الرئيسية » الآداب » أموت وتبقى شهرزاد!!

أموت وتبقى شهرزاد!!

هل لتلك الحكايات أن تغادر الفكر والروح؟ وهل بإمكان شهرزاد أن تفارق الوجع الأبدي؟ لكنه هو القلم الشقيّ الذي يعاند فيأبى ويتمنع لا يرضى بأن يكتب حكاية باهتة كظلّ جارح لرجل بئيس فاقد للوعي اللغوي الجميل المدهش، وفاقد للألق والحرارة، فقد تسللت الرطوبة لكل أنحاء جسمه فغدا شبه جثة هامدة لا يحركها سوى ألم الذكريات يا شهرزاد.
أحسّ أنني ألمّ الحروف المبعثرة في رمال الإهمال، وأجمعها وقد تسربت بين عوالق الشوك والحسك، أحسّ بأنني أجرّح قامة الكلمات المرهفة فتصيح بي من شدة ألمها، فتضربني بسياطها، وترجوني بأن أبتعد عن ممارسة غواية الورد المنطفئ في جنباتها، أحس بأنّتها الفائرة عن حدّ الحزن الذي جعلها تنام مخدّرَة بين المسافات الطويلة لا تريد أن تنهض على ساقها، أحسّ بها تصارع موتها النهائيّ، فلا أمل من أن أنبهها بأوهام قد قتلت آخر دفقة من شعور الحبّ والانطلاق نحو الحياة.
غابت الشمسُ يا شهرزاد، وأسدل الستار، وجاء الليل بعواصفه القارسة وهواجسه الممتدة بين عمرين، عمرٍ خريفيٍّ راحل متجهٍ وبسرعة كانحدار الكرة في سفح جبل أملس لا يحد تدهوره شيء من شجر أو حجر، لم يبق شيء يرده عن استقراره في الهاوية، وعمرٍ ربيعيّ زاهر متقدّ الحيوية والبهجة والأمل وبزوغ الأمنيات وقد تفتح لملذات الحياة ومباهجها، فكيف سيكون اجتماع الضدين، ضدٍّ جريح يصارع الموت ويحسّ بروحه تخرج أمامه نفَسا نفسا، وتتدلى مقتولة وتسجى على ألواحه، استعدادا لطقوس النفي والرحيل الأخير، وضدٍ متوقد نورانيّ الطلعة بهي، يرقص للفرح، ويغني للمنى أعذب الكلام، فكيف لشهريار أن ينادم شهرزاد وكأسُه مفرغة وليلته ظلماء حالكة.
هذا أنا يا شهرزاد بحزنٍ طويلٍ وطويل متعدد الطبقات، مسكون باليأس، مجبول بالمرارة، معجون بالانكسار، فهل لرجل وصل هذه الحالة من الضعف والخور أن يحدث بأحاديث الغرام، وقد ماتت صبابته وشيعته الحياة إلى الفراغ والعدم؟ هل لرجل يصارع قلبُه أحلامه المؤودة أن يحدث نفسه وأن يقول لك ولو مجاملة “إني أحبّك”، لقد فقدت اللغة قدرتها على أن تنظم مثل هذا الهراء، لأنه لم ينفعه ولم يشفع له أن يكتب ويقول ويشتاق، إن بي ألما يقطّع أكباد الصناديد ويمزق مسرودات الحديد، فلا تزيدي الأوجاع، واجعليها مفردة منفردة تتغلغل في أحشائه ليقتله السرطان، سرطان الحب والوله الذي أصابه، فتشبعت نفسه بالموت، ولا يريد سواه، فماذا تتوقعين من شخص وضع رجله في بداية رحلة الموت؟ ماذا تتوقعين من مهزوم ينزف وجدا كل ثانية، لينداح الدم مسيلا في كل أنحاء عمره وما تبقى منه.
لا فائدة من اشتياق رجل مذبوح ومعلق على مشانق الذكريات يا شهرزاد، لا فائدة من شخص فقد النور والأمل، ولم يعد يرى غير الجنون نهاية لرحلة من صبابة حطمته وأردته، لك الله يا شهرزاد أوصلت القلب إلى مرحلة الرماد، فكيف له أن يكتب بعدها وردا وأغاني وأشعارا غير المراثي الباكيات ويستحضر الناعيات والناعبات، لتندبه كل صباح ومساء، إلى أن يأذن الموت بكتابة جملته الأخيرة على شهادة قبره: مات مفؤودا ومجروحا، فليرحم الله روحه!!

———————-
فراس حج محمد/ فلسطين نابلس