهم تركوا كوردستان نتيجة الظروف السياسية الصعبة، حيث أن حالة الطوارئ تسري في شمال كوردستان و يتعرض المواطنون الى الإعتقال و التعذيب و المضايقات و الإهانة و يعانون من مشكلة الفقر و البطالة.

مما سبق فأن حوالي نصف سكان إقليم شمال كوردستان يعيشون خارج الإقليم و من هنا لا يمكن أبداً إهمال هذا العدد الهائل من الكورد، بل يجب الإهتمام الكبير بهم للحيلولة دون إنسلاخهم عن شعبهم الكوردي و دعمهم بكل الوسائل ليستمروا في تواصلهم و تفاعلهم مع الكوردستانيين في الإقليم الشمالي و ذلك من خلال برنامج تنظيمي و إقتصادي و تربوي و تعليمي و ثقافي و إجتماعي متكامل.

الشعور القومي لا يكفي لوحده لمنع إنسلاخ الإنسان الكوردي عن شعبه و قوميته أو أن يكون عضواً فعالاً في خدمة الشعب الكوردستاني، بل يحتاج هذا الأمر الى ترسيخ الوعي الوطني فيه و تشبعه بالثقافة الوطنية الكوردستانية و إمتلاكه لمقومات الإنتماء القومي و الوطني و أن يتم تأمين الجانب الإقتصادي له ليتمكن من إعالة نفسه و عائلته و بذلك يكون في وضع يؤهله أن يكون مستعداً للمساهمة في تحرير وطنه و خدمة شعبه.

هناك وسائل عديدة يمكن عن طريقها أن يتمكن الكورد القاطنين في “تركيا” من تعليم اللغة الكوردية و ذلك عن طريق تأسيس مراكز تعليمية أهلية من رياض أطفال و مدارس و معاهد و جامعات في مختلف المناطق و المدن و القرى، حيث أن القوانين التركية الحالية تُجيز ذلك. كما يمكن للأحزاب الكوردستانية و كذلك منظمات المجتمع المدني من نقابات و جمعيات و إتحادات و غيرها بتنظيم دورات متواصلة لتعليم اللغة الكوردية. على مستوى الأفراد يمكن القيام بهذا العمل الوطني المهم في البيوت و أماكن أخرى. في ستينيات القرن الماضي أي قبل حوالي ستين عاماً عمل الدكتور جمال نبز بشكل فردي على تعليم الطلبة الكورد اللغة الكوردية في بيته، عندما كان يعمل مُدرساً لمادة الرياضيات و الفيزياء في إحدى مدارس مدينة كركوك، حيث كان طلابه الكورد يجتمعون في بيته و يتلقون الدروس في اللغة الكوردية. هذا ما أخبرني به صديقي الراحل الأستاذ جوامير كاكه يي الذي كان آنذاك أحد تلامذة الدكتور جمال نبز في كركوك، حيث أنه كان يعرف الأهمية القصوى لإلمام الإنسان الكوردي بِلُغته و خاصةً أن الشعب الكوردي يفتقد الى كيان سياسي و لذلك فأن لغته هي هويته التي تحافظ على خصوصيته القومية و يتميّز بها عن الشعوب الأخرى.

إن العولمة و ثورة الإتصالات و المعلومات، الإنترنيت و الفضائيات التلفزيونية و الموبايل، أزالت الحدود الدولية و إخترقت الحواجز و الموانع في عقر دار الإنسان و هدمت حواجز و معوّقات التواصل بين المجتمعات البشرية. هذه التطورات التكنولوجية خلقت ظروفاً ممتازة للمغتربين المتشتتين في مختلف بقاع العالم، للتمكن من التواصل مع لغاتهم و ثقافاتهم و شعوبهم، بعد أن كانوا قبل نحو عقدَين من الزمن معزولين عن مجتمعاتهم الأصلية، فأنقذتهم هذه الإنجازات الإنسانية العظيمة من عزلتهم. يمكن إستخدام هذه الوسائل المتطورة لتعليم المواطنين الكورد القاطنين في “تركيا”، لغتهم و ذلك من خلال مواقع شبكات التواصل الإجتماعي مثل الفيسبوك و تويتر و غيرهما و كذلك عن طريق وسائل إتصال الإنترنت مثل إسكايب و بالتوك و غيرهما، حيث يمكن تنظيم دورات تعليمية منتظمة و متواصلة لتعليم اللغة الكوردية و كذلك الإطلاع على التأريخ الكوردي العريق الذي حجبه المحتلون عن الشعب الكوردي و قاموا بسرقته و تشويهه. هذه الوسائل المتطورة تساهم الى جانب تعليم اللغة و الإلمام بالتأريخ الكوردي، في التواصل الثقافي و الإجتماعي بين أفراد الشعب الكوردي. إفتتاح قناة تلفزيونية فضائية خاصة لهذا الهدف سيساهم مساهمة كبيرة في إنجاح هذه المهمة القومية و الوطنية الإستراتيجية في تعليم الكورد لغتهم الأم و تعريفهم بتأريخهم و تراثهم. الى جانب برامج تعليم اللغة الكوردية، ينبغي أن تقوم هذه الفضائية بوضع برامج خاصة لجذب إهتمام المغتربين الكوردستانيين و شدهم الى متابعة تلك البرامج لتواصلهم مع لغتهم و ثقافتهم. يجب أن تشمل تلك البرامج التلفزيونية على برامج خاصة بالأطفال و الشباب و الكبار و المرأة و المجتمع الكوردستاني و أطيافه و أديانه و مذاهبه و الطبيعة في كوردستان و مناطقها و الموسيقى و الفن الكوردستاني و السياسة و أخبار الكورد في مختلف مناطق العالم و تغطية لحياة المغتربين في “تركيا”. يجب إفتتاح قناة تلفزيونية ثانية خاصة بالأطفال، حيث يكون تعليم اللغة الكوردية من ضمن البرامج الأخرى من أفلام و أغانٍ و برامج أخرى متعددة خاصة بالأطفال، موضوعة بشكل علمي و تربوي من قِبل خبراء و مختصين في هذا المجال، لتطوير الطفل و تنمية مواهبه و قابلياته و معلوماته، حيث حسب علمي ليست هناك لحد الآن فضائية كوردية خاصة بالأطفال فيضطر الأطفال الى مشاهدة برامج الأطفال في االقنوات التلفزيونية التابعة لمحتلي كوردستان التي تبث برامجها باللغة التركية أو الفارسية أو العربية أو لغة الدولة الأجنبية التي يعيش فيها الطفل الكوردي في الدول الغربية. إن العمل على تعليم الأطفال الكورد لغتهم و إحتفاظهم بثقافتهم يتطلب وجود قناة تلفزيونية فضائية خاصة بهم بالإضافة الى إهتمام الأمهات و الآباء و العاملين في المجالات التعليمية و التربوية بغرس الشعور الوطني الكوردستاني في نفوس أطفالهم و مساعدتهم في تعليم لغتهم و تعريفهم بوطنهم و شعبهم و تأريخهم و تراثهم.

إن تنفيذ تلك الأعمال المذكورة أعلاه، يحتاج الى جهة تقوم بها و الى مصدر مالي يموًل مثل هذه المشاريع الإستراتيجية الكبرى. يمكن تحديد الجهة المشرفة و التنفيذية للقيام بهذه الأعمال بأن يتم تشكيلها من التنظيمات السياسية الكوردستانية و منظمات المجتمع المدني الكوردستاني. بالنسبة الى جهة التمويل المالي، يمكن أن يتم من خلال مساعدات منظمة الأمم المتحدة و خاصةً منظمة اليونسكو، على أساس أن اللغة و الثقافة الكوردية و التراث الكوردي معرّضة للإنقراض و الزوال و كذلك من خلال تلقي الدعم و المساعدة من الإتحاد الأوروبي و منظمات المجتمع المدني في مختلف بقاع العالم، و خاصة في البلدان الديمقراطية. التمويل الأساس يجب أن يتم عن طريق تأسيس صندوق مالي يمكن تسميته مثلاً “صندوق التنمية الكوردستانية” الذي تكون مصادر أمواله من الإستثمارات الكوردستانية و المساعدات الفردية المتأتية من الكورد الأثرياء و من تبرعات مواطني كوردستان و مساعدات مادية من الأمم المتحدة و منظمات المجتمع المدني في العالم و كافة الجهات العالمية المعنية بتقديم العون و المساعدة للشعوب و القوميات و الأقليات التي تتعرض لغاتها و ثقافاتها و تراثها لخطر الزوال و الإضمحلال. في الحلقات القادمة سأتناول الجانب الإقتصادي بالتفصيل لإنجاح عملية تواصل الكوردستانيين الشماليين القاطنين في “تركيا” مع مجتمعهم الكوردستاني و مع لغته و ثقافته و تراثه و ترسيخ الروح القومية الكوردية المنفتحة و الوطنية الكوردستانية في نفوسهم و عقولهم و منع إنسلاخهم عن أمتهم.