الرئيسية » مقالات » تجربة أعتز بها

تجربة أعتز بها

” إن التعليم يجلب الاستدامة لجميع الاهداف الانمائية ، ومحو الامية هو اساس التعلم . إنه يوفر للافراد المهارات اللازمة لفهم العالم وتشكيله ، كما يسمح لهم المشاركة في العملية الديمقراطية وتمنحهم صوت ، ويعزز هويتهم الثقافية “

إيرينا بوكوفا : المدير العام لليونسكو


تشيرالتقارير الاخيرة عن العراق بأن عدد الاميين قد بلغ سبعة ملايين امي .وعند قراءتي لهذه التقارير ، تذكرت تجربتي في مجال محو الامية في محافظة المثنى في بداية السبعينيات من القرن الماضي .

حين كنت طالبة في السنة الثالثة في كلية التربية ،اصطحبتنا مدرًسة طرق التدريس الى مراكز التربية الاساسية في الحلة وابي غريب لنطًلع على طرق تعليم الكبار القراءة وبعض الحرف اليدوية ، ومن تلك الزيارات ، تولدت لدي رغبة كبيرة في فتح مركز لمحو الامية للنساء في السماوة لكن مثلما يقول المثل ( مافي اليد حيلة ) ، لاني طالبة . وعندما تخرجت وتمً تعييني مدًرسة في السماوة ، وإنفصلت السماوة عن الديوانية وا صبحت واقضيتها ونواحيها محافظة ، قررت ان احقق حلمي .


قابلتُ مدير عام تربية المثنى الاستاذ حميد الخفاجي ، وهو من اهالي الحلة ، وطلبت منه أن يساعدني لفتح مركز لمحو الامية للنساء في السماوة . ولازلت اتذكر الحديث الذي دار بيني وبينه .

ــ استاذ عرفت من اهالي السماوة بأنك عُينت مديرا عاما لمحافظة المثنى لكفاءتك وتفانيك في العمل. وأنا منذ ان كنتُ طالبة في الكلية كان يراودني حلم اتمنى أن تحققه لي ، وهو فتح مركز لمحو الامية للنساء في السماوة . فهناك اعداد كبيرة من النساء لم تسمح لهنً ظروفهنً في تعلم القراءة والكتابة ، وانت تعرف ان إمتلاك الفرد مهارات الكتابة والقراءة والحساب يمكنه من رفع مستوى حياته الثقافية والاجتماعية والاقتصادية ايضا .اتمنى أن تعطيني فرصة لتحقيق حلمي و هكذا مشروع يحتاج الى دعم ومساعدة مديرية التربية .

وردً قائلا :

ــ اعرف ذلك ، لكن انا لاأظن أن هذا المشروع سينجح ، لأننا فتحنا مركزا في الحلة وكان عدد الدارسات في بداية إفتتاحه ما يقارب 102 دارسة ولم يبقى منهن سوى دارستين وفشل المشروع .

ــ لاخوف من فشل المشروع و انا متأكدة من نجاحه وحتى لو يفشل في المرة الاولى والثانية والعاشرة ، لن استسلم لأني انا المتطوعة للعمل فيه وبدون اية مكافأة .

ــ طيب كيف برأيك نبدأ بفتح المركز ؟

ــ اولا نحدد مكان المركز وافضًل ان يكون في مدرسة سومر للبنين لأنها تقع وسط المدينة ثم نوفر سيارة تجوب شوارع المدينة وعبر مكبر الصوت نعلن عن إفتتاح المركز . وبما اننا لانستطيع ان نجبر الاهالي لارسال بناتهن الى مركز محو الامية ، افضًل أن نبدأ بفراشات ( عاملات ) المدارس لأن كلهن اميات ويبصمنً بالابهام عند إستلام رواتبهنً ،و من لا تلتزم بالحضور يُقطع من راتبها .

ــ فكرة جيدة .. سأصدر امرا لجميع مدارس البنات في السماوة لتبليغ العاملات بالالتحاق بمركز محو الامية .
خرجتُ من مديرية التربية فرحة ورافعة يدي الى السماء لينجح المشروع ، وبات شوقي لرؤية المركز اكبر من شوقي لرؤية اي شيء اعشقه .

سافرتُ الى بغداد و قابلتُ السيد عباس مسؤول محو الامية في وزارة التربية انذاك ، وطلبت منه تزويد المركز بالكتب والقرطاسية ، ولم يبخل الرجل بالمساعدة . كما كنت اقوم بزيارة بعض العوائل التي لديها شابات لايقرأنً ولايكتبنً لأحثهنً على الاسراع بالتسجيل .

إبتدأنا العمل في المركز بشعبة واحدة . وما ان انتشر خبر إفتتاح المركز في المدينة سارعت العديد من الشابات اللواتي حُرمن من نعمة التعلم في الطفولة ( ومن عوائل محافظة ) بالاسراع بالتسجيل . وفتحنا شعبة ثانية للدارسات الجدد . و بعد شهر طلبت من مدير عام التربية لزيارة المركز لنقوم بتسريح العاملات لأن اعمارهن اكثر من 45 سنة وليس لديهن الرغبة في التعلم بل كنً مجبرات على ذلك . ولازلت اتذكر كيف قمن بتقبيل رأسي فرحا حين اخبرتهن بعدم الاستمرار في الدوام في المركز .ولم تبقى سوى عاملة واحدة من ثانوية السماوة للبنات، وكانت شابة في العشرينات ، وواصلت الدراسة في المركز حسب رغبتها .

بعدها فتحنا مركزا في منطقة الحيدرية وآخر في منطقة الشرقي وفي مدرسة غرناطة للبنات في منطقة الغربي واذكر حتى نساء من كبار السن سجًلن فيه لقربه من سكناهن ، رغم ان اعمارهن اكثر من 45 سنة . وبعد نجاح مراكز محو الامية في مدينة السماوة ، باشرنا بفتح مركز في الرميثة و آخر في الخضر .

تتم الدراسة في مركز محو الامية على مرحلتين ، مرحلة الاساس ومدتها سبعة اشهر والثانية التكميل ومدتها ايضا سبعة اشهر ، وتُقبل الحائزة على مرحلة التكميل في الصف الخامس الابتدائي ويحق لها الاشتراك في الامتحانات العامة للدراسة الابتدائية في حالة توفر مدرسة ابتدائية مسائية للنساء .

ولعدم وجود مدرسة ابتدائية مسائية في السماوة ، قدًمت المتخرجات من مركز محو الامية طلبا الى مدير عام تربية المثنى طالبن فيه بفتح مدرسة ابتدائية مسائية ليواصلن تعليمهن . وفعلا بادرت مديرية التربية بفتح مدرسة ابتدائية مسائية في مدرسة غرناطة للبنات ، وإستطاعت الدارسات اجتياز امتحان البكلوريا في الصف السادس الابتدائي . بعدها تقدمن بطلب الى مدير عام التربية طالبن فيه بفتح مدرسة متوسطة مسائية ، لكن مديرية التربية لم تتمكن من ذلك .

أواخر عام 1976 انتقلتُ من محافظة المثنى للالتحاق بزوجي في محافظة القادسية ، وعرفتُ ان ثلاثة من اللواتي اكملنً الابتدائية وإجتزن إمتحان البكلوريا ، كانت لديهن الرغبة الكبيرة لمواصلة الدراسة في المتوسطة ، لكن أعمارهن لاتسمح لهن بمواصلة الدراسة في المدارس النهارية ، فقمن بتصغير اعمارهن وواصلن الدراسة في متوسطة الكرامة للبنات وان احدى المتفوقات في امتحان البكلوريا للصف الثالث المتوسط في متوسطة الكرامة كانت احدى المتخرجات من مركز محو الامية .

و لم تقتصر مهمتي في القضاء على الامية الابجدية بين اللواتي التحقن بمركز محو الامية ، بل كنت ابذل جهدا كبيرا لمحو اميتهن الثقافية ورفع الوعي المعرفي عندهن قدر الامكان . فكنت بين فترة واخرى استعين بأحد زملائي ايام الثانوية ، ليجلب لنا فلما هادفا ونعرضه في احد المراكز . وبعد إنتهاء عرض الفلم ، تدور حوارات وتبادل الآراء بين النساء ويتخلل ذلك تناول الشاي والكيك . ومن القصص الطريفة في تلك الامسيات سألت إمرأة تروم السفر لإداء مناسك الحج : ” هل صرفت المبلغ الذي تنوين اخذه معك الى الدولار ؟ “ وأجابت : ” لا فقد اخذتُ ترفل جك . ” استغربت وسألتها : ” لماذا ؟ “ ، فأجابت : ” عنما يضيع او ينسرق مني لايستطيع احد غيري ان يصرفه .” وسألت اخرى ماذا ستستفاد من محو الامية ، فردت قائلة :

” على الاقل عندما اسافر الى بغداد اعرف ارقام الباصات وإتجاهاتها … “ في الآونة الأخيرة إنتشرت الامية في اغلب قرى محافظة المثنى وحتى المدينة . وبغية القضاء على الامية وإنطلاقا من أن التعليم عاملا اساسيا لتقدم المجتمع ، املي ان تتكاتف جهود الخيرين من بنات وابناء المحافظة لمحاربتها .كما أن هناك امية غير امية القراءة والكتابة والمتمثلة بعدم معرفة إستخدام تكنولوجيا التطور والانترنيت خاصة في المدارس الثانوية وبعض دوائر المحافظة . وفي رأيي بإمكان جامعة المثنى تقديم المساعدة من خلال فتح دورات لموظفي هذه الدوائر ليتمكنوا من خلالها التعرف على استخدام الكومبيوتر والانترنيت .